تقدم الثقافة والعلوم والآداب فی مصر .. د. معراج الدين الندوي

الكاتب: د. معراج الدين الندوي رئيس التحرير لمجلة التلميذ (كشمير)، الدوحة بدولة قطر البريد الالكتروني: [email protected]

انّ الثقافة الحدیثة التی بعثها محمد علی فی مصر لم تشع فی سواد المصریین بل اكثـرهم غارقاً فی الجهالۃ العمیاء.2 ؎ وكانت مقصورۃ و مُخَدّرةً علی طبقۃ صغیرۃ خاصۃ، هی طبقۃ المتعلمین علی النظام الحدیث، علی أنهم و إن قل عددهم بالإضافۃ إلی مجموع الإمۃ، فلقد كان انتاجهم كثیـراً جلیلا، بحیث كانوا فی جملتهم قادرین بالتعلیم والتهذیب والتألیف والمحاضرۃ فی المجالس الخاصۃ علی رفع المستوی الذهنی العام إلی حظ صالح؛ و ماكادالحكم یفضی إلی اسماعیل فی سنۃ 1863م حتی جرّد للإصلاح همّۃ لایعرفها الكلال، وشمّر للنهوض بمصر عن عزمۃ لاتنوء برواسی الجیال وجعلت العلوم والفنون والآداب تطرد فی سبیل تقدمها ورقیها؛ وقویت حركۃ التعلیم فی العلوم والفنون والآداب، وعظمت نهضتها إلی الحد الذی لم تبلغه فی أی دور من أدوار العصر الحدیث، سواء فی كثرۃ عدد المتعلمین، و فی أنواع التعلیم، أو فی التجرد لطلب العلوم العالیۃ فی مصر وفی بلاد الغرب. أما التعلیم الأولی فقد فرضه الدستور علی كل مصری ومصریۃ متی بلغا الخامسۃ من العمر وجعله بالمجّان وقد أنشأت وزارۃُ المعارف تحقیقاً لهذه الغایۃ قدراً كبیـراً جداً من المدارس الأولیۃ بثتـها فی جمیع مدن القطر المصری وكثیر من قُراه حیث یتعلم الأطفال فیها القراءۃ والكتابۃ ویحفظون القرآن كله و بعضه، والحساب وصوراً من المعلومات العامۃ. 3؎
و أما التعلیمات الإبتدائیۃ والثانویۃ فقد زادت مدارسها زیادۃ هائلۃ بما أنشته وزارۃ المعارف وماینشئه الأهلون أنفسهم وأما التعلیم فی مصر فقد بلغت العنایۃ به مدی بعیداً بقیام المدارس المتوسطۃ والعالیۃ لكل من فنی الزراعۃ والتجارۃ و أما التعلیم العالی فقد وسع فی مناهجه ورفعت علومه. وزید فی مدارسه بِانشاء معهد التربیۃ.4؎
ومع هذا كله فما برح سیل البعثات العلمیۃ یتدفق إلی بلاد الغرب تدفقا فوزارۃ المعارف تبعث فی كل عام عددا كبیـراً من محرزی الشهادات العالیۃ لیتبحروا فی العلوم والفنون المختلفۃ التی یستطیعون تناولها و التبریز فیها فی بلادهم. وعلی كل حال، فان مصر الآن جادۃ كل الجد، جاهدۃ كل الجهد،فی تحصیل العلوم والفنون العالیۃ، ملاحظۃ بهذا مجدها القدیم، ومواتیۃ مطمحها الحدیث.
نمو الحیاۃ الثقافیۃ بعد ثورۃ 1919:
نمت الحیاۃ الثقافیۃ فی مصر بعد ثورۃ 1919م وكان هذا النمو نتیجۃ لعوامل عدیدۃ. ومن أهم تلك العوامل تدعیم الجامعۃ واتضاح شخصیتها،بعودۃ طلائع بعثاتها إلی مصر، واسهام هذه الطلائع بنشاط واضح فی الحیاۃ الثقافیۃ وكان من ألمع هؤلاء الدكتور طه حسین، والدكتورأحمدضیف و الدكتور علی العنائی كما كان من أسباب تدعیم الجامعۃ واتضاح شخصیتها وضعها تحت اشراف الدولۃ سنۃ 1925م.5 ؎ وضم مدارس الحقوق والطب والعلوم إلیها ثم تتابع الكلیات الآخری إلی حرمها بعد ذلك حتی تمت جامعۃ مكتملۃ.
كذلك كان من اهم مظاهر نمو الحیاۃ الثقافیۃ فی مصر خلال تلك الفترۃ، اصلاح الأزهر و إنشاء كلیاته المتخصصۃ. كما كان من مظاهر نمو الحیاۃ الثقافیۃ أیضاً توسع الدولۃ فی التعلیم نسبیاً وبخاصۃ فی مجال التعلیم العام ثم ازدیاد الاهتمام بتعلیم المرأۃ، و إیفاد كثیـر من البعثات التی لم تقتصر علی الجانب الحكومی بل تعدته إلی الهیئات والمؤسسات التی یأتی فی مقتدمتها بنك مصر، حیث أوفر طائفۃ من الهیئات والمؤسسات وأبناء الأمۃ للتخصص فی فنون مختلفۃ، لینتفع بهم فی مجالات الصناعۃ التی احتضنتها شركاء البنك حینذاك.6 ؎
وكذلك من مظاهر نمو الحیاۃ الثقافیۃ فی مصر صحافۃ وطنیۃ خالصۃ قد ولدت خلال تلك الفتـرۃ، وأدت أجل الخدمات إلی مصر و قد تمثلث هذه الصحافۃ فی مجلات ’’الرسالۃ‘‘ و ’’الروایۃ‘‘ و ’’أبولو‘‘ و ’’الثقافۃ‘‘ أصدرت هذه المجلۃ “لجنۃ التألیف و الترجمۃ والنشر” بریاسۃ الأستاذ أحمد مین فی ینایر 1939 واستمرت 14عام.7 ؎ وهناك جهاز آخر بعد جهاز الصحافۃ. لاشك أنه قد أسهم بنصیب فی تنمیۃ الثقافۃ فی تلك الفتـرۃ هذا الجهاز هو المسرح. ولا یمكن لنا ان نغفل بذكر السینما فقد دخلت مصر لأول مرۃ خلال هذه الفترۃ وبرغم أنها بدأت بأفلام أجنبیۃ صامتۃ فاحشة. وبأفلام عربیۃ صامتۃ كذلك ثم ثنت بأفلام ناطقۃ ولكنها هزیلۃ برغم ذلك قد أدت السینما بدورها خدمات لاتنكر فی مجال تنمیۃ الثقافۃ الحدیثۃ برغم كثيرا من الفواحش، حیث أطلعت مشاهدین كثیرین علی أقطار بعیدۃ وأشركتهم فی قضایا عدیدۃ.
كذلك لایمكن أن تغفل الإذاعۃُ فی مجال الحدیث عن الأجهزۃ الثقافیۃ التی عرفت فی هذه الفتـرۃ وقامت الإذاعۃ بِاهتمام المواد الثقافیۃ عن طریق البـرامج والأحادیث والتمثیلیات، بل تجاوز ذلك إلی الاهتمام بالمواد الأدبیۃ الخالصۃ كالأشعار والقصص والنقد، مما كان له أثركبيـر فی الحیاۃ الثقافیۃ بعامۃ وفی الحیاۃ الأدبیۃ بخاصۃ.
أول الاتصال الفعلی بالثقافۃ الحدیثۃ:
كان لوالی مصر محمد علی الذی حكمها بدءاً من سنۃ 1805م دور بالغ الأهمیۃ فی تحدیث مصر ونقلها من العصور الوسطی إلی العصور الحدیثۃ وازدیار استقلالها عن الامبراطوریۃ العثمانیۃ وِان ظلت تابعۃ لها رسمیا وقد استقدم محمدعلی ـــ أول الأمر ــــــ الأساتذۃ الأجانب للتدریس فی المدارس المختلفۃ، ونظراً لعدم معرفۃ هؤلاء بلغۃ البلاد و معرفۃ التلامیذ بلغتهم فقد استعان المترجمین من السوریین والمغاربۃ وغیرهم.8 ؎
كذلك أرسل محمدعلی البعثات إلی وربا لیقوم أبناؤها فیما بعد مطالب الجیش، وللتدریس فی تلك المدارس التی هی فی خدمۃ الجیش وقد تعددت البعثات وتنوعت، بین هندسیۃ وطبیۃ وزراعیۃ وصیدلیۃ، وقانونیۃ وسیاسیۃ وكیماویۃ، كما كان منها بعثات للتخصص فی الطباعۃ والحفر والمیكانیا وغیرها.9 ؎
وهكذا كان أول لقاء عملی بین الشعب المصری والثقافۃ الغربیۃ فی العصر الحدیث وظهرت بهذا اللقاء الثقافی ثمار طیبۃ، فقد عاد هولاء المبعوثون بعلم جدید وعقلیۃ جدیدۃ وثقافۃ حدیثۃ الی بلادهم فعلموا فی المدارس وعملوا فی المصالح، وترجموا و ألّفوا وخططوا، و بهذا وضعوا أساس الحركۃ الثقافیۃ والأدبیۃ الحدیثۃ، كماقاموا بتطویر اللغۃ لما ترجموا إلیها من علوم حدیثۃ وبما أمدوها به من مصطلحات جدیدۃ ثم بما عبـروا عنه من فكار مختلفۃ وموضوعات متنوعۃ. أكثرها یتصل بالحیاۃ ویرتبط بموكب الثقافۃ الإنسانیۃ المتطورۃ.
وكان من أجل مظاهر ذلك مدرسۃ الألسن التی اقتـرح انشائها رفاعۃ الطهطاوی وعهد إلیه بِادارتها وكانت تعنی بدراسۃ اللغات الفرنسیۃ والإیطالیۃ والتركیۃ والفارسیۃ،وإلی جانب آداب اللغۃ العربیۃ والتاریخ والجغرافیا والشریعۃ الإسلامیۃ والشرائع الجنبیۃ.10 ؎
وقد استطاعت مدرسۃ الألسن بفضل خریجیها، أن تترجم كثیرا من الكتب القیمۃ كما ترجم رفاعۃ رسائل عدیدۃ فی مختلف الفنون والعلوم وترجم كذلك بعض قطع من الشعر الفرنسی، من بینها نشید ’’المرسیلیز‘‘ وترجم دستور فرنسا وعلق علیه بوعی لمفاهیم الحریۃ وحقوق المواطنین ونظام الحكم.11 ؎

أهم المظاهر الثقافیۃ الحدیثۃ
ولعل من أهم المظاهر الثقافیۃ التی عرفت فی تلك الآونۃ، انشاء المطبعۃ الأمیریۃ سنۃ 1822م ثم اصدار صحیفۃ سمیت أولاً باسم ’’جورنال الخِدِیْو‘‘ ثم أخذت اسم ’’الوقائع المصریۃ‘‘ وكانت تصدر أولاً باللغۃ التركیۃ والعربیۃ ثم صارت تصدر بالعربیۃ وحدها.12 ؎
وأهم الثمار التی جنیت من الحركۃ الثقافیۃ الحدیثۃ هی ظهور جماعۃ من المثقفین المصریین، الذین نهلوا من ثقافۃ الغرب وعرفوا لغته وبعض أدبه بمعرفۃ جیدۃ وأصبحوا یمثلون لوناً جدیداً إلی جانب اللون التقلیدی الممثل فی علماء الأزهر حینذاك.
وربما كان من ثمار تلك الحركۃ كذلك، انتعاش اللغۃ العربیۃ بعض الانتعاش وتجددها بعض التجدد، وذلك لأنها أصبحت لغۃ العلوم الحدیثۃ ولغۃ الصحافۃ الجدیدۃ و وسیلۃ الأفكار والنظم والوافدۃ، فاتسعت للمصطلحات العلمیۃ والفنیۃ، ومالت أكثـر إلی الموضوعیۃ،وتخلصت نوعاً من الركاكۃ والتكلف.
مصادر الثقافۃ المصریۃ فی العصر الحدیث:
لقد كانت مصادر الثقافۃ العامۃ فی مصر لأول هذا العصر الذی نتحدث عنه هی ثلاثۃ: الكتاتیب، ومعاهد التعلیم الدینی، والمكتبات أما الكتاتیب فلا یخلو منها بلد ولاقریۃ، ولایكاد یخلو منها فی المدن حی ولادرب. فلقد كانت وحدها الینبوع الأول الذی یطلبه الناس لتعلیم أبنائهم. وفیما یتعلم الصبیان القراءۃ والكتابۃ ویحفظ من شاء القرآن كله، ومن شاء قنع بحفظ صدر من سوره الكریمۃ، ثم انكفأ به أهله إلی المهنۃ التی أرادوا له، ویقوم علی التعلیم والتأدیب فی هذه الكتاتیب رجل یعرف ب ’’الفقی‘‘13؎
فاذا كان الكتاب كبیـراً ساعده آخر یدعی ’’العریف” ومما أدَّب به صبیان المصریین أنهم لایدعون هذا و لا هذا إلّا بـــــ ’’سیدنا” والكثـرۃ الغامرۃ جدا من هولاء المعلمین لاتحسن شیئاً غیر حفظ القرآن وأحكام تجویده فی الغالب، ومعرفۃ قراءاته فی النادر. ما شئ آخر من العلم فلاحظ لاكثـرهم فیه، وخاصۃ تفسیر القرآن الكریم الذی یطوون الاعمار فی تلقینه للنشئ وتحفیظه.
وأما المعاهد الدینیۃ فعلی رأسها الجامع الأزهر ولقد كان یدرس العلم فی غیـره من المساجد الشهیرۃ فی القاهرۃ وفی أمهات المدن الآخری. علی أنها كلها انما كانت تستمد منه، فالمدرس فیهاان لم یكن متعلما فی الأزهر فهو متخرج علی متعلم فیه. وان كثیرا من علماء الدین كانوا، وما زالوا یجلسون للعامۃ فی المساجد وفی كثیـر من المدن وبعض القری لتعلیم الشعب المصری أولیات فرائض الدین، وطرفاً من تفسیر الكتاب العزیز، وحدیث الرسول صلی الله علیه وسلم و خاصۃ مااتصل منه بالحض علی فضائل الأعمال.
المكتبات: وأما خزائن الكتب فالعامۃ منها قائمۃ فی المعاهد الدینیۃ وفی بعض المساجد الكبیرۃ، علی أنها لم تكن من التنظیم والتبویب بحیث یسلس للمستعیر تناول ماشاء منها، وخاصۃ نوادر الكتب وفی الدائر من العلوم. وهناك جماعات الورّاقین یبیعون صنوف الكتب فی حواضر البلاد. وان هذه الكتب كانت مخطوطۃ كلها، فهی فی الجملۃ نادرۃ وتناولها لیس بالسهل الیسیر علی كل انسان.14 ؎

الهوامش
1 رئيس التحرير لمجلة التلميذ الصادرة عن مركزالثقافة الندوية بسرينجركشمير بالهند
2 المفصل في تاريخ الأدب العربي لـ عبد الرحمن البشري صـ 533
3 المفصل في تاريخ الأدب العربي لـ عبد الرحمن البشري صـ 550
أيضا صـ 550 4
5 أعقاب الثورة المصرية لـ عبدالرحمن الرافعي جــ 2 صــ268
6 تطور الأدب الحديث في مصر لـ الدكتور أحمدهيكل صـ 646
7 أيضا صـ 646
8 تاريخ آداب اللغة العربية لـ جرجي زيدان جـ 4 صـ 19
9 أيضا جــ 4 صــ 20 ــ 21
10تطور الأدب الحديث في مصر لـ الدكتور أحمدهيكل صـ 27 ــــ 28
11 تاريخ الحركة القومية لـ عبد الرحمن الرافعي جـ 1 صـ 478
12 تاريخ آداب اللغة العربية لـ جرجي زيدان جــ 3 صـ 63
13 المفصل في تاريخ الأدب العربي لـ عبد الرحمن البشري صـ 524
14أيضا صـ 524

تعليق واحد على “تقدم الثقافة والعلوم والآداب فی مصر .. د. معراج الدين الندوي”

شارك برأيك