الأحزاب السياسية ودورها في العملية السياسية الديمقراطية .. هشام زغاشو

هشام زغاشو: جامعة باجي مختار – عنابة الجزائر

مقدمة:
تحتاج الأحزاب السياسية في أي نظام سياسي إلى بيئة ديمقراطية، تقوم على ترسيخ دولة المؤسسات وضمان الحريات والحقوق الأساسية للأفراد، بما فيها حق تأسيس الأحزاب والجمعيات ذات الطابع السياسي كمكون أساسي من مكونات الأنظمة السياسية المعاصرة، مما يسمح بممارسة وظائف هذه الأحزاب بكل حرية ودون تقييد.
ومنه تقوم الديمقراطيات الغربية عموما على الترسيخ الدستوري والقانوني للعمل والسلوك الحزبي التشاركي، وهو ما يجعل من الأحزاب السياسية وسيطا اجتماعيا وسياسيا أساسيا يهدف إلى الربط المباشر والدائم بين المؤسسات الحكومية القائمة والمواطن من خلال عقلنة وتنظيم العمل السياسي بالآليات الدستورية المتاحة، في مقدمتها شرعية تمثيل مصالح المواطنين والدفاع عنها، حق الوصول إلى السلطة وقيادة الحكومة أو الانضمام إلى المعارضة.
وعلى هذا الأساس سنعالج من خلال هذا المقال الظاهرة الحزبية ودورها في البناء الديمقراطي من خلال أربع محاور رئيسية هي : التصور الغربي لماهية الحزب السياسي، تطور الظاهرة الحزبية في الممارسة السياسية الغربية، تصنيف الأحزاب السياسية في الأنظمة السياسية المعاصرة، وأخيرا أهم وظائف الأحزاب السياسية في الأنظمة السياسية الديمقراطية.
أولا- ماهية الحزب السياسي في التصور الغربي
رغم أن تعريف الحزب السياسي أمر بالغ الأهمية، إلا انه يلاحظ غياب تعريف شامل وموحد لهذه الظاهرة المعقدة، في ظل استمرار الاختلاف في التعاطي مع هذا المفهوم، ومن جهة ثانية الدينامكية التي أصبحت تمتاز بها الأحزاب السياسية المعاصرة والتي جعلت منها تختلف جوهريا عن الأحزاب السياسية التقليدية، أي تلك التي ظهرت خلال القرن 19م، وعلى هذا الأساس يتمحور التصور الغربي في تعريف الأحزاب السياسية حول ثلاث ركائز أساسية هي: الركيزة الإيديولوجية، الطبيعة التنظيمية لها والوظائف التي تؤديها(1).
1- المدخل الأيديولوجي:
ويقصد منه مجموعة القيم والمبادئ التي تقوم عليها مختلف الأحزاب السياسية، وتعمل من أجل ترجمتها إلى برامج سياسية واقتصادية واضحة ومحددة تميزها عن غيرها من التنظيمات السياسية(2)، وهو الأمر الذي جعل الفيلسوف البريطاني ادموند بارك Edmund Burke ، يعتبر أن أهم ما يميز الأحزاب السياسية عن غيرها من التنظيمات هي الإيديولوجية والمبادئ التي تؤمن بها وتناضل في سبيل تحقيقها(3) وعلى هذا الأساس يعرف الحزب السياسي بأنه “جماعة متحدة من الأفراد، تسعى من خلال الجهود المشتركة إلى تحقيق المصلحة الوطنية، وفقا للمبادئ الخاصة التي يعتنقها أفراد هذه الجماعة”(4).
وفي نفس السياق يعتبر بنجامين . كونستون B . Constan ، أن الأحزاب السياسية تشير إلى:”اعتناق مجموعة من الأفراد لنفس العقيدة السياسية”، إذن حسب هذا الاتجاه، فان الناخب يقوم بالاختيار بين مجموعة من المرشحين الحزبيين، بدافع السياسات الحزبية التي تعبر في محتواها عن توجهات أيديولوجية(5)، غير انه يصعب حسب هذا الطرح فهم بعض النماذج الحزبية المعاصرة، التي تتصف أيديولوجيتها بالمرونة، فحتى إذا ما سلمنا بقيام الأحزاب السياسية فقط على عنصر الأيديولوجية إلا أن ذلك يظل أمرا معرض للزوال والتغير مع مرور الوقت.
كما أن هذا المدخل يشمل العديد من التنظيمات المهنية والفكرية والاجتماعية التي تسعى بدورها إلى تحقيق المصلحة الوطنية وتقوم على تمجيد الأيديولوجية، مثل بعض التنظيمات التي تعبر عن معتقدات شعائر دينية تجعلها تمارس الحياة السياسية دفاعا عن الفئة التي تمثلها، إضافة إلى إغفال باقي الخصائص التي تقوم عليها الأحزاب السياسية الحديثة، ومنها تمثيل مختلف فئات المجتمع والسعي للوصول إلى السلطة(6).
2- المدخل التنظيمي:
من الناحية التاريخية، تعتبر أولى الدراسات التي اهتمت بمعالجة موضوع الأحزاب السياسية هي تلك الدراسات التي عالجت هذا الموضوع من خلال المدخل التنظيمي، وكل ما يتعلق بالعضوية والوحدات التنظيمية من القاعدة إلى القيادة، وطبيعة العلاقة فيما بينها إضافة إلى طريقة اتخاذ القرار ووضع السياسات الحزبية واختيار المرشحين، وفي هذا الإطار يعتبر موريس دوفرجيه Maurice Duverger أن الأحزاب السياسية هي عبارة عن منظمات متخصصة تشبه الجيوش في طريقة تنظيمها…جماعات محكمة البنيان دقيقة المفاصل، يترتب أعضاؤها وفق درجات محددة مهيأة للنضال من اجل الفوز بالسلطة” (7).
بدوره ورغم أهمية المدلول التنظيمي في تعريف الأحزاب السياسية، يختزل هذا المدخل باقي الخصائص في طريقة البناء والعمل الحزبي، بعيدا عن البرامج والأهداف والوظائف التي تعتبر الأهم في بعض الحالات.

للاطلاع على الدراسة

شارك برأيك