كانط والشرعية المؤسسية الفلسفية

تقديم مقال: “كانط والشرعية المؤسسية الفلسفية”

مدخل:

هذا العرض تقديم لمقال منشور في العدد الثاني عشر (12) من مجلة مدارات فلسفية[1] التي تصدرها الجمعية الفلسفية المغربية، لكاتبه الباحث المغربي عبد الحق منصف تحت عنوان: «كانط والشرعية المؤسسية الفلسفية».

وهو مقال طويل لكونه جزءً من مؤلَّف كاتبنا الموسوم بـ: «كانط ورهانات التفكير الفلسفي – من نقد الفلسفة الى فلسفة النقد»[2]، تم نشره في المجلة قبل صدور الكتاب[3]، ويمتد على طول واحد وأربعين (41) صفحة مرقونةً بخط من الحجم الصغير، ومحتويةً –بالتقريب لا بالضبط- على أكثر من ثمانية آلاف (8000) كلمة، بمعدل مائتي (200) كلمة في كل صفحة.

المقال يهتم بـ«عرض موقف كانط (1724 – 1804) من الشرعية المؤسسية للفلسفة، باعتباره أول فيلسوف في العصر الحديث زاوج بين نقد الفلسفة وإعادة تأصيلها داخل العقل لأجل ترسيخ شرعيتها المعرفية، وبين التفكير في علافتها بفضائها الرسمي العمومي والمؤسسي الجامعي»[4]. وهو خال من المقدمة والخاتمة باعتباره فصلاً مقتطفاً من كتاب، وغني بالاستشهادات النصية المحالة على كتب كانط الاثني عشر (12) التي اعتمدها صاحبنا، ومقسَّمٌ إلى أربع (04) فقرات:

– الفقرة الأولى: الفلسفة بين الشرعية المعرفية والشرعية السوسيو – بيداغوجية، في ثلاث عشرة (13) صفحة.

– الفقرة الثانية: المؤسسة الفلسفية، في ثلاث (03) صفحات.

– الفقرة الثالثة: وحدة الجامعة، في ثلاث (03) صفحات.

– الفقرة الرابعة: صراع الكليات، في تسع عشرة (19) صفحة.

الفلسفة بين الشرعية المعرفية والشرعية السوسيو – بيداغوجية:

إن التشبث بتمثل الفلسفة كفكر خالص مستقل بذاته في بناء مفاهيمه وعملياته الحجاجية خارج الفضاءات السويو – بيداغوجية، هو بعد سلبي من جهتين، من جهة إبقائه الفلسفةَ تفكيراً محدوداً أولاً، وثانياً من جهة فصل الفلسفة عن جذورها داخل اللغة الطبيعية، والتي ما هي إلا استعمال متميز لها، وداخل المجال الاجتماعي العمومي الذي تشكل الجامعة أحد مجالاته الأساسية.

في حين، يكون استحضارُ التفكير في الفلسفة مختلفَ أنماط حضورها الثقافي داخل المجتمع، استحضاراً للحديث عن شرعية معرفية معينة للخطاب الفلسفي تسعى لأن تقيم ذاتها على شرعية سوسيو – بيداغوجية.

ولا تأخذ بيداغوجيا التكوين الفلسفي كاملَ أهميتها فقط من بحث الفلسفة عن تأصيل شرعيتها المعرفية باعتبارها نوعاً معيناً من المعرفة التي تتخذ شكل مفاهيم وأسماء وأعلام ونصوص وقضايا فلسفية مختلفة، وخطاباً واستعمالاً متميزاً للعقل، بل وأيضاً من سعيها إلى تأصيل شرعيتها البيداغوجية، شرعية تربية الذهن على عمليات للتفكير اعتُبِرت فلسفية بامتياز، كبناء المفاهيم والحجاج والبناء الإشكالي للقضايا والمواقف والجدل وما إلى ذلك. لذا كان تدريس الفلسفة دائماً إضفاءً لشرعية سوسيو – بيداغوجية على خطاب سعى عبر تاريخه إلى بناء أو إعادة بناء شرعيته الفكرية والاجتماعية عبر تأصيل مفاهيم التفلسف والعقل والمعرفة والنقد والحوار… وإن ميزة فلاسفة الحداثة أنهم لم يميزوا في تفكيرهم في الفلسفة بين شرعيتها المعرفية وشرعيتها السوسيو – بيداغوجية.

لقد وعى كانط جيداً، وهو يفكر في نمط التواجد المؤسسي للفلسفة، ما اقتضاه فرضُ الحداثة على الفلسفة تقاسُمَ فضاءٍ، منذ القرن الثامن عشر، تتجاور فيه أشكالٌ معرفية متشاكسة[5] يعمل كل منها على إثبات شرعيته الفكرية والاجتماعية، من انفتاحٍ على الفضاء الاجتماعي العمومي للشرعية، أي على صراع الشرعيات.

ولم يكن بحث كانط -الذي ظل حتى آخر حياته مهتماً بدور الفلسفة التنويري في المجتمع الحديث- في تعلم التفلسف وعلاقةِ الفلسفة بالجامعة وشرعيتِها النظرية وصراعِها مع الشرعيات المعرفية الأخرى، إلا بحثاً في إمكانية التفلسف داخل العصر الحديث، وسبباً في تخصيصه قسماً من “نقد العقل الخالص” للبحث في شروط تعلم التفلسف الوثيقة الارتباط بتربية العقل وهو يتفلسف، وذلك في: “الميتودولوجيا المتعالية” التي هي عبارة عن مجموعة من قواعد تزود عمل العقل المتفلسف أو المتعلم للتفلسف بمجموعة من تقنيات التفكير[6] التي تفضي مراعاتُها إلى التحكم في التفلسف.

إن تمييز كانط بين تعليم الفلسفة، وهو مجرد معرفة تاريخية بالفلسفات، وبين تعلم الفلسفة، وهو نشاط للعقل يستند إلى مبادئه الخاصة في توليد المعارف، راجع إلى تعاظم اهتمامه –الذي كان محكوماً بأيديولوجيا الأنوار[7]– بتعميم الأفكار الفلسفية والعلمية وغيرها وتعليمها بشكل يفوق الاهتمام بتاريخ هذه الأفكار والمعارف، إلى درجة بدت معها هذه المعارفُ التاريخية بإنتاجات العقل البشري أقلَّ إثارة وجاذبية من المعرفة بالعقل ذاته وتربيته.

لذا، لم تكن مهمة “الجدل المتعالي” في “نقد العقل الخالص” سوى إبراز تجذر التفلسف داخل الطبيعة البشرية. وهذا ما أنجزه كانط في الكتاب عبر إثبات آليات التفكير الداخلية التي بموجبها يحَوِّل العقلُ الخالص أفكارَه الخالصة[8] من أدوات مُوَجِّهَة لتنظيم معارف الفهم بالظواهر إلى موضوعات قصدية للتأمل وكأنها توجد في ذاتها ولأجل ذاتها.

وهذا الانتقال من التفكير في الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة وإن أدى إلى تناقضات وصراعات مذهبية على مستوى الأنساق الفلسفية، فإنه محصَّن باعتبارين:

أ- فلأنه أولاً عمل طبيعي للعقل البشري الذي يتفلسف، فقد كانت الميتافيزيقا بما هي الفلسفة الحقة التي تأخذ على عاتقها عرض المعارف الخالصة القبلية من خلال وحدتها النسقية، وبما هي مستمَدة من ماهية القدرة على التفكير ذاتها، موجودةً دائماً داخل العالم، ولن تتوقف عن الوجود في يوم من الأيام. وبما أنها كذلك، فإن الجدل الداخلي للعقل الخالص سيظل أيضاً قائماً لأنه أيضاً طبيعي فيه.

ب- وثانياً لأن مهمة النقد هي تحرير العقل من الأضرار التي تَلحَق به إثر هذه التناقضات والصراعات بشكل يعيد التفلسف نحو غايات تُهِم تقدمَ الجنسِ البشري نحو الأفضل أخلاقياً وسياسياً وثقافياً، فإن أُولى مهام الفلسفة وأهمَّها هي أن تنزع عن هذا الجدل كلية كلَّ أثر ضار، وذلك بملء كل الثغرات التي تصدر عنها الأخطاء.

وعلى الرغم من كونها أخطاء ناتجة عن اتخاذ الفلسفة شكلَ أطروحات متصارعة فيما بينها، فإنه ينبغي اعتبار نمو النزوع البشري إلى التفلسف عبر التجادل والتنافس والتنازع أحدَ الاستعدادات الخيرة والحكيمة المتجذرة في الطبيعة البشرية، لأن الميل إلى التفلسف متأصل في الإنسان، بل ومن أكثر مواهب الطبيعة حكمة فيه، شريطة أن يظل هذا الاعتبار مؤسَّساً على النقد الذي يتكفل بكشف مظاهر الجدل الخادع الذي يتمظهر في شكل الأنساق الدوغمائية والشكية المتصارعة فيما بينها.

إنها لم تكن مجردَ صراعات معرفية خالصة، بل لها وجهُها المؤسسي، حيث احتُكِرت الميتافيزيقا[9] من طرف العديد من التيارات الدوغمائية منذ أن خضع الفكر الفلسفي لهيمنة الكنيسة في العصر الوسيط… خصوصاً داخل الجامعات الألمانية. إنه هاجس تربوي واضح يقف وراء نقد كانط للفلسفات الدوغمائية السائدة[10] داخل كليتَي الثيولوجيا والفلسفة على الخصوص، لذا رام كانط إحداث تغيير فعلي لوضع الفلسفة في العصر الحديث، من خلال التركيز على قضية أخرى هي غيرُ تحليل بنية العقل البشري وإبراز إمكانية التفلسف وأفعاله، بل هي قضية تتوخى إبراز الأثر السلبي لصراع الأنساق الفلسفية على عقول الشباب والمتعاطين للتفلسف، وبالأَوْلى على مؤسسات التعليم الفلسفي التي أصبحت فيها الفلسفة لدى العديد من رجال الدين ومُدَّعِي التفلسف معقلاً سرياً للحقيقة التي يحظر الطعن فيها، والتي باسمها تمارَس كلُّ أشكال الرقابة على العقول.

وليس بخاف أن هذا الهاجس التربوي الكانطي ذو هدف تنويري مباشر. فهو يسعى إلى استجلاء شروط إقامة أُسس لمعرفة فلسفية قابلة للتعميم، تساهم في التنوير الفكري والسياسي خارج دوغمائية المدارس الفلسفية السائدة التي تشكل تهديداً للتنوير ومكتسبات الفلسفة النقدية، من خلال جعلِ الفلسفة أمراً عامياً أولاً، ومزْجِ قضاياها بقضايا المعرفة المشتركة لدى الجمهور ثانياً، ونشرِ الاعتقاد –وهذا ما زاد في تشويه صورة الفلسفة- باستحالة التفلسف خارج قضايا المعرفة المشتركة السائدة لدى العموم ثالثاً.

الواقع أنه لا يمكن التفلسف إلا انطلاقاً من الفضاء الذي يَلزَمُ على النقد تأسيسُه وإقامةُ قواعده، كما لا يمكن للفكر الفلسفي أن يعيش خارج فضائه، ولكن الأبعاد الثلاثية للدوغمائية تُخْرِج خصوصية الفكر الفلسفي عن الجامعة، أي عن مجالها الفعلي الوحيد الذي تكتسب فيه حياتها وشرعيتَها داخل المجتمع الحديث، وتلك هي الميزولوجيا التي تتطاول على الفلسفة مولِّدةً فظاعةَ زعمِ أنه بواسطة العقل المشترك، وبدون علم، يمكننا أن ننجح في معالجة القضايا الصعبة التي تتكون منها الإشكاليات الميتافيزيقة، دون اللجوء للتأمل.

إن فضاء النقد الفلسفي مؤسَّس داخل العقل ومؤسَّسي أيضاً، ذلك هو فضاء الجامعة، أو ما يسميه كانط “المدينة العلمية”، وهو فضاء عقلاني منظِّم لإنتاج المعرفة وتوسيعِها ونقدِها باستمرار، وهو المظهر الؤسَّسي للعقل. وبما أن الفلسفة هي المجال الذي يتم فيه تحليلُ بنية العقل البشري، وفهمُ مختلف معارفه القبلية التركيبية، فستكون هي من يتولى تنظيم الفضاء الجامعي. فالميتافيزيقا إذاً ضرورية أو ذات شرعية معرفياً وتربوياً. وغاية كانط من إثبات ضرورة التفلسف استناداً إلى رسوخه في الطبيعة البشرية، وإلى وظيفته النقدية والتنظيمية، هو تأسيس ضرورة أخرى يسميها ضرورة تعلم التفلسف، وهو تعبير ذو نفس تغييري يتوجه بالنقد للتنظيم العتيق للدراسات الجامعية عموماً، وفي كلية الفلسفة على الخصوص، بشكل يجعل النقدَ رقابةً يمارسها العقلُ على مختلف استعمالاته الفلسفية وغير الفلسفية. هو تنظيم لا يتيح للفلسفة التي لا يعتبرُها من ضمن العلوم الثابتة إلا حضوراً باهتاً جداً في المؤسسات الجامعية آنذاك قياساً إلى الدراسات العليا الأخرى كالقانون والطب والثيولوجيا والفنون. ولكن اهتمام كانط، وقد تفطن إلى عدم كفاية النقد وحده رغم أهميته القصوى، كان منصباً على الجهد التربوي والبيداغوجي الذي كانت تحتاجه عودةُ الروح للدراسات الفلسفية، جهدٍ يجعل من المكان الذي تتأسس فيه سلطةٌ رابعة هي سلطة المعرفة هو ذاتِه موضوعَ تفكير فلسفي.

لقد كان دفاع كانط عن الفلسفة كنمط في التفكير وكمؤسسة من مؤسسات الجامعة دفاعاً عن سلطة أو شرعية معرفية بموجبها يشرع العقل لشروط استعماله النظري[11] وكذا المؤسسي[12]، ولكن فقط وحصراً في اتجاه خدمة سلطة المعرفة والحقيقة من خلال البحث عن شروطها المعرفية داخل العقل، وشروطها الؤسَّسية داخل الجامعة، وليس خدمةً لسلطة رجال الدين والسلطة السياسية. ولا سبيل إلى ذلك إلا بترك كامل الحرية لكلية الفلسفة في البحث والقول، بل والتشريع لاستعمال العقل في باقي مجالات المعرفة الأخرى، كما ينبغي على الدول الحديثة أن تأخذ أطروحات الفلاسفة حول القضايا السياية والمدنية بعين الاعتبار، لأن الفلسفة من جهة تؤسِّس مبادئ المجال العملي وفق مبادئ العقل، وهي في ذلك من جهة ثانية لا تلتزم بأي ولاء ممكن إلا للحقيقة.

وإذا كان التزام الفيلسوف –وكلية الفلسفة بالتالي- بإعلان الحقيقة أمام الجميع دون استثناء أو تمييز، سياسيين كانوا أم أكاديميين أم عموم الشعب، هو بمقتضى الواجب الأخلاقي، فإن التعليم الفلسفي داخل الدائرة العمومية للحقيقة ليس مجرد حكاية عن تاريخ الفلاسفة وأنساقهم، بل هو ترسيخ القدرة على البحث عن الحقيقة أولاً استناداً إلى التفكير الذاتي، هو تعلم التفلسف وليس فقط تعليم الفلسفة، هو اكتساب الموقف الفلسفي، هو اكتشاف الحقيقة وإعلانها.

ويشكل النقد هنا رقابةً توجه العقلَ بحسب حاجاته. أولى هذه الحاجات: خروجه عن دوغمائيته، ووعيُه بجهله الذاتي الذي هو مجرد دافع للحاجة إلى المعرفة، والذي بقدر ما يعصم من البقاء فريسة للدوغمائية، بقدر ما يقيه أيضاً من السقوط ضحية النزعة الشكية. على العقل أن يتوقف عن إصدار أحكام ومعارف بخصوص موضوعات لا نمتلك بصددها أية معرفة ضرورية.

التعليم الفلسفي الحق هو الذي يولد الحاجة إلى المعرفة لدى الشباب، مع أنه لا يعطي معارف جاهزة. لذلك كان تعليماً للتفلسف وليس تعليماً للفلسفة كأنساق جاهزة للحقيقة.

المؤسسة الفلسفية:

لم تقتصر النزعة النقدية عند كانط على ربط المصير التاريخي للفلسفة بحركية النقد، بل شملت أيضاً تمثُّلَه الفلسفةَ في شقها التعليمي عبر حضورها المؤسسي داخل فضاء الجامعة. على أن صيغة النقد الكانطي للفضاء الجامعي ستأخذ صبغة تصعيدية، ابتداءً من اعتبار المدينة العلمية مجالاً للثرثرة اللفظية المنظَّمة، ومروراً بكشف الفوضى التي تسودها وافتقارِها إلى تنظيم يمس أسسها وأهدافها، ووصولاً إلى إثارة مسألة الرقابة السياسية التي مورست على الفكر الفلسفي داخل الجامعة وخارجها باسم الثيولوجيا ورجال الدين، من خلال أسئلة تطرح للمساءلة شرعيةَ رقابة السلطة السياسية لعمل العقل الأكاديمي. تساؤلات حولت لأول مرة في تاريخ التفلسف الحديث الجامعةَ إلى موضوع للتفكير الفلسفي، إلى درجة أن الجامعة بكلياتها صارت في ظرف 15 سنة تقريباً[13] موضوعَ تأملات فلسفية، ثم امتد هذا التأثير إلى ما بعد كانط، من فخته (1762 -1814) إلى دريدا (1930 – …).

فإذا أضفنا إلى كل هذه الحيثيات أن الفيلسوف أصبح أستاذاً جامعياً[14]، وأصبح البحث الفلسفي غيرَ منفصل عن مهام التكوين الأكاديمي داخل الجامعة، فإنه لم يعد ممكناً التفكيرُ في وجود الفلسفة كتفكير خارج فضاء الجامعة، كما لم يعد بإمكان الفيلسوف / الموظَّف أن يفكر في قضاياه الفلسفية دون أن يفكر في الشروط المؤسسية التي يمارِس فيها استعمالَه للعقل.

ولمواجهة الفيلسوف / الموظَّفِ الرقابةَ الخارجية التي تُفرَض عليه باسم الدين والثيولوجيا، حصر كانط الأهداف المحتمَلةَ التي يمارِس الثيولوجيُّ هذه الرقابةَ لأجلها إما باعتباره رجلَ دين باسم الدولة في دعوى الحرص على خلاص النفوس، أو باعتباره خبيراً في مجال العلوم باسم الجامعة في دعوى خلاص العلوم.

غير أن كانط، وإن كان يسمح للمختص في مجال الثيولوجيا بوصفه أحد خبراء الجامعة في مجال تخصصه، وشريطة عدم إلحاق رقابتِه أيَّ ضرر بحقل العلوم واستعمال العقل، فإنه يهدف إلى الحد من ممارسة الرقابة على التفكير من خارج فضاء الجامعة. ومع ذلك وجد كانط نفسه مضطراً إلى التفكير في إمكانية تَسَبُّب هذه الرقابة المشروطة في صراع كلية الفلسفة مع باقي الكليات الأخرى السائدة آنذاك في إطار نسيج العلاقات التي تسود الجامعة، علاقات المعرفة والسلطة والشرعية وعلاقات الوحدة والتعدد، باعتبار المدينة العلمية مجالاً لسلطة وشرعية رابعة هي بالذات سلطة وشرعية العقل المنتج للمعارف.

وحدة الجامعة:

نقدُ كانط لنظام المعرفة الأكاديمي امتدادٌ لنقد العقل. فإذا كان “نقد العقل الخالص” تحليلاً لبنية العقل المفكر، فإن “صراع الكليات” تحليل للفضاء الذي يأخذ فيه هذا العقل شكلاً مؤسسياً منظَّماً، أي موزَّعاً إلى قطاعات لإنتاج المعرفة متراتبة فيما بينها، وتعكس عبر تنظيمها ذاك تقييماً سياسياً لنظام المعرفة وآثاره الاجتماعية. فكما أن للعقل المفكر جدلَه الداخلي المتمظهرَ على شكل أنساق ميتافيزيقة متصارعة فيما بينها، فإن للمؤسسة الجامعية جدلها المعرفيَّ الذي يأخذ شكلَ صراع بين كلياتها الداخلية.

“صراع الكليات” تكميل يسد إحدى ثغرات نظرية الدولة والسلطة الكانطية. فالكتاب:

أ- بحْث في الوضع السياسي الاجتماعي لقطاع المعرفة يطرح مسألة مؤسسات إنتاج المعرفة وشرعيتها وعلاقتها بالسلطة المتحكمة فيها أيديولوجياً.

ب- وبحْث في الهيكلة الاجتماعية لهذا القطاع، وفي الوظائف الاجتماعية والسياسية لهذه المعرفة.

ج- ودفاع صريح عن الفلسفة والتعليم الفلسفي، وعن حرية التفلسف ومكانته الرفيعة قياساً إلى معارف الكليات الأخرى.

تحليلاتٌ ذات طبيعة مزدوجة لارتباط صراع الكليات بالنقد المتعالي والنظرية السياسية: إبرازٌ لوحدة الجامعة باعتبارها فضاء للمعرفة، وتحليلٌ للتفكك الداخلي لهذا الفضاء عبر الصراعات بين كلياته.

الكلية في نظر كانط إحدى مؤسسات الدولة التي تتولى إنتاج المعرفة وتوزيعَها وتكوين المواطنين في مختلف تخصصاتها بشكل صناعي عبر تقسيم الأعمال، وتوفير شروط ظهور قطاعات علمية عديدة، وإعداد مؤطريها من مدرسين وأساتذة عموميين يتم تعيينهم وترسيمهم باعتبارهم حاملين للمعارف العلمية داخل مؤسسة عمومية عالمة لها استقلاليتها تسمى الجامعة، أي أنه شيء عمومي، بما هي مؤسسة شاملة لكلية المعارف.

وزيادة على هذا، تَصنع الجامعةُ استمراريتَها الذاتية عبر إنتاج أعداد هائلة من حاملي المعرفة الذين يؤَمِّنون تداولها بين الأجيال. بل أكثر من ذلك، يمتد تأثيرها إلى مجال الأعمال العمومية من خلال تخريج “منفذي المعرفة”، وهم المستخدَمون عند الدولة في سلك الوظائف الحكومية من المتعلمين الذين قطعوا أشواطاً معينة في سلك التعليم الجامعي، وتم تأهيلهم لكي يكونوا أدوات الحكومة في ممارسة أعمال عمومية تتعلق بمختلف جوانب الحياة العملية، من أطباء ورجال دين ورجال قانون، المكتفين باستعمال معارفهم لأجل تنفيذ الأحكام والقوانين خدمة للحياة العامة. وبحكم ما لهذه الطبقة من المتعلمين من تأثير شرعي على عموم الشعب، فإنهم ليسوا أحراراً في استعمالهم للمعرفة. وحتى لا يتجاوزوا سلطة الكليات في تقييم المعرفة والحكم عليها، عليهم أن ينضبطوا لأوامر الحكومة.

إن استقلال الجامعة هو الذي يضمن للكليات ممارسة سلطة توزيع قطاعات إنتاج المعرفة. وتَوَلي المؤسسات الجامعية تقييمَ المعارف وتحديدَ معايير استعمالها العمومي من طرف خريجيها الموظَّفين الملزَمين بتدبير شؤون المواطنين في مجال الصحة والقوانين والممارسات، يجعلها بمثابة كليات لإصدار الأحكام[15]، وإليها مرجعُ سلطة النقد والرقابة والتشريع في مجال المعرفة. ولكنه يظل استقلالاً مقيَّداً بالالتزام عند التشريع للاستعمال العمومي للمعرفة بمقتضيات التشريع السياسي للدولة، أي بالالتزام بقوانين المجال العمومي للدولة.

الجامعة ذاكرةُ العصر الحديث الحافظةُ للتقدم الحاصل في مجالات العلوم والفنون. وقد ربط كانط مصير المعرفة داخل المجتمع الحديث بمصيرها بما هي مؤسسَّة شاملة للمعارف المختلفة، ومنظمة لها ولتوزيعِها وفق قوانين عمومية.

صراع الكليات:

الكليات تفتح الجامعة على واقع التعدد والتنوع الذي يَخضع داخلَها لتنظيم تراتبي لقطاعات المعرفة المكوِّنة لفضاء المدينة العلمية. وقد بُني هذا التنظيم التراتبي زمن كانط على تقييمٍ سياسي للمعرفة وأنواعها نابعٍ عن سلطة خارجية عن الجامعة، سلطةٍ ذاتِ أصول سياسية واجتماعية، مَنَحَت الدولةُ بموجبه الامتيازَ لكليات اعتبرَتْها عليا ما دامت تخدم مصلحتَها بشكل مباشر بواسطة منفذي المعرفة الذين تتمكن الدولة عبرهم من تحقيق تأثير قوي ودائم على عموم الشعب، وهي: كليات الطب والثيولوجيا والقانون، على حساب كلية دنيا هي كلية الفلسفة، بسبب الطابع النقدي لخطابها، ومعالجتها الحرة لمختلف قضاياها.

وعلى الرغم من تفَهُّم كانط للدوافع الثلاثة التي تستند إليها الدولة في إبراز حاجتها للكليات العليا، معتبرةً إياها أساسيةً للتأثير على عموم الشعب، وقَبولِه لممارسة الدولة رقابتَها المباشرة على ما يدرَّس داخل هذه الكليات من مباحث ومعارف، بما أن الدولة تتحمل أعباء ونفقات هيأة التدريس بهذه الكليات العليا، وبما أن مسؤوليات الدولة العموميةَ تقتضي إشرافَها على مؤسسات إنتاج المعرفة وتعليمها مثلما تُشرف على مختلف مؤسساتها العمومية الأخرى، فإنه لا يبيح لها صلاحية التدخل المباشر والتعسفي كرقابة على العقل وما ينتجه من معارف في مجال الجامعة.

فالدوافع الثلاثة المعلَنة، من تحقيق الخير الأبدي للإنسان بواسطة التعليم العمومي الذي يمكن الحكومة من التأثير على الأفكار الروحية العميقة والرغبات الدفينة داخل نفوس الرعايا، وتحقيقِ المنفعة الاجتماعية للمواطنين حين تُخضِع الدولةُ سلوكاتهم الخارجية للقوانين العمومية، وتحقيقِ المنفعة الصحية للفرد كي تضْمن الدولةُ لذاتها وجودَ شعب كثير الأفراد يكون رهن إشارتها لتحقيق مخططاتها، ليست في المنظور النقدي الكانطي مبررات كافيةً لمنح الحق للدولة كسلطة سياسية في ممارسة الرقابة على المعرفة، لأن سلطتها غير قائمة مباشرة على المعرفة وعمل العقل. وكل حكومة تتعدى ماهيةَ اختصاصها لتلعب دورَ العالِم، لن تفعل بادعائها شيئاً آخر غير تدمير الاحترام الذي هو واجب تجاهها. وحتى المنفعة التي تَعِد هذه الكلياتُ العليا جلبَها للحكومة خارج ارتباطها بالحقيقة التي هي الشرط الأولي للعلم عامة، ليست سوى أمر ثانوي.

وهو نقد موجَّه أيضاً للرهان السياسي للمضامين التعليمية في المجال الجامعي، حيث قامت مضامين التكوين والتعليم في الكليات العليا على برامج مقررة من طرف الدولة أوهيئات ممثلة لها، ومصاغة في متون مكتوبة ومراجع معترف بها رسمياً، وحيث امتد تدخل الدولة إلى صياغة تعليمات رسمية توجه تعليم هذه المتون نحو أغراض عملية معينة، بل تنظم عمليات التكوين والتعليم ذاتها.

فعوض أن يَخضع اختيارُ متون الجامعة ومقرراتها التعليمية لتشريع العقل، فإنها تَخضع لرقابة خارجية تفرض عليها مرجعيات محددة. وهكذا تستمد كلية الثيولوجيا معارفها من الكتاب المقدس لا من مذهب الدين الطبيعي الذي يقيمه العقل. أما أستاذ القانون، فيستمد مضامينه من الحق المدني الوضعي لا من مذهب الحق الطبيعي الذي يؤصل العقلُ مبادئَه. وأما العالِم في مجال الطب، فيستمد معارفه وطر قتَه العلاجية الموجَّهةَ للعموم من القواعد الطبية المقررة من طرف الدولة التي تحرص كل الحرص على أن تتدخل في الكيفية التي يتعامل بها الطب مع صحة مواطنيها. لذلك، فهي تراقب ممارسات الأطباء.

إن ما تفعله الإدارةُ المشْرفة على التعليم الجامعي، والسلطةُ السياسية الداعمةُ لها، هو الحيلولةُ دون مزج مضامين متنٍ من المعارف محدَّد سلفاً بقواعد منهجية وتعليمات رسمية بشيء مستمَد من العقل، أي منع حضور الاعتبارات الفلسفية في التعليم، بغاية الفصل داخل التعليم الجامعي بين مجالات الحقوق والطب والثيولوجيا، وبين مجال الفلسفة.

لقد استعصت كلية الفلسفة، في نهاية التحليل، على تسخيرها من أجل تأمين هيمنة الدولة على عقول الشعب، وظلت وفية لهدف البحث عن الحقيقة من خلال موقفها النقدي تجاه مختلف المعارف والمضامين التعليمية استناداً إلى القدرة على الحكم بشكل مستقل، أي وفق مبادئ الفكر عامة. وعلى الرغم من وضع الدولة كليةَ الفلسفة في مرتبة دنيا، فإنها كانت منفلتة عن السلطة السياسية بطبيعتها.

ثم إن كلية الفلسفة كلية شاملة لمختلف المعارف البشرية، بما في ذلك معارف الكليات المسماة عليا، حيث تبحث في أسس هذه المعارف ومبادئها داخل العقل، وتفحصها فحصاً نقدياً متعالياً طالما أن العقل هو المرجع الأصلي لكل المعارف البشرية. وبدون نقد الفلسفة، سينتهي الأمر بالكليات العليا إلى الدوغمائية. لذا فالفلسفة هي من تستحق ممارسة الرقابة على معارف الجامعة. والمضامينُ التعليميةُ المقررة في جميع الكليات يجب أن تخضع للنقد الفلسفي الذي يؤصل مبادئَها داخل العقل الذي يمارس على ذاته هذه التربية الصارمة حائلاً دون إمكان رقابة أخرى عليه من الخارج، ومُحِدّاً من الادعاءات السوفسطائية التي قد يواجهه بها أساتذةُ الثيولوجيا الكنيسية والقانون الوضعي على الخصوص، الساعون إلى تكريس سلطتهم الثقافية المدعومة بالسلطة السياسية انطلاقاً من رقابة خارجية غريبة عن هذه العلوم، وقائمة على القوة والامتياز الاجتماعي لا على النقد الذي يمارسه العقل على ذاته وإنتاجه باسم الحقيقة.

وموازاةً مع تأسيس كانط لممارسة الجامعة رقابتَها الذاتية على نظام معارفها وطرقِ تكوينها داخلها استناداً إلى ما يقره العقل –بواسطة النقد الفلسفي- من مبادئ وشروط للحقيقة، فإنه أسس لتغيير مكان المواجهة من داخل الجامعة إلى خارجها، لتصبح قائمةً بين سلطة معرفية خالصة هي سلطة وشرعية النقد الفلسفي، وبين سلطة وشرعية الدولة السياسية المدعية الحق في مراقبة كل تحكم عمومي في المعرفة واستغلاله لصالحها، وذلك عبر قطع الطريق على مساهمة مختصي الكليات العليا في ممارسة هذه الرقابة، إلا أن يكونوا ذوي ثقافة وتكوين فلسفيين، وإلا انطلاقاً من النظريات الفلسفية التي يقيمها النقد، وشريطة عدم ممارستهم للرقابة على المعرفة خارج مجال الجامعة، والدعوةِ إلى منع أبحاث أو كتب أو شُعب معينة بدعوى اختلافها مع الأفكار الثيولوجية أو السياسية السائدة.

إن الوضع السليم، هو أن يَخضع الاستعمالُ العمومي لهذه المعارف من طرف هؤلاء المنفذين لرقابة الدولة السياسية، ورقابةِ الجامعة المعرفية. فهم وحدهم الذين يمكن أن يُمنعوا من أن يَخرُجوا عمومياً عن المضامين التعليمية التي قَدمت لهم عروضاً جاهزة من طرف الحكومة لكي يمارسوا وظائفهم الخاصةَ بهم، ومن أن يجرؤوا على لعب دور الفلاسفة، وإلا فسيكون سلوكُهم خارج ما حددته الحكومة تحريضاً للشعب ضد الحكومة.

وفي مقاربته الإشكاليةَ القديمة هذه، إشكاليةَ تصادم السلطتين السياسية والمعرفية، لم يراهن كانط على الحل الأفلاطوني الذي يقتضي تمازجَ السلطتين داخل شخص واحد، حيث يصبح الفيلسوف ملكاً أو الملك فيلسوفاً. فالاستمتاع بالسلطة يُفسد أحكام العقل وحريتَه لا محالة. لقد كان هاجس كانط هو أن تحتل الفلسفةُ ومؤسساتُها مكاناً فعلياً يليق بها وبسمو مهامها الفكرية والتربوية، لا أن يجمع الفيلسوفُ في شخص واحد فعلَ التفلسف بفعل التدبير السياسي. فاقترح نأْيَ تدبيرِ الحكومات المستزيدة للتنوير عن توريط الملوك والشعوب في المعاناة من تغييب الفلاسفة أو إلزامهم بالصمت بالقوة، وحرصَها في المقابل على أن يُفسَح المجالُ للفلاسفة حتى يعبروا للعموم عن أفكارهم بشكل حر، في مسعى منه لـتمَيُّزِ السلطتين والشرعيتين، ومراهنةٍ على تعايشهما على أساس ترْكِ الدولة للفلسفة كاملَ حريتها في نقد المعارف وتأصيلها داخل العقل، حريتَها لا في إصدار الأوامر، بل في الحكم عليها، عن طريق منح العقل الحقَّ في الكلام بشكل عمومي بما يقي مؤسسات المعرفة، بل والمجالَ العموميَّ للدولة، من السقوط ضحية النزعات الدوغمائية والشكية.

هذا النقد لا يستهدف الدعاية الفلسفية، ولا البحث عن مواقع داخل الجمهور، لأنه لا يتصور وجوده من منظور صراع المواقع والهيمنة، بل من منطق وضع حد لكل صراع يمس وحدة العقل وشكله المؤسسي: الجامعة.

غير أن هذه الكليات العليا سترفض الخضوع لرقابة الفيلسوف، لما فيه من التضحية بالامتيازات الاجتماعية والسياسية لفائدة الحقيقة وحرية النقد، ولما تعتبره –تأويلاً- تدخلاً في ثقافتها العالمة، ومساساً بسلطتها العلمية وشرعيتِها المؤسسية.

لقد كان كانط واعياً تمام الوعي بهذه الملابسات، لذا راهن بوضوح وقصد على سعي الفلسفة إلى استعادة مكانتها وترسيخ شرعيتها وتعزيزها داخل حقل المعرفة، بالضدية مع سعي السلطة السياسية إلى إقصائها، أو على الأقل تهميشها، بإيعاز من رجال الثيولوجيا والقانون آنذاك بسبب دخولها في صراعات نظرية مع الكليتين. وهي خلافات طبيعبة جداً بسبب اختلاف الأسس التي تنطلق منها النظريات السائدة. وطالما ظل الصراع المعرفي بين الكليات محصوراً داخل فضاء الجامعة وفي حدوده، ولم تحوِّل الخلافاتُ ذاتَها إلى صراعات اجتماعية قائمةٍ على الدعاية الثقافية واستقطاب جمهور الشعب وتوريطه في مواقف لا يعي بها بسبب حدود ثقافته العالمة، فسيكون صراعاً مشروعاً، وغيرَ مهدِّد وحدةَ الجامعة. ولكن الذي يجعله صراعاً غيرَ مشروع، هو تحويلُه من طرف الكليات العليا إلى صراع عمومي، ومراهنةُ هذه الكليات على كسب تعاطف الشعب بدعوى أنها أعرف من غيرها بوسائل سعادته، مع أنها تختلف اختلافاً بيناً في تصورها هذه السعادة، مستغلةً ميلَه في اختيار سعادته غالباً عن مبادئ العقل كالحرية والاستقلال الذاتي والواجب إلى غاياته الطبيعية كتأمين ثرواته وخيراته المادية وحماية ملكيته بالقوانين والحرص على الاستمتاع بملذات الحياة مع ما توفره من صحة وامتداد العمر والخلاص بعد الموت.

إن لجوء الكليات إلى إخراج الصراع مع كلية الفلسفة من مجاله الحقيقي، مجال الجامعة حيث يسود الاختلاف والنقد الأكاديمي، إلى مجال يكون فيه الفرد غير مؤهل لخوض أي نقاش أكاديمي بسبب غياب شروطه المعرفية، ينزع عن الصراع مشروعيتَه.

وهو إخراج متعمَّد مقصود، أي عن سبق إصرار وترصد بالتعبير القانوني، بهدف الانتصار على كلية الفلسفة على مستوى التأثير على عموم الشعب الذي يبدي دائماً مقاومة أمام التنوير وأنصاره، وذلك باستغلال سذاجته وتشبته بغاياته وحاجاته الطبيعية المباشرة بالتعويل في تحقيق غاياتهم البرغماتية على خريجي الكليات العليا الذين يمتلكون كالـسحرة كل الحلول لمطالبهم ومشاكلهم الخاصة بالخلاص الروحي أو الصحة الفيزيائية أو الملكية والثروات الاجتماعية.

نقْدُ عموم الشعب منظوراً إلى كسله الطبيعي المجسَّدِ في بحثه الدائم عمن يقوم مقامه وكأنه سعيٌ إلى تعطيل الأنوار، هو ما انتهى إليه كانط بنقده تبعيةَ الكليات العليا لما تمليه عليها الدولة بخصوص معارفها وغايات تعليمها. لقد انتهى إلى أن العمل النقدي للفلسفة ينبغي أولاً أن يستهدف تحطيمَ السلطة غير المعرفية التي يمارسها خريجو الكليات على عموم الشعب، وأن يتوجه ثانياً لتحطيم قناعة بسبب كونها معيقةً كلَّ تنوير، قناعةٍ تتمظهر على شكل رسوخِ صورة خريجي الكليات العليا لدى عموم الشعب بوصفهم من يقوم مقامه في كل شيء أولاً، وإلحاقِ عمومِ الشعب بهؤلاء الخريجين سلطةً سحريةً بشكل خرافي ثانياً.

إن مواجهة تحدٍّ على شكل معضلة ذي ثلاثة أبعاد يشخِّص بها كانط وضعيةَ المؤسسة الفلسفية في:

أ- صراع مشروع ذي طبيعة أكاديمية مع الكليات الثلاث، يجب حله بالتدريج داخل فضاء الجامعة.

ب- صراع مع السلطة السياسية التي تستغل المعارف الطبية والقانونية والثيولوجية لأجل تكريس هيمنتها على الشعب بواسطة خريجي الكليات العليا الثلاث.

ج- صراع مع سذاجة عموم الشعب ومقاومته القصدية أو غير القصدية لمبادئ التنوير الذي يجد قاعدته داخل النقد الفلسفي.

تتطلب من كلية الفلسفة عملاً دؤوباً. لذلك يُعَد نجاحُ برنامجِ الأنوار داخل عقول الشعب هو المعجزةَ الحقيقية.

لم تكن لثقة كانط في حركة التنوير وفي وجوب خروج الشعب من قصوره بفعل التربية الدائمة بمختلف أنواعها حدود، على الرغم من خلق هذه الصراعات عوائقَ كبيرة جداً أمام الأنوار وانتصار العقل والاستبداد والقصور الذاتي. وكان رهانه على احتلال الفلسفة مكانَها الفعلي داخل نسق الجامعة كشرط لنجاح هذه التربية. بهذا المعنى، كان كانط يجعل الرقابة المعرفية مشروعة. إنه يبرر ضرورتها عقلياً. فعلى الدولة أن تسمح للفيلسوف بالحق في أن يقول الحقيقة حول الحقوق والقوانين ومؤسساتها السياسية والتربوية، وحول الأخلاق والدين والثيولوجيا وغيرها دون أدنى تحفظ، كما عليها أن تعي أن التحكم في مقاليد السلطة المعرفية تمتلكها الكليات داخل الجامعة التي ينبغي أن تحتل فيها كلية الفلسفة مرتبة القيادة والرقابة والنقد والتوجيه، وأن تدرك أنه لا يمكن تجاهل الحقيقة التي يكشفها النقد، ولذا عليها واجب توفير حرية كاملة لكلية الفلسفة بوصفها شرطاً غير مشروط لكل فحص نقدي أكاديمي للمعارف التي تكون موضوع تداول وتعليم وتكوين في الكليات.

وتبقى المفارقة غير القابلة للتجاوز للفلسفة التي تريد أن تصبح داخل الجامعة سلطة للمعرفة والحقيقة، في تأسيس سلطتها وشرعيتها الذاتية على اعترافها بضرورة السلطة السياسية وشرعيتها ورقابتها على المؤسسات العمومية بما في ذلك الجامعة. فلا يمكن للفلسفة ممارسةُ الحق في النقد وتحديد شروط ما هو حقيقي ومعقول إلا بالاعتراف للدولة ذاتها بحق سلطة الرقابة على كل ما هو عمومي ويمس المصلحة العامة. تلك ضرورة مزدوجة تمس وضع الدولة ووضع الفلسفة داخل الجامعة. فلا صراع فعلي في الصدام بين السلطة السياسية وسلطة الفلسفة المعرفية، بل مجرد مواجهة دائمة غالباً ما ترجع الغلبة فيها للسلطة السياسية، وتَقْبل فيها الفلسفةُ مفارقتَها تجاه السلطة السياسية محوِّلةً مجالَ المواجهة داخل الفضاء الجامعي وحده إلى المعارف والمضامين التي تستعملها السلطة السياسية لتأمين هيمنتها على عموم الشعب. وأقل ما تثمره هذه الاستراتيجية حمايةُ حقِّها في الوجود باسم النقد والحقيقة دون أن تواجه سلطة الدولة عبر صراع مباشر، مما يجعله صراعاً متكافئاً ومشروعاً، وحمايةُ الجامعةِ من أن تتحول إلى مجرد إدارة شاملة ومستودع للمذاهب الفكرية الرسمية.

الانخراط في هذا الصراع واجب تجاه الحقيقة وقولها. لذا لا تسعى الفلسفة لوضع حد لهذا الصراع غير المنتهي مع الكليات الأخرى، بل تهدف إلى جعله قانونياً، أي صراعاً أكاديمياً يمس إمكانية الحقيقة والتفكير في الحقيقة، ومدَبَّراً على أساس مجموعة مبادئ صورية، هي:

1- وجوب بقاء الفلسفة مخلصة لقصديتها التي هي التقديم العمومي للحقيقة. فلا ينبغي أن يتم توقيف الصراع بتعاقد للصلح تحيد الفلسفة بمقتضاه عن الحق وتتغاضى عن تشويه الحقيقة، بل بحكم حاسم يستند إلى قاض هو العقل.

2- استحالة توقيف الصراع ما دام النقدُ والفحص الدائمُ للمعارف وأسسِها جوهرَ العمل الفلسفي. فعلى الفلسفة أن تظل دائماً يقظة.

3- استحالة مس الصراع الداخلي بين سلط ثقافية بالحكومة متى حافظت على حيادها.

خاتمة:

لم تفلح اللغة السياسية التي يستعملها كانط لتشخيص هذا الصراع في إخفاء بعده السياسي، وفي تقديمه كصراع بين كليات محصور داخل المجال الجامعي. ويبدو ذلك جلياً في تصنيفه الطرفين الأساسيين اهذا الصراع ضمن موقعي “اليمين” و”اليسار” تبعاً لموقفهما من الحكومة.

صحيح أن كانط ينزه الفلسفة عن الدعاية السياسية المبتذلة، وينأى بها عن السعي إلى امتلاك سلطة ما للتحكم في الشعب، ولكنه يقدمها سياسياً، بحكم منحاها التنويري، على أساس أنها تتقصد تحرير هذا الشعب مما يقيد حريته ويحد من استعماله لعقله. وكانط يصرح بتحميل الدولة كامل المسؤولية عن توفير كامل الحرية لكلية الفلسفة، توفيراً هو في مصلحتها في نهاية التحليل، يَقْصُر تسلطُ الدولة وهيمنتُها المطلقان عن بلوغ غاياتها الأخلاقية والسياسية، في الوقت الذي تجد في هذه الحرية بالمقابل وسائل تحقيق تلك الغايات.


[1]- هذا العدد –على غرارا سائر أعداد المجلة- بدون تاريخ.

[2]- أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2007.

[3] على حد ما أخبرني به كاتبه بمناسبة الملتقى الفلسفي الثاني الذي نظم بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتاريخ 29 – 30 نونبر 2010.

[4]- عبد الحق منصف، مجلة مدارات فلسفية، العدد 12، ص 50.

[5]- علوم، دراسات تاريخية وفيلولوجية، دراسات دينية، دراسات لغوية…

[6]- كالتعريف والافتراض والجدل والسجال والحجاج والاستدلال.

[7]- وخصوصاً مبدأ التفكير الذاتي المتحرر من المسبقات والأحكام المغلوطة.

[8]- حول المبدأ والوحدة والكلية والشرط المنطقي وغيرها.

[9]- ينص الهامش رقم 3 من المقال على مطابقة كانط بين الميتافيزيقا –بما هي فلسفة حقة- والفلسفة. ص 85.

[10]- آنئذ.

[11]- عبر النقد.

[12]- داخل الجامعة.

[13]- من 1802 إلى 1816.

[14]- منذ “فولف” (1679 – 1754) و”باوكارتن” (1714 – 1762) وكانط على الخصوص.

[15]- “Des facultés de juger”

شارك برأيك