تقرير ندوة المكتبات الرقمية والتوثيق الرقمي قضايا وإشكالات

إعداد: أمينة غالي – شبكة ضياء

أسئلة وقضايا حركت كل المهتمين من مختلف المشارب العلمية والأقطار العربية من جنوب شرق آسيا إلى شمال إفريقيا مرورا بشبه الجزيرة العربية والمغرب الأوسط وصولا إلى المغرب الأقصى بمختلف جهاته لتدارس إشكالات راهنة ترتبط بطرائق البحث الالكتروني والتوثيق الرقمي.
ندوة دولية علمية حافلة نظمها “مختبر البحث في اللغة والأدب والبيئة” بجامعة الحسن الأول الكلية المتعددة التخصصات بخريبكة؛ في موضوع: “المكتبات الرقمية والتوثيق الرقمي قضايا وإشكالات”. يومي السادس عشر، والسابع عشر من شهر مارس 2016
افتتحت أشغال الجلسة الافتتاحية على الساعة التاسعة وربع بتلاوة آيات من الذكر الحكيم. أعقبتها كلمة السيد عميد الكلية، الدكتور “علي باجا” الذي أكد على راهنية الاهتمام بالمكتبات الرقمية باعتبارها بديلا لا مفر من الإفادة منه في ظل العولمة والثورة الرقمية التي تشهدها حضارتنا اليوم.
وبعد التنويه بدور الكلية في عقد شراكات علمية مع مواقع جامعية ومختبرات متخصصة ودورها في تعزيز المكتبة الوسائطية، ورقمنة الرصيد المادي المعرفي للجهة كامتداد للمكتبات الرقمية الدولية والوطنية. نبه الطلبة والباحثين إلى أن عدم الإستفادة من الوسيط الالكتروني المتاح يكلف الكلية مبالغ باهظة. مشيرا في الآن ذاته إلى ضرورة التمييز بين المكتبات الرقمية العلمية المعتمدة والمكتبات الرقمية الهجينة والتي غالبا ما تمتاز بالمتاحية والمرورنة، وبعد التوجه بالشكر للمشاركين والضيوف تحولت الكلمة إلى السيد مدير مختبر البحث في الأدب واللغة والبيئة، الدكتور “عمو عسو” الذي ركز حديثه على أهمية المكتبات الرقمية وسبل الإفادة منها والعوائق المادية والمعرفية التي تحول دون إفادة قاصدة من هذه البدائل. مثمنا تنوع الموضوعات المقدمة من قبل المشاركين ومتمنيا حسن المقام وطيب اللقاء للوافدين من كل البقاع مقدما الكلمة للجنة المنظمة في شخص الدكتور “عبد الفتاح شهيد” الذي أعلن عن راهنية البحث في موضوع المكتبات الرقمية والتوثيق الرقمي باعتباره امتدادا لموضوع ندوة الموسم الجامعي الماضي وهو”البحث الإلكتروني والتوثيق الرقيمي؛ أسئلة المفهوم والمنهج”، مشيرا إلى أهم القضايا التي يفرضها التطور التكنولوجي اليوم في ظل تطور وسائط ووسائل المعرفة وسبل الوصول إليها، زافا بعبارات الترحيب والشكر بما يستوجبه المقام في حق المشاركين والمنظمين والمؤسسة المشرفة.
لتستأنف الجلسة العالمية الأولى أشغالها على الساعة العاشرة ونصف، برئاسة الدكتور حسن بدوح” من الكلية المتعددة التخصصات، وتقرير الأستاذة أمينة غالي، من أكاديمية بني ملال خنيفرة،
أعلن رئيس الجلسة عن حدوث تعديل في برنامج المداخلات الصباحية ليتناسب وأوضاع المشاركين وظروف وصولهم إلى مقر الندوة حيث تم إرجاء مداخلة الدكتور رشدي طاهر من جامعة سونكلا، بمملكة التايلاند إلى جلسة يوم الثلاثاء لتعذر الالتحاق بالمنصة، وتقدم الدكتور “محمد فارضي” من جامعة الحسن الأول بسطات، بعرض في موضوعه، ” التواصل الأدبي من الورقية إلى الرقمية”،عالج فيه لإشكالية الإبداعية وسؤال الجمالية في النص الأدبي الرقمي، معتبرا البحث في إبداعية النصوص الرقمية إمتدادا طبيعيا لأطروحته في تاريخ جمالية الإبداع العربي من منظور نظرية التواصل، مبينا سيرورة تلقي النص الأدبي عبر تاريخه الممتد، وتطوره من الشفاهية وأشكال تلقيه مرحلتئد ،مرورا بالكتابية وطرق تداوله، وصولا إلى الرقمنة وضرورة التفكير في وضع أسس للتلقي والحكم الجمالي على هذه النصوص الجديدة، وقد أفضت الدراسة التحليلية عقد مقارنات وجيهة بين النص الورقي والنص الرقمي على مستويات عدة منها الشكل، والمكونات، والوظيفة، ونوع القارئ؛ محاولا تحديد عناصر العملية الإبداعية الأدبية والعلاقات الرابطة بينها من المرحلة الكتابية إلى زمن الرقمنة، مشيرا إلى تدخل الوسيط الإلكتروني كفاعل رئيس بين المتلقي المتعدد والفاعل والنص المتحول والمرن القابل للتحيين، وقد اعتبر الدارس النص الرقمي إفرازا حتميا للتطور المطرد وصيرورة طبيعة لمواكبة الصيحة الرقمية التي يشهدها عصر الرقمنة الشيء الذي يدعو إلى ضرورة إنتاج آليات جديدة للقراءة والتلقي تستجيب لطبيعته.
وفي عرض الدكتور “فيصل أبو طفيل” من جامعة القاضي عياض بمراكش؛ “الكتاب الرقمي والكتاب الورقي تجاور أم تجاوز” فصل الخطاب بين النص الورقي والنص الرقمي من خلال مجموعة من المداخل المتمثلة، في روعة الاستئناس في ضيافة خير جليس، معددا المحاسن التي يتمتع بها الورقي أمام غريمه الإلكتروني، كجمالية التحسس والإمتاع الذي يشعر به القارئ من خلال معاينة المكتوب وسماع حفيف الأوراق ، ثم روعة الافتتان بالكتاب وحب التملك، وكذا نفاسة الطبعات وندرتها، وفي سياق تعداد المزايا لم يفت الدارس التنبيه إلى محنة الكتاب ومحنة الكُتاب في امتلاك الكتب أو تدوينها وقراءتها ونشرها، عارضا لما يعن للبعض من نواقص، معرجا على ذكر مزايا الكتاب الالكتروني وما وفرته الثورة المعلوماتية من جاذبية وتنويع في الوسيط الناقل والحامل للكتاب الرقمي، الذي بدا في أعين مؤيديه أكثر اتساعا وامتدادا وتنوعا، وأسرع تحميلا وحفظا وتخزينا، حتى باتت الرقائق الإلكترونية والشرائح تسع مكتبات تنوء بحملها الجبال، وتختصر الجهد وتوفر المكان وتتعدى حدود الزمان منفلتة من رقابة الرقباء وصاية الأوصياء. ولم تخل المقارنة من بيان سلبيات الكتاب الرقمي وما يحدثه الوسيط الإلكتروني من أضرار بصرية، وصعوبة الحماية وضمان التصاق القارئ به. وبأسلوب المفاضلة البياني ختم الدارس عرضه المقارن بين النصين ناقلا الحضور إلى لغة الكدية وأسلوب بديع الزمان الهمداني، والسباب في طرافة نكت تنافح عن المزايا وتعدد الزرايا ، مبينا أن المفاضلة لا تلغي أهمية الوسيطين مع انتصار للكتاب الورقي وإعلان الافتتان به قراءة وتملكا.
وعلى الساعة الحادية عشر ونصف نقل الدكتور، بجامعة سيدي محمد بن عبد الله “عبد العزيز بابكري الحضور” من رحاب الأدب إلى حضن التاريخ في عرضه المعنون بـ”حضور التاريخ المغربي في المكتبات الرقمية العربية”، حيث أشار إلى تطور البحث في التاريخ في الجامعة المغربية منذ تأسيسها إلى اليوم، كما تطورت سبل ووسائل هذا البحث، مبينا تطور مفهوم المكتبة ومكوناتها من الفهم التقليدي على الفهم الحديث بفعل الطفرة النوعية التي شهدتها المعرفة الإنسانية في ظل الرقمنة، مشيرا إلى الدور الكبير والريادي لمؤسسة الملك آل سعود بالدار البيضاء في نقل الرصيد المادي في تاريخ المغرب إلى وسيط رقمي الشيء الذي عرف بالوثيقة التاريخية المغربية وساهم في تداولها ومتاحيتها، وقد مثل الدارس بجانب من حضور الأدب المغربي في بعض المكتبات العربية كمركز داوود بالإمارات العربية المتحدة، كما ساهمت بعض المؤسسات في رقمنة التراث المغربي المخطوط كجامعة محمد الخامس بالرباط، وبعض المؤسسات الوقفية كجامع الإمام علي بتارودانت، والمكتبة العامة بالرباط، وجامعة الأخوين في مكتبتها الوسائطية، وبعد سرد بعض عناوين النصوص المرقمنة بين الدارس بعض الصعوبات التي تحول دون استفادة تامة من هذا الرصيد المخطوط، مبينا إشكالات البحث في الوثيقة المرقمنة ومآزق حمايتها من السرقة رغم ما توفره من إيجابيات الحفظ وسرعة التحميل، مؤكدا بأن الجهود لا تزال ضعيفة في تخزين التراث المغربي عامة وفق ما تتيحه التقنية الحديثة من إمكانات ناهيك عن إمتلاك آليات لتحليل وقراءة الوثيقة الرقمية.
وبتوجيه من رئيس الجلسة السيد حسن بدوح، التحق الدكتور كمال بوكرزازة من الشقيقة الجزائر، من جامعة القسطنطينة، عبد الحميد مهري، بالجزائر، لتقديم ورقة عن مشروع البوابة الإلكترونية المغاربية، في عرضه لموضوع؛ “الإتاحة الإلكترونية للأطروحات الرقمية، تجربة المكتبة الرقمية لقسم علم المكتبات والتوثيق، جامعة القسطنطينة،2”
في مقدمة حديثه أعلن الدكتور عن أهمية التوثيق والرقمنة باعتبارهما قدر هذا العصر لا مفر من التنسيق وبدل الجهود لتوثيق رصيدنا المادي من مخطوطات وكتب ووثائق وأنماط معرفية متعددة، مشيرا إلى أنموذج تخزين ورقمنة الأطاريح الجامعية، مبينا الأهداف العامة والخاصة التي تسعى إليها الجامعة الجزائرية أنموذج الانطلاق، مشيرا إلى أبعاد هذه التجربة وآفاقها الكامنة في خلق شراكة مغاربية معرفية تختصر على الدارسين الجهد وتقرب المادة المعرفية لتجاوز التكرار والنمطية في البحث العلمي، وتوسيع دائرة التعاون الثقافي… وفي سياق عرضه للمشروع الطموح الهادف إلى خلق بوابة الكترونية مغاربية تشمل جميع المعارف، وتسعى إلى خلق تكثل إلكتروني في ظل هيمنة وظهور تكثلات غربية إلكترونية، شار إلى أن التعاون أمر محتوم قبل أن يصير مقررا من الاتحاد الأوربي، مشيرا إلى الإطارين العام والخاص اللذان ولّدا التفكير في إحداث البوابة، مقدما تصورا كليا للمشروع من حيث ركائزه وطرائق العمل والشركاء والتمويل والعوائق الممكنة وسبل تجاوزها، وتحديد الآفاق التي تتيحها. وقد استعان العرض النظري بالوسيط الإلكتروني لنقل المشروع وتوضيحه داعيا إلى اعتبار إنشاء البوابة توصية مركزية ضمن أشغال هذه الندوة العلمية.
واختتم أشغال هذه الجلسة بمناقشة علمية استهلت بالحديث عن آفاق التعاون المشترك في ظل النزاع المفتعل حول القضايا الوطنية، ومدى إمكانية الولوج إلى البوابات الإلكترونية الخاصة ببعض الجامعات والمراكز وإشكالات المتاحية، وركزت بعض المداخلات على سؤال الإبداعية والإمتاع في الكتاب الرقمي مقارنة بالكتاب الورقي، في حين أعلنت بعض المداخلات عن غياب القارئ وتعطيل فعل القراءة سواء تعلق الأمر بالكتاب الورقي أو الرقمي الشيء الذي يدعو إلى التفكير في خلق مصالحة بين الكتاب والجمهور. واختتمت أشغال الجلسة على الساعة الثانية عشر ونصف بعد ردود سريعة وشافية من السادة المتدخلين.

شارك برأيك