في يوم المخطوط العربي: على هامش تحقيق كتب القراءات وعلومها .. د. محمد مبارك البندارى

د/ محمد مبارك البندارى عضو هيئة التدريس فى جامعتى الأزهر وأم القرى
د/ محمد مبارك البندارى
عضو هيئة التدريس فى جامعتى الأزهر وأم القرى

في يوم المخطوط العربيّ ، والذي يوافق الرابع من إبريل من كل عام ، تأمّلت بعض كتب القراءات ،ورسم المصحف ، وتراجم القراء ؛ فوجدتُها تحمل أسماء محققين من الغرب ، ننعتهم بالمستشرقين ، فتألمتُ كثيرًا : كيف يُحقق كتب علم القراءات وهو علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوا لناقله – كما ذكر ابن الجزري – أمثال هؤلاء المستشرقين الذين يحيدون – أحيانًا – عن المنهج العلميّ ، ويكسوهم التعصب ونزعة العداء والحقد والبغض بدرجات متفاوتة . وإنا لنعجب كل العجب من البقاء على هذا التصرف كالذي يعطي الجزار السكين الحادة ليذبح بها صيده ، وواجبنا نحن الباحثين أن نكشف باطل المستشرقين وزيفهم ، ونعيد تحقيق تراثنا التليد وفق معطيات فن التحقيق .

نعم إن المستشرقين قد اصطنعوا وسائل علمية جيدة في نشر التراث ، وتيسير الاستفادة منه كجمع نسخ الكتاب المخطوطة ، واختيار النسخة الأمّ وصنع الفهارس الفنية ، وهذا كله مأخوذ مما صنعه علماؤنا الأوائل ؛ من حيث المفاضلة بين النسخ على أساس كون بعضها بخط مؤلفها أو أن النسخة عليها إجازة من مؤلفها أو سماع عليه أو إجازة ، وأكثر ما ترى ذلك في كتب القراءات ؛ حيث العناية بذكر السند واتصاله كما نرى في ” النشر ” لابن الجزري (751- 833هـــ ) .

وينبغي علينا في مجال المقارنة بين جهود المستشرقين في نشر كتب القراءات وعلومها في هذا المقال ، وجهود العلماء العرب ؛ ألا نغفل أمرًا مهما يتصل بحال القوم وحالنا نحن فيما يعملون وفيما نعمل ، وهو أمر نذكره كارهين له مضطرين إليه – ونرجو أن يصرفه الله عنا – ، ذلك أن المستشرق الذي يقوم على نشر التراث عمومًا يعمل داخل نظام عام يحترمه ويعرف له جلاله وخطره ، ويهيء له ما يعينه على المضي فيه وإتمامه هادئا مطمئنا، فيسافر الواحد منهم ليطلع على مخطوطة ما ، ويتكلف العناء الشديد ، أما عندنا – فبعض الباحثين ينقصهم الصبر ، لأنه يلاقي المتاعب والمصاعب في تحصيل المادة المعينة على تحقيق الكتاب ، فإذا أتمه واجهته مشكلة النشر وطبع الكتاب ، وبالطبع الناشر يبحث عن الكتاب الذي يروج في السوق التجاري .

لكننا نجد بعض المستشرقين في تحقيقهم لكتب القراءات ينحرف عن الجادة ،والدقة المطلوبة في أداء النص إلى إثبات المُصَحّف أو المزال عن جهته ، أو إثارة الشكوك حول القرآن والقراءات ، فأخطاؤهم العلمية المبنية على عدم فهم القرآن واللهجات العربية وتوجيه القراءات كثيرة جدّا ، وكذا أخطاؤهم الشنيعة التي استهدفت القرآن الكريم والطعن في القراءات القرآنية بغيًا متسترًا بالبحث العلميّ والدرس الموضوعيّ، كالذي نراه في كتاب المستشرق اليهوديّ المجري جولدزيهر ( ت 1921م ) – ويكتب بالسين أيضا – ” مذاهب التفسير الإسلامي ” ، طبعه لأول مرة في لندن 1920 م ، وقد تُرجم إلى العربية مرتين ، الأولى للدكتور على حسن عبد القادر باسم المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن 1944م ، وجاءت ناقصة استوعب فيها نصف الكتاب ، والثانية د /عبدالحليم النجار باسم مذاهب التفسير الإسلامي 1955م ، وهي ترجمة كاملة اعتمد في الجزء الأول على الترجمة السابقة ، ويعتبر هذا الكتاب آخر ما أصدره جولدزيهر وتوّج به حياته العلمية، وتحدث فيه عن المراحل الأولى للتفسير واختلاف القراءات والأحرف السبعة ومصحف عثمان – _ رضي الله عنه _ والمشكل النحوية . وقد ردّ عليه الشيخ عبدالفتاح القاضي ( ت 1982م ) شيخ معهد القراءات آنذاك – رحمه الله – في كتيبه القيم ” القراءات في نظر المستشرقين والملحدين ” . ومن كتب القراءات وعلومها التي حقَّقها ونشرها المستشرقون ، وتحمل أسماءهم إلى يومنا هذا ، وبعضها أُعيد تحقيقه مرة أخرى :

1 – كتاب ” المصاحف ” لأبي بكر عبدالله بن داود ت 316 هــ ( ابن صاحب السنن المعروف )، حققه المستشرق آرثر جفري ( ت 1959 م ) ، وهو استرالي الأصل عمل أستاذا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ، ثم في جامعة كولومبيا ونشره – أول مرة – 1936م . كتب المستشرق آرثر جفري مقدمة للكتاب في حوالي اثنتي عشرة صفحة ؛ لكنها مملوءة بالكذب والبهتان ، وبانتقاد خبيث لمنهج المسلمين في تأريخ القرآن ، وموازنة بين هذا المنهج ومنهج المستشرقين . وهو بالطبع يريد إحياء فتنة أخمدها الخليفة عثمان بن عفان حين جمع المسلمين على المصحف الامام . وفضلا عن ذلك فإن المستشرق ألحق بكتاب المصاحف – ملحقًا – أكبر من الكتاب ذاته نشره عام 1937م بليدن ؛ ليسجّل فيه الاختلافات في قراءات القرآن الشاذة ، أو تلك الروايات التفسيرية ، أو ما يرجع إلى الاختلاف في الضبط والشكل ، وقد تصوّر أن قرآننا قد مر بمراحل تطورية كما مرّ الإنجيل وكذا التوراة من قبل ، وكما ذكر هو في المقدمة . لقد انتقد آرثر جفري منهج البحث عند المسلمين وتمحيصهم للمرويات وأصحابها وعدّها تخيلات . وقد حققه في رسالة علمية د . محب الدين عبد السبحان واعظ ، في جامعة أم القرى بمكة المكرمة ( قسم الكتاب والسنة في كلية الدعوة وأصول الدين ) ، وطبعه في مجلدين 1416هـ = 1995م ، ونقد عمل المستشرق في مقدمة التحقيق نقدًا علميًّا.

2 – وأما كتاب : التَّيسير في القراءاتِ السَّبْع لأبي عمرو الدَّاني ت 444هـ ، الذي نظمه الشَّاطبي( القاسم بن فيرّه ت 590هــ) في لاميته المعروفة بـــ : حرز الأماني ووجه التهاني ، فقد حققه المستشرق الألماني أوتوبرتزل ت 1941م ، وطبعه لأول مرة في مطبعة الدولة – إستانبول 192م 0 نشر : المعهد الألماني للأبحاث الشرقية لكنه لم يخدمه جيدا ، ولم يقدم للكتاب بمقدمة مستفيضة عن القراءات وتاريخها في المشرق والمغرب ، ومنهج الداني في الكتاب . ورغم أنه اعتمد على في نشره للكتاب على خمس نسخ خطية ، ونسخة سادسة للتحبير أى تحبير التيسير لابن الجزري إلا أنه وقع في أخطاء في المتن أحيانا ، وأشار إلى الصواب في الحاشية أحيانًا أخرى ، والكتاب مليء في طبعته التي ما زالت متداولة عن طريق إعادة طبعها كما هي بالتصحيفات والتحريفات ، والقراءات غير الصحيحة ، بل وتغيير في النص أحيانًا . وقد حققه د . حاتم صالح الضامن وطبعه في مصر 1429=2008 م قبل وفاته ، وبالطبع ضمَّن المقدمة بعض الملاحظات والمآخذ على طبعة المستشرق الألماني أوبرتزل ، وبلغ عدد الملاحظات 908 .

3- كتاب : المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار عمرو الداني ، حقّقه – أيضًا – أوتوبرتزل ونشره في إستانبول 1932 م . وقد حققه د . حاتم الضامن وبين الخلط الذي صنعه المستشرق في النص ، والأخطاء العلمية التي وقع فيها . وحققته – أيضا – في رسالة علمية في المملكة العربية السعودية / نورة بنت حسن بن فهد المحيمد ، وطبعته جمعية تبيان في ثوب قشيب.

4 – وأما كتاب ” غاية النِّهاية في طبقات القرّاء ” لابن الجزري ت 833هـــ فقد نشره برجشتراسر ، وكتاب : غاية النهاية في أسماء رجال القراءات أولي الرواية والدراية ” مختصر من كتاب للمؤلف نفسه سماه : نهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات ” وهو عبارة عن جمع بين كتابي الحافظين أبي عمرو الداني وأبي عبدالله الذهبي وزاد من عنده نحو الضعف ، وقد مات المستشرق قبل إتمامه فأكمله تلميذه المستشرق برتزل ، وطبع بمطبعة السعادة بالقاهرة سنة 1352هـ = 1933م بمعاونة مكتبة الخانجي ، وقد حققه بعض الباحثين في جامعة أم القرى بمكة المكرمة – حرسها الله وشرفها – من فترة وجيزة .

5 – وحقق كذلك كتاب : مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع لابن خالويه ت 370هـــ، وعني بنشره برجشتراسر 1886- 1933م بإستبول ، وفيه تصحيف منكر ، كتصحيفه لكلمة أبي عمرو بن العلاء : ” فقد تربع في لحنه ” وجعلها فقد تربع في الجنة ” مع أن المقام مقام ذم ” ، وقد نقد عمله د . إبراهيم الصعيدي – في رسالته العلمية للدكتوراة التى حقق فيها الكتاب وتقدم بها لجامعة الأزهر بمصر 1995م ، ود . محمد سيد نصر الدين في رسالته للدكتوراة ” كتاب مختصر فى شواذ القرآن من كتاب البديع لابن خالويه دراسة نحوية وصرفية دلالية ، جامعة جنوب الوادي ، كلية الآداب بقنا 1998م . وقد نشر الكتاب من المستشرقين – أيضًا – تلميذه أوتوبرتزل سنة 1933 ، وآرثر جفري سنة 1934م .

6 – المُحتسب في تبين شواذ القراءات والإيضاح عنها لابن جني ت 392هـ ، حققه ونشره برجشتراسر نشره سنة 1933م ، وبالطبع يتناول ما فوق السبعة لابن مجاهد ، وقد حقق الكتاب تحقيقا علميا ونشر في المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر في جزأين ، حققه الأساتيذ : على النجدي ناصف ، وعبدالحليم النجار ، وعبدالفتاح شلبي .

ولنا مع برجشتراسر وقفة متأنية حيث كان أبوه من القساوسة البروتستانت في مدينة بلون بألمانيا ، وأخذ العربية عن فيشر وزار مصر ،وألقى محاضرات في التطور النحوي ، وقواعد نشر النصوص العربية ، وتوفي مترديا من قمة جبال الألب في أثناء رحلة رياضية ، وطبعه في المطبعة الرحمانية بمصر 1934هــ ، وعنى برجشتراسر بالقراءات فكان له نشاط ملحوظ ، فرسالته للأستاذية بعنوان معجم قراء القرآن وتراجمهم ، وله بحث متميز عن القراءات الشاذة في المحتسَب لابن جنيّ ، وقد وجهه إلى هذا العمل المجمع العلمي البافاري ، ويقال إنه حينما كان في مصر ذهب الى مقرئ مشهور واستمع الى قراءته ودون طريقة أدائه ونغماته على النوتة الموسيقية – كما ذكر صاحب كتاب المستشرقون – . وما أجدرنا – نحن الباحثين العرب القَوَمة على الثقافة العربيّة – أن ننهض بعبء إعادة تحقيق كتب القراءات ونشرها ، ليكون ذلك وفاء لعلمائنا ومشايخنا ، ووفاء لأنفسنا وأبنائنا .

وإنه مما يثلج الصدر أن تتجه بعض جامعاتنا العربية في أقسام القراءات واللغة العربية ، اتجاها فريدا إزاء طلابها المتقدمين للإجازات العلمية الفائقة ؛ إذ وجهتهم إلى أن يقدموا مع رسالاتهم العلمية تحقيقا لمخطوط يمتّ بصلة إلى موضوع الرسالة وتخصصه الدقيق ، وبالطبع القراءات القرآنية وعلومها كرسم المصحف ، والفواصل ، وتوجيه القراءات .

وفي الختام أرى لزامًا على كل صاحب قلم مخلص أن يشترك بجهده وعلمه في إعادة تحقيق هذه المصنفات وغيرها ، ويفند دعاوى المستشرقين حول القراءات وعلومها ، بالردّ على تحقيق كتاب ، أو بدحض فكرة في بحث أو مقال تضمن انتقاصًا وطعنًا في كتاب الله – عز وجل – .

8 تعليقات على “في يوم المخطوط العربي: على هامش تحقيق كتب القراءات وعلومها .. د. محمد مبارك البندارى”

  1. شكرا لمروركم العطر أحبتي ، وجزاكم الله خيرا ، وجعلني عند حسن الظن بي .

  2. بارك الله فيك وامثالك .يجب على المسلمين كافة ان لا يقعوا فيما يريدونه هؤلاء المستشرقين .حقا انه شيء راءىع منك

  3. بارك الله فيك يا أخانا الدكتور ٫نتنمى ما دعوت إليه لكن ينقص بعضنا من يشد علي أيديهم ويأخذ بهم والله ولي التوفيق

  4. جزاك الله خيرًا دكتور محمد مبارك الشاذلى البندارى على هذا الطرح الطيب النافع، وأسأل الله أن ييسر بحثك، وأن يبارك في جهدك، وأن يوفق العلماء لإيضاح المكنون، وبيان المسنون، والرد على المستشرقين، والعرب التابعين. اللهم آمين

  5. شكرا لك أخي ودكتورنا الحبيب الشاعر د . عبدالناصر بدري أمين فكلماتك أسعدتني ، وجزاكم الله خيرا

  6. حقيقة يا سعادة الدكتور أخذتنا إلى ضرورة، وواجب علمي وديني، ولقد لمست جانبًا من الأهمية بمكان، حيث الدراسات القرآنية وعلوم القرآن، وكنت فائقًا في طريقة العرض والتوضيح، نفع الله بك.

  7. شكرا لك د . محمد محمود عبد القادر
    والمقال نواة لبحث مستفيض في المقارنة بين تحقيق
    المستشرقين والعرب من خلال كتب القراءات وعلومها
    يخرج قريبا بإذن الله

شارك برأيك