القيم والمجتمع، أية علاقة ؟؟ … د. محمد علواش

د. محمد علواش: باحث في الفكر الإسلامي- المغرب

بعد الحديث في المقالة الأولى عن إشكالية القيم عموما، وخاصة تلك الفكرة المتعلقة بتضارب القيم في ظل اختلاف الأطر المعرفية المؤطرة لها سنواصل حديثنا في تسليط المزيد من الأضواء عليها، لأن موضوع القيم ذو أهمية بالغة في واقعنا ومجتمعنا وعلى مستوى سلوكاتنا اليومية، وبهذا الصدد نشير إلى كلمة أحد الكتاب الغربيين الذي قال: ” حينما تقرأ كتابات الذين يتحدثون عن أزمة القيم، نجد أن أمثلتهم تتحدث عن قيم الوسائل، إنهم يتحدثون عن الوسائل لا الغايات، وهم صادقون فيما يقولون”[1].

في ضوء هذه الكلمة نستنتج فعلا أن الغرب يعيش أزمة قيم على المستوى النظري والتطبيقي، فعلى المستوى النظري فالافنقار واضح من خلال المرجعية الناظمة لتفعيل القيم، وأنها صادرة من فلسفة قاصرة في مصادرها ومراجعها، وهذا ما يشهد به كبار عقلاء الغرب في مباحثهم حول موضوع القيم، أما على التفعيل فالواقع يشهد بذلك، حيث إن المتتبع لا يحتاج إلى مزيد بيان من الأدلة على هذا الانحدار في القيم، والانهيار في الالتزام بها، وتغير النظرة تجاه من يحمل هذه القيم ويدعو إليها، وهنا تكمن خطورة الموضوع، إذ أصبح المجتمع المعاصر يعيش تغيرا جذريا في التعامل مع هذه المسألة، ولذا المفكر الغربي يتحدث عن الأزمة التي لحقت قيم الوسائل لا قيم الغايات، بمعنى أن الإشكال يتضمن أولا تمييزا بينهما، على اعتبار أن هذه القيم ليس لها من حدود تحكمها ولا من سياج يضبطها، فكل ما يخدم قيم الغايات فمرحبا به، وهذه الدلالة هي التي تفسر – حسب رأيي- التزام عموم الغربيين للقيم ذات الصبغة المادية التي تخدم الإيديولوجيا الرأسمالية، والنظام المعرفي الغربي التي تصدر عنها، والذي يؤكد هذا هو ذلك التفاوت الملحوظ والبون الشاسع بين المحافظة على “القيم المادية” كاحترام الوقت ، وتقديس العمل، والانضباط، وغير ذلك من القيم التي تدور في فلك هذا المعنى، أما القيم الأخرى المرتبطة بالإيمان بالغيب، والستر والحياء وغيرها من القيم التي قد تبدو معارضة لما سبق ذكره فلا نجد أي اهتمام بها، بل ربما نجد دعوة إلى تشويهها والقدح في صلاحيتها، والعمل بنقيضها لأنها في نهاية الأمر تصدر من مرجعية مخالفة للإيديولوجية الغربية، وفعلا إن الكتاب الغربيين صادقون فيما يقولون بهذه الدلالات والمعاني التي أشرت إليها.

أما عن تغير القيم واختلاف المرجعيات في النظر إليها فيصدقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “إن الله يبغض الفحش والتفحش، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يخون الأمين ويؤتمن الخائن، حتى يظهر الفحش والتفحش وقطيعة الأرحام وسوء الجوار[2]“، ولدينا وقفة لابد منها نستمع فيها لهذا التوجيه النبوي، نحاول أن نقطف من رحيقها أزهارا عطرة، بما يسمح به  الجهد، ويجود به العمر من بركات، لأن الحياة في ظلال النبوة تفوح بالبركات والخيرات، ومع مفردات هذه الكلمة من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام:

في قوله عليه الصلاة والسلام: ” إن الله …” جملة اسمية تفيد الثبات والتقرير النهائي الذي يستحيل أن يلحقه الشك، فهو خبر صادر عن الصادق صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، وتصدير الحديث باسم الله يفيد تعظيم شأنه، ووجوب الانتباه إلى مقتضيات ودلالات هذا الحديث وما يزخر به من معاني.

وفي قوله :”يبغض”: فعل مضارع يدل على الاستمرار، أي استمرار بغض الله تعالى لهذه الصفات وكراهيته لها ولمن ارتكس فيها من الناس، وهذا الاستمرار من دلالته المقتبسة من الحديث النبوي أننا نلاحظ استمرار ارتكاب بعض الناس لهذه السلوكات البغيضة، وفي نفس الوقت استمرار بغض الله تعالى لهؤلاء، وهذا يعني أن الله تعالى قد أطلع رسوله عليه الصلاة والسلام على الغيب وأخبره من مشكاة النبوة بما سيقع في مستقبل الأيام، وهو ما نعيشه في أيامنا هذه مع كامل الأسف.

أما “الفحش” فهو ينتمي إلى معجم الفاحشة، قال: ” ابن سيده: الفحش والفحشاء والفاحشة القبيح من القول والفعل، وجمعها الفواحش. وأفحش عليه في المنطق أي قال الفحش. والفحشاء: اسم الفاحشة، [..]ورجل فاحش: ذو فحش، وفي الحديث: “إن الله يبغض الفاحش المتفحش”، فالفاحش ذو الفحش والخنا من قول وفعل، والمتفحش الذي يتكلف سب الناس ويتعمده، وقد تكرر ذكر الفحش والفاحشة والفاحش في الحديث، وهو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي؛ قال ابن الأثير: وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا ويسمى الزنا فاحشة[3] “، وقد أشار الطاهر بن عاشور موضحا هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ” ولا تقربوا الفواحش..”[ الأنعام:151-152]، وذلك في قوله: ” أما الفحشاء: فاسم جامع لكل عمل أو قول تستفظعه النفوس لفساده من الآثام التي تفسد نفس المرء: من اعتقاد باطل أو عمل مفسد للخلق، والتي تضر بأفراد الناس بحيث تلقي فيهم الفساد من قتل أو سرقة أو قذف أو غصب مال، أو تضر بحال المجتمع وتدخل عليه الاضطراب من حرابة أو زنا أو تقامر أو شرب خمر. فدخل في الفحشاء كل ما يوجب اختلال المناسب الضروري، وقد سماها الله الفواحش[4]“.

أما “التفحش” فهو على وزن التفعل، ومن دلالات هذه الصيغة قيام الإنسان بارتكاب الفاحشة والوقوع فيها عمدا، مما يفهم منه أنه يكون على علم بأنها من المنهيات التي حرمها الله عز وجل، ولا تقبلها فطرته السليمة، ورغم هذه المحاذير فهو يسعى للوقوع فيها، بل أكثر من هذا أنه يقوم بارتكاب هذه الفاحشة بشكل متكرر، لأن التفحش لا يتحقق إلا بتكرار الفعل، وهذا واضح من دلالة صيغة التفعل.

إننا في ضوء هذا المعنى النبوي أن كل بني آدم خطاء، ومن الممكن تحت وطأة الغواية الشيطانية أن يقع في مثل هذه الفواحش، لكن العجيب وهو أن البعض منهم عوض أن أين يسارع إلى التوبة وطلب المغفرة من مولاه، ويغتنم مثل فرصة رمضان شهر التوبة والعتق من النار للأوبة إلى الله تعالى، والبكاء عليه حتى تقبل خطيئته، نجده يصر على ارتكاب هذه الفواحش عمدا متعمدا دون مراعاة للأحوال الاجتماعية التي يعيش بينها، ودون انتباه من فطرته وضميره، لأن كل أولئك قد مات منذ زمن بعيد، قال عز وجل : ” بل يريد الانسان ليفجر أمامه” [ القيامة: 5]، وهذا ما نعيشه في أيامنا هذه، حيث بين مكونات المجتمع المختلفة ممارسة الفواحش والدعوة إليها، بل والتطبيع معها، رغم بغض الله تعالى لهذه القيم ومن يقومون بها، وذلك إلى يوم القيامة.

إن المغزى من الحديث النبوي ليس هو الاقتصار على التوصيف، كإشارة باهتة لبغض الله تعالى للفحش والتفحش، بقدر ما هو إخبار غيبي الغرض منه التغيير ومحاولة الترفع عن هذه الموبقات.

ننتقل إلى قوله عليه الصلاة والسلام: “والذي نفس محمد بيده…”، فهذا الأسلوب شهير في الثقافة العربية القديمة وهو يفيد القسم، بمعنى أقسم بالله العظيم، والسياق الذي ورد فيه هذا القسم يقتضي أن رسول الله سيخبر عن أمور غيبية لم تقع بعد، وهذه القضايا تستحق الوقوف عندها نظرا لأهميتها وقيمتها المركزية في حياة الإنسان ومصيره، لأن حلف رسول الله بعيد عن العبث، وحاشاه ذلك، فهو لا يحتاج إلى القسم لتأكيد كلامه، وكسب المصداقية له، وإنما المقام الذي ورد فيه الحديث مقام عظيم يتحدث عن مصير الإنسان ونهايته والوقوف بين يديه سبحانه وتعالى، وإذا كان كذلك فالأولى بالاعتبار والحذر من الانغماس في مثل هذه الموبقات حتى ينسى الإنسان إنقاذ نفسه من هلاكها الحقيقي. إن رسول الله يقسم أن ظهور الفحش والتفحش هو من علامات الساعة، فالواجب هو إعلان التوبة عوض الإصرار على المعصية، والمطلوب هو إيقاظ الفطرة عوض السعي في طمس أنوارها.

أما قوله صلى الله عليه وسلم : “حتى يُخون الأمين”، فالتأمل في هذه المفردات يفيد أن فعل ” يُخون ” ورد بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار، أي استمرار اقتراف هذا الخلق الذميم من طرف بعض الناس، ومن ثم استمرار وجوده بين عناصر ومكونات المجتمع، وهذا يعتبر من عوامل تفكك الأواصر الاجتماعية  ونقض عراها مما يترتب عنه إحلال قيم أخرى هي من نتائج انتشار الخيانة، ومن لطائف هذه المفردة النبوية أنها وردت بصيغة الفعل المبني للمجهول، وهذا يدل كذلك على أن أهل الجهل هم من يتهمون صاحب الأمانة بالخيانة نظرا لغلبة الفساد الأخلاقي والاجتماعي، حتى صار ذلك من عاديات الناس الجارية، إذن من أمارات الساعة أن تكثر الخيانة بكل أنواعها ومشتقاتها، سواء في العلاقات الزوجية أو بين ذوي الأرحام، أو بين مكونات المجتمع عموما، وهذه الخيانة قد تتخذ أشكالا مختلفة، سواء خيانة ميثاق العلاقة الزوجية، أو خيانة العهود والمواثيق بين الناس.

ولفظة ” الأمين” وردت معرفة للدلالة على التشبع بقيمة الأمانة حقا وصدقا، فهذا الإنسان أمين في علاقته مع خالقه، حيث يؤدي واجبه مع خالقه، وأمين في علاقته بنفسه، حيث لا يخدع نفسه ولا يهضم حقوقها، وأمين كذلك في علاقته بمحيطه، سواء البيئة التي يعيش فيها، أو العناصر المساهمة في تكوين المجتمع عموما، فشعار هذا الإنسان ومبدأه في حياته هو تطبيق خلق الأمانة، وهذا طبعا يذكرنا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه كان معروفا بلقب ” الصادق الأمين” قبيل بعثته وبعدها .

إن رسول الله يحذر المؤمنين في هذا التوجيه بكلمته الربانية التي تفيد أنه سيكثر أهل الجهل والخيانة لدرجة أن يصبح ذلك مألوفا بين الناس ويمارسونه بشكل “عادي” كما يقول أكثرهم اليوم مع كامل الأسف، وفي ظل قلة أهل الأمانة وندرتهم تجد هؤلاء الخائنين يتهمون صاحب الأمانة بالخيانة، لأنه ليس من شاكلتهم، وحاول الانتفاض على سلوكهم المذموم، وبذل جهده في محاولة التشبث بالأمانة  التي ضاعت في زماننا هذا، فهم يرونه غريبا عنهم، “شاذا” في سلوكه نحوهم، لم يخالطهم في أعمالهم القبيحة، مما يجعلهم يتهمونه، ونسي هؤلاء الجاهلين أنهم هم الخائنين أولا وابتداء.

وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ” ويؤتمن الخائن” تزكية للمعاني والدلالات التي سبق الوقوف عندها قيل قليل، فقد وردت لفظة “يؤتمن” بصيغة المضارع للدلالة على تواجد هذه الطائفة من الناس مهما اختلف الزمان والمكان، وأنها موجودة في المجتمع  الذي نعيش فيه بشكل واضح، ووردت بصيغة المبني للمجهول للدلالة عل أن أهل الجهل هم من يتولون القيام بهذا الفعل الشنيع والمتمثل في ائتمان الخائن، وتقليده مسؤولية حمل الأمانة وذلك في مختلف شعب الحياة، وهذا المعنى أشد خطورة من الأول، لأنه يساهم بشكل مباشر في تفكيك أوصال المجتمع وانهيار المستوى القيمي لها، “وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت” كما خلدها أمير الشعراء في ديوانه.

أما كلمة “الخائن” فهي واضحة جدا، فقد وردت معرفة للدلالة والبيان على أن ذلك الإنسان يعترف مع نفسه بأنه من الخائنين، وأن سلوكه الشخصي مخالف للفطرة السليمة، ثم إن مكونات المجتمع المختلفة التي يغلب عليها الفساد الأخلاقي والاجتماعي تعترف بذلك ورضيت به سلوكا اجتماعيا متداولا، لأنه أهل الأمانة صاروا في خبر كان، ولم يعد لهم مكان ، وهذه هي الدلالة القوية على انهيار المجتمع وظهور أشكال جديدة من التعاملات التي يهتز لها كيان الفرد والمجتمع على السواء

وإنما قلت: إن هذا المعنى أشد فتكا من الأول لأن الغلبة في المجتمع صارت للخائنين لدرجة أنه لم يعد هناك من أهل الخير والإيمان شيء، وهنا لا مناص من اختيار أحد الخائنين ليتلبس بلباس الأمانة زورا وبهتانا، والمصيبة هي أنه سيؤتمن على أحوال الناس وأرزاقهم وغير ذلك من المعاني الشاملة التي تقتضي حمل الأمانة فيها.

وهنا ماذا ننتظر من خائن عليه صفة الخيانة باعتراف مكونات المجتمع التي ساهمت في اختياره إلا الخراب والدمار، أو قل بتعبير رسول الله عليه الصلاة والسلام: ” إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة[5]” ؟؟

وبالجملة، إن المجتمع المسلم الذي تسوده مثل هذه القيم التي حذر منها رسول الله عليه الصلاة والسلام فلا شك أنه مشرف على الهلاك وتفكك أوصاله لأنه يتكون من أفراد يغلب عليهم التشبث بتلك القيم سلوكا وممارسة، كما يمكن القول أن هذه القيم التي أشرنا إليها وإن وردت عل سبيل الخطاب الفردي فهي ذات صبغة اجتماعية واضحة،  ثم إن “المجتمع المسلم والحضارة الإسلامية لا يزالان قائمين على مادامت قيم الإسلام سائدة..وكلما ضعفت وتلاشت، كلما كان ذلك إيذانا بالانحلال وانفكاك عرى المجتمع والحضارة[6]“. والله المستعان.

[1] – Martin BLAIS L’anatomie d’une sodiete

[2] –  الإمام أحمد، المسند الجامع، حققه محمود محمد خليل، دار الجيل بيروت، ط1 ، 1413 هـ – 1993 م، ج11، ص310.

[3] – ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط3، 1414، ج6، ص325

[4] – الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير، الدار التونسية، ط 1984، ج14، ص257.

[5] – ناصر الدين الألباني، صحيح الجامع الصغير وزيادته، نشر المكتب الإسلامي، ج1، ص204

[6] – عبد المجيد بن مسعود، القيم الإسلامية التربوية والمجتمع المعاصر، كتاب الأمة، ع67، 1419-1999، ص 135.

شارك برأيك