1- التأويل عند الإمام الغزالي

بقلم: د. مجدي عزالدين

أستاذ الفلسفة بجامعة النيلين

ورقة بحثية شارك بها الباحث في مؤتمر(الإمام الغزالي وأثره على الفكر الإنساني)/ جامعة الخرطوم/ 15-16 مارس 2011م. ونُشرت في كتاب المؤتمر.

مقدمة:

يمكننا القول بأن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة التأويل وتاريخها هو تاريخ صراع وحوار وجدل التأويلات والتفاسير الدائر والمنشغل بالنص الديني الإسلامي ممثلا ذلك في مصادره الأساسية القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. لذلك اهتمت به كل الفرق والملل والنحل الإسلامية.

إن النظرة المتأملة الفاحصة والدارسة للتراث العربي الإسلامي سواء أكان ذلك على مستوى دوائره العلمية وحقوله المعرفية المختلفة ( علم الكلام، الفقه وأصوله، علم التفسير، علم الحديث، الفلسفة الإسلامية، التصوف، اللغة،..الخ) أو على مستوى الفرق الإسلامية المختلفة، يخرج بنتيجة مفادها أن النظرية التأويلية الإسلامية قد تعددت واتخذت صورا مختلفة بتعدد الحقول المعرفية التي اشتغلت على النص وباختلاف الفرق الإسلامية نفسها مما يعني بدوره اختلاف منهجيات التناول والمنطلقات النظرية التي قامت الفرق الإسلامية بتطبيقها وبتوظيفها في عملية إنتاج المعنى والدلالة بخصوص النص الديني الإسلامي في شقيه القرآني والنبوي.

نحن هنا نهدف إلى تلمس التأويل وقضاياه داخل هذه الحضارة وتحديدا من خلال المساهمة المعرفية للإمام أبى حامد الغزالي(450-505هـ) في هذا المضمار. هذه المهمة تطلبت منا معالجة مسألة (التأويل) والقضايا المتصلة بها من منظور الإمام الغزالي: مفهومه وضرورته، صلاحيته وشروطه، مواضعه ومجالاته. واتبعنا في سبيل بلوغ هذا الهدف منهجاً تحليلياً مقارناً حيث قام الباحث بتحليل الطريقة التي عالج بها الإمام الغزالي التأويل وقضاياه، ومن ثم قارن أفكاره ومفاهيمه في هذا الشأن في ضوء معارف عصره ومن خلال الأفق التاريخي السابق واللاحق له، لتبيان مدى اتفاقه واختلافه مع غيره من رواد الفكر الإسلامي آنذاك، حتى نستبين قيمة إسهامه الحقيقي في هذا المضمار. وفي سبيل إنجاز هذه المهمة، كان لابد من إطلالة سريعة للوقوف على التأويل وقضاياه داخل حقل الإسلاميات، محاولين في الآن ذاته تتبع تاريخ نشأة وتطور مصطلح التأويل داخل هذا الحقل.

مفهوم التأويل في الكتاب:

وردت كلمة (التأويل) في عدد من سور القرآن الكريم، التي سنقوم بذكرها هنا:

قوله تعالى في سورة آل عمران:(7) :{ … فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم….}: ” فيها قراءتان: قراءة من يقف على قوله: (إلا الله)، وقراءة من لا يقف عندها، وكلتا القراءتين حق. ويراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله. ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله”[i] ونلاحظ هنا أن الإمام الغزالي يساوي من حيث الدلالة والمعنى بين مصطلحي التفسير والتأويل.

قوله تعالى في سورة النساء:(59):{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} “قالوا : أحسن عاقبة ومصيرا. فالتأويل هنا تأويل فعلهم الذي هو الرد إلى الكتاب والسنة. والتأويل في سورة يوسف· تأويل أحاديث الرؤيا. والتأويل في سورة الأعراف·· وسورة يونس··· تأويل القرآن وكذلك في سورة آل عمران. وقال تعالى في قصة موسى والعالم:{ قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} إلى قوله: { وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا }· فالتأويل هنا تأويل الأفعال التي فعلها العالم من خرق السفينة بغير إذن صاحبها ومن قتل الغلام ومن إقامة الجدار فهو تأويل عمل لا تأويل قول”[ii] ” إن معنى (التأويل) هنا الكشف عن الدلالة الخفية للأفعال، وهذه الدلالة الخفية الباطنة لا تنكشف إلا من خلال (أفق) غير عادي هو (العلم اللدُنّي) الذي أوتيه العبد الصالح. ولا شك أن اعتراض (موسى) على هذه الأفعال لم يكن اعتراضا ناشئا عن (الجهل) بدلالتها جهلا مطبقا، فالجهل المطبق من شأنه ـ مع التسليم بعلم الآخر أن يؤدي إلى الصمت وانتظار (التأويل). لقد كان اعتراض موسى نابعا من (تأويل) هذه الأفعال بناء على (أفقه) الفكري وعلمه. ومن خلال هذا الأفق بدت له الأفعال قبيحة ـ إذا شئنا استخدام المصطلح الكلامي ـ حتى جاء (التأويل) النابع من أفق آخر وبيّن له حسنها”[iii] والباطنية يرون في إقامة الجدار وقتل الغلام وخرق السفينة ” علما لدنيا هو في حقيقته أسمى من الشريعة كما يزعمون وإلا ما تكبد موسى مشقة السفر لينال علما هو يملك مثله أو أفضل منه”[iv]

وهناك الآية (35) من سورة الإسراء:{ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا}. هذه هي كل آيات القرآن الكريم التي وردت فيها كلمة (تأويل)، والملاحظ أنها وردت سبع عشرة مرة، في حين وردت كلمة (تفسير) مرة واحدة فقط·، ودلالة هذا كما بين لنا أبو زيد هي ” أن كلمة (تأويل) كانت أكثر دورانا في اللغة بشكل عام ـ وفي النص بشكل خاص ـ من دوران كلمة (تفسير). ولعل السر وراء هذا الدوران أن (التأويل) كان مفهوما معروفا في الثقافة قبل الإسلام ارتبط بتفسير الأحلام أو (تأويل الأحاديث)”[v]

إن لفظ التأويل في القرآن الكريم يشير إلى العاقبة والمصير والمآل، أي عاقبة الأمر ومآله بمعنى ما يؤول الأمر إليه. ويورد الراغب الأصفهاني: ” التأويل: الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك رد الشيء إلى الغاية المرادة منه. وقوله تعالى:}هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله{ الأعراف(53) أي: بيانه. وقوله تعالى:}ذلك خير وأحسن تأويلا{ النساء(59) قيل: أحسن معنى وترجمة”[vi] ويورد السيد أحمد عبد الغفار في كتابه: (ظاهرة التأويل وصلتها باللغة) يورد دلالات ومعاني كلمة (التأويل) في معاجم اللغة المتقدمة، حيث أتت بمعنى: ” المرجع والمصير: مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه ورجع…. التغيير: آل جسم الرجل إذا نحف. وهاتان الدلالتان هما الغالبتان، وإن كانت الثانية لا تبعد عن الأولى كثيرا، ففي معنى التغيير الصيرورة والرجوع إلى كذا… الوضوح والظهور….. التفسير والتدبر: تفسير ما يؤول إليه الشيء تقول: تأولت في فلان الأمر أي تحريته”[vii]

الهوامش:


[i] أبو حامد الغزالي، قانون التأويل، قرأه وخرّج أحاديثه وعلق عليه: محمود بيجو، ط1، 1993م، المقدمة، ص5

  • · الآيات من سورة يوسف على التوالي 6- 21- 36- 37- 44- 45- 100- 101: قول يعقوب عليه السلام ليوسف:{ وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث}ـ{ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث}ـ { ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين. قال لا يأتيكما طعام تُرزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي}ـ وقول الملأ { قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} وقول يوسف لما دخل عليه أهله مصر{ ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا}ـ { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث}
  • ·· من سورة الأعراف الآية(53): { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله…}
  • ···  { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله…}
  • · الآيتان 82-87 من سورة الكهف
[ii] ابن تيمية، الإكليل في المتشابه والتأويل، خرّج أحاديثه وعلق عليه: محمد الشيمى شحاته، دار الإيمان للطبع والنشر والتوزيع، الإسكندرية، د.ت، ص30

[iii] نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط7، 2008م، ص229

[iv] محمود المراكبي، ظاهر الدين وباطنه (السلف، الباطنية، الشيعة، الصوفية)، الإسكندرية، 2002م، المقدمة، ص3

  • · وردت في قوله تعالى في سورة الفرقان الآية(23) :{ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا}
[v] نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، مرجع سابق الذكر، ص226

[vi] الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القران، الجزء الأول، دار القلم، دمشق، د.ت، ص34

[vii] السيد أحمد عبد الغفار، ظاهرة التأويل وصلتها باللغة، دار المعرفة الجامعية، مصر، 1998م، ص15

تعليقان (2) على “1- التأويل عند الإمام الغزالي”

  1. تحياتي محمد، الورقة موجودة كلها هنا في نفس الموقع، ومقسمة على أربع أجزاء. أتمنى لك التوفيق والسداد

  2. سيادة الدكتور / مجدي عز الدين،
    لو أمكن أن ترسلوا لي الورقة، حيث أني أدرس معرفة الله عند الغزالي من خلال نظريته في التربية والتعليم!

    مع كل الشكر

    محمد 

شارك برأيك