التحليل التداولي عند ابن عاشور

يعتبر مجال التداوليات من أحدث المجالات في الدراسات اللسانية المعاصرة، وقد ساهمت الأبحاث التي أنجزت حتى الآن في تطوير معرفتنا بالألسنة الطبيعية من جهة وبآليات التواصل وديناميته من جهة أخرى. فاكتشاف الأبعاد التداولية للغة فتح آفاقا أرحب وأنتج أسئلة جديدة.
ولعل التداولية باعتبارها حقلا لسانيا يهتم بالبعد الاستعمالي أو الإنجازي للغة، فهي تأخذ بعين الاعتبار المتكلم والمخاطب والسياق وشروط التخاطب والهدف من الخطاب مما يسمح بتوسيع النظر في قضية اللغة ذاتها نحو مزيد من الفهم لكيفيات الإنشاء والتأويل على حد سواء.
ولئن كانت البدايات لظهور هذا النوع من الدراسات في الثقافة الأنجلوساكسونية فإن الواقف على الممارسة التراثية العربية والإسلامية في مجال التفسير تحديدا يجد نظرات ثاقبة وأفكارا جديدة لو أتيح لها الإطار المنهجي والنظري لعرضها لكانت أسبق في مجال التحليل التداولي من تلك التي تنسب اليوم للغرب.
وفي الورقة التي نعتزم تقديمها ، سنعمل على إبراز أركان المنهج التداولي من خلال تفسير التحرير والتنوير، مقدمين لكل ركن بمقدمة نظرية تبين أهميته في التحليل ودوره الوظيفي في عملية التأويل خصوصا.
كما سنعمل على استثمار المقاربات التداولية المعروضة اليوم(من التداوليات التلفظيةénonciative pragmatique، والتداوليات التخاطبيةillocutoire pragmatique، والتداوليات التحاوريةconversationnelle pragmatique) ، في مقارنة خططها وطرائقها التحليلية مع تلك التي وظفها الشيخ الطاهر بن عاشور في قراءته للنص القرآني مجددا أساليب البحث والتفتيش عن المعنى وراحلا متبصرا في سفر مشوق مع الدلالة القرآنية الخصبة والغنية والفياضة، لأن “الاقتصار على الحديث المعاد في التفسير هو تعطيل لفيض القرآن الكريم الذي ما له من نفاد” كما يقرر. ومستخرجا الدرر النفيسة التي حملتها الآيات، وما جاءت به من دقائق ولطائف بيانية، وناثرا إياها في جنبات تفسيره، لينعم بالنظر إليها كل صيرفيّ خبير، وكل متدبر يبحث عن حسن التصوير.
كما تسعى الورقة إلى أن تتوقف عند البعد التداولي في مفهوم “التحرير” والعقلاني في مفهوم”التنوير”، ومعلوم أن الممارسة التداولية المعاصرة في إطارها الفلسفي قد قامت على الركنين،إذ القراءة التي يرسخ لها الشيخ الطاهر بن عاشور للقرآن الكريم هي القراءة التفاعلية التي تعطي الأولوية لا للنص ولا لقارئه ولا للسياق ولا للمدونة، ولكن لكل هذه العناصر في اتصالها وتمازجها البنائي والضروري.
والشيخ الطاهر بن عاشور وإن كان مستفيدا من خلال تفسيره من آخرين أمثال الطبري والزمخشري وابن عطية والرازي والبيضاوي فإنه كان صاحب رأي واستقلال لم يمنعه إجلاله لعطاءات الآخرين من أن ينتقد ويرجح ويفاضل من منطلق تداولي، بل ويضيف من منطلق أن الإضافة كانت عند الشيخ الطاهر بن عاشور واجبا يتعين على كل من استجمع أدوات النظر أن يضيف بفهمه الخاص، لأن لكل متلق أفقه التأويلي الذي يوافق الأفق الموضوعي المتواضع عليه وتقره المساطر اللغوية ، ويضيف عليه ما يعكس نسبته الخصوصية في كونه مخاطبا بالوحي كما خوطب غيره.
ولعل ما يأخذ باهتمامنا أيضا في تتبع التحليل التداولي عند الطاهر بن عاشور هو ما قدمه الشيخ رحمه الله من تصورات لا تخلو من تجديد بخصوص علم التفسير في صلته بدائرة علوم القرآن وبالمخاطبين به من خلال المقدمات العشر التي قدم بها لتفسيره، فجاءت منتظمة لعدد من المواقف المتحررة أحيانا كثيرة من سلطة التراث نفسه مقدمة الاجتهاد على التقليد في تناول قضايا نزلت منزلة التقديس فتحجرت الفهوم بخصوصها مع أنها محض معارف تاريخية نسبية بالنظر لسياقها وأصحابها.
ولا نكاد نغفل ونحن نقرأ التحرير والتنوير أن نشير بالخصوص لاهتمام الشيخ الطاهر بن عاشور بتقديم الرؤية الشمولية الكلية في تناول آيات القرآن باعتباره نصا واحدا وجملة واحدة، وهو أمر بالغ الأهمية في الدراسات التداولية التي عنيت بتحليل الخطاب المعاصر من خلال ظاهرتي الانسجام والاتساق النصيين. وقد أولاهما الشيخ الطاهر بن عاشور عناية فائقة من باب بحث المناسبات والتعالقات القائمة بين أجزاء النص الكبير.

تعليقان (2) على “التحليل التداولي عند ابن عاشور”

  1. تحية للدكتور مقبول الذي يتميز بأسلوب جميل ومنهج استدلالي متميز في الطرح والمعالجة. ونحن متطلعون لقراءة أبحاثكم كاملة.

شارك برأيك