فيلم القناص الأمريكي، فيلم الرصاصة البريئة في جسد الضحية .. د. عادل بوديار

د. عادل بوديار: جامعة تبسة – الجزائر

حاولت السينما الأمريكية عبر تاريخها الطويل تبرير أخطاء الساسة الأمريكيين الذين كثيرا ما تورطوا في حروب دامية أُزهقت فيها أرواح أبرياء لا ذنب لهم غير التواجد في المكان والزمان الذي قرر الأبيض الأمريكي أن يستعرض فيه قوته العسكرية القاتلة، ويعد فيلم “القناص الأمريكي” (American Sniper) أو ما يطلق عليه “القناص الأسطورة” أحد أفلام الحركة (الأكشن والدراما) الأمريكية التي زوَّرت التاريخ، وتصرفت في الوقائع بطريقة فظة ليبدو المعتدي الأمريكي في صورة الضحية، والذي يشاهد الفيلم سيجد أنه تمادى في تظليل المشاهد ليجعل من رصاصة القناص الغادرة رصاصة بريئة لم تختر جسد الضحية، بل سافرت منطلقة من ماسورة القناص لتشرع لنفسها الاستقرار بجسد الضحية التي ألبست لباس الهدف المتحرك الذي يشكل خطرا على القوة العسكرية الأمريكية هناك في العراق.
ظهر فيلم “القناص الأمريكي”(American Sniper) في قاعات العرض الأمريكية سنة 2014، وهو من إخراج الممثل والمنتج الأمريكي الذي صنع الفرجة في أفلام الغرب الأمريكي كلينت ايستوود(Clint Eastwood) وكتابه(Jason Hall) ، وهو مقتبس من مذكرات الجندي الأمريكي كريس كايل (Chris Kyle) الذي صنف كأحد أشد القناصين فتكا في تاريخ الولايات المتحدة العسكري، وأما البطولة فيتقاسمها كل من الممثل: برادلي كوبر (Bradley Cooper) والممثلة: سينا ميلر (Sienna Miller)، والقصة تدور حول كريس كايل أكثر الرماة فتكاً في تاريخ الولايات المتحدة العسكري الذي وصل عدد من قنصهم 255 قتيلاً، منهم 160 قتيلاً موثقة رسمياً من قبل البنتاغون الأمريكي.
إن فيلم “القناص الأمريكي” (American Sniper) من بين أخطر الأفلام التي أنتجتها سينما هوليود في السنوات الأخيرة، وهو يجسد نظرة أحادية أخرى من راعي البقر (Cowboy) الذي ظلم الهنود الحمر باعتدائه على أرضهم ومصادرتها، والجثوم على حقوقهم، وتصنيفهم كأقلية ضعيفة غير مرغوب فيها على أرضهم التي ورثوها من أجدادهم، بل وتصويرهم في الأفلام والأشرطة الوثائقية على أنهم همج لا يعرفون غير القتل، والتدمير، وسلخ نواصي البشر وهم أحياء.
وهاهو السلوك الاستعماري الأمريكي نفسه يترجم من جديد في العصر الحديث في العراق ليشرع لنفسه كل الجرائم التي يرتكبها الساسة الأمريكيون في حق الشعوب والأمم الضعيفة، ففي هذا الفيلم ينطلق مخرجه كلينت ايستوود (Clint Eastwood) الذي تربى في كنف أفلام الغرب الأمريكي من نظرة أحادية ضيقة ظالمة؛ أين يبرز الطفل التكساسي كريس (Chris) في صورة كلب الراعي الذي يحمي الخراف (الأمريكيين) من الذئاب الضارية (العرب/المسلمين) في العراق، وبعدما يشب هذا الطفل على الصيد والقنص، ينخرط في صفوف البحرية الأمريكية، وينتخب نظير قدراته القتالية ليكون القناص رقم01، أو “الأسطورة” كما يسميه زملاءه، ويتم تكريمه بإرساله على العراق في مهمة قتالية.
ويبدو أن فكرة الأمريكي الذي لا يقهر أسقطت المخرج في فخ التهويل إذ يضفي على قناصه صفة المحارب القديس الذي كانت بعض أهدافه تصنف ذات طبيعة مدنية (طفل، امرأة، مدني ..) لكنه لا يتورع في تمزيقها برصاصه في سبيل مكافحة الإرهاب، ولكن الغريب في الأمر أن هذا الفيلم على الرغم من ميزانية إنتاجه الضخمة التي وصلت نحو 58.8 مليون دولار أمريكي، غير أنه في المقابل سجل أعلى الإيرادات بتسجيله رقما قياسيا جديدا في مبيعات صناديق التذاكر الأمريكية، حيث بلغت إيراداته أكثر من 247 مليون دولار أمريكي، إضافة إلى جوائز وترشيحات عديدة.
واللافت للانتباه في ظروف وملابسات هذا الفيلم أن النقاد الأمريكيين لم يهمهم من
قصة الفيلم غير تلك الصور النمطية التي تشدد على أن ما يقوم به الأمريكيون في العراق هو الأمر الصحيح، وأنه واجب وطني، وعلى الجميع الدفاع عن الأمريكيين في داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، فمنذ صدور الفيلم والمراجعات الإيجابية تزداد حيث حصل في المجموع على نسبة 73٪ من موقع الطماطم الفاسدة أحد أشهر المواقع النقدية، وحسب 203 مراجعة حاز الفيلم على تقييم 6.9 من أصل 10، كما أجمع النقاد بأن نسبته المئوية تتجاوز 72٪ وفقا لـ 45 مراجعة نقدية.
وفي المقابل وجهت للفيلم انتقادات لاذعة، حيث صرحت اللجنة الأمريكية العربية التي تعمل ضد التمييز بأن ظهور فيلم “القناص الأمريكي” في شاشات العرض أدى إلى زيادة العنف والكراهية ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين وجهت هذه اللجنة اتهامات للمخرج كلينت ايستوود (Clint Eastwood ) الذي ربط وبصورة غير منطقية وقائع الفيلم التي حدثت في العراق بعد الغزو الأمريكي غير المبرر للعراق والهجمات التي تعرضت له الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر 2001، التي لا تزال محل جدل حتى في الأوساط الأمريكية إلى يومنا هذا.

تعليق واحد على “فيلم القناص الأمريكي، فيلم الرصاصة البريئة في جسد الضحية .. د. عادل بوديار”

  1. الف شكر لك دكتور عادل بوالديار على تسليط الضوء على هذه القضية الهامة .ومزيدا من الاسقاطات الهادفة.دمت مميزا .في خدمة الامة ….

شارك برأيك