مميّزات ومعالم المشروع الفكري للمسيريّ .. لندة واضح

لندة واضح: علوم فلسفة جامعة الحاج لخضر باتنة 1

يمكن لأيّ متتبّع للمسار التّاريخي للحضارة الغربيّة أن يلاحظ أنّها شهدت الكثير من التّحولات والتّصدعات والصّراعات المختلفة، والّتي غيّرت هي الأخرى الكثير من معالم الإنسان الغربيّ ومحدّداته، وعناصر هويّته من فترة إلى أخرى، ولعلّ أهمّ تلك اللّحظات في تاريخه هي لحظة أو مرحلة الحداثة، الّتي أعلن فيها عن قطيعة إبستمولوجية مع كلّ القيم والتّقاليد القديمة الموروثة، الّتي لم تعد قادرة على تلبية متطلباته وحاجاته العلميّة والمعرفيّة. وكانت فترة العصور الوسطى بالنسبة له فترة مظلمة لابد له من التخلّص منها. لأنّها لم تعد بمقدورها و لا بمقدور مفاهيمها أن ترسم أفق مستقبل إنسانيّ، لذلك فإنّ أولى أزمات الإنسان الغربي كانت التخلي عن معتقداته الدينية لصالح عقل الإنسان الذي يملك وحده القدرة على الخلق والإبداع، فأصبح اهتمامه منصبا على العلوم والتّقنية الّتي حرّرته من كل القيود ودفعته إلى المشاركة الفعالة في تحقيق التّقدم،ولعلّ هذا ما نقله إلى أيديولوجية العصرنة أو الحداثة التي أريد لها أن تخلّص الإنسان من النزعة اللاهوتية التي سجنته داخلها لفترة طويلة. إلا أنّ هذا لم يكن سهلا ومتاحا ببساطة بل دفع ثمن ذلك ما يعيشه اليوم من أزمات على مختلف الأصعدة خاصّة الدينية منها والإنسانية على وجه التحديد، ولم يقتصر تأثير الحداثة الغربية على الإنسان الغربي وحده بل امتدت لتشمل العالم ككلّ ولم يكن العالم العربي في منأى عن هذا.
فقد عرف العالم العربيّ والإسلاميّ منذ عهد الحملة الفرنسية على مصر والشّام في أواخر القرن الثّامن عشر الميلادي أكبر هزّة في تاريخه؛ إذ فُتحت أمامه منافذ الحضارة الغربيّة لتتسلّل إلى حياة الأمّة العربيّة المسلمة. فبدا التّناقض واضحا بين حياة مزدهرة متحضّرة في ظاهرها، وحياة يُهيمن عليها الخمول والتّخلّف، بعد أن ظلّت حبيسة الانطواء العثماني لقرون من الزّمن وبقيت تراوح مكانها تنتظر أن يأتيها الفرج، فلم يكن يُسمح لها بالتّطور في علومها وصناعتها، أو في عناصر ثقافتها، ولم يتح لها الأخذ بأسباب المعاصرة ووسائلها الضّروريّة، وعلى إثر ذلك أضحى الفرق جليا بين إنسان شقّ طريقا إلى الحضارة وآخر يعاني صنوف الانحطاط والتّخلف. فكانت حملة نابليون بونابرت بداية صدمة عاشها الإنسان العربيّ أمام الغرب وناجزه الحضاريّ الكبير والمبهر، فظهر الخلاف وبدا التّمزق واضحا داخل النّخب العربيّة حول الاستمساك بالتّراث والعكوف عليه دون غيره لتحقيق النهضة والسير في التاريخ بدل البقاء خارجه، أو الأخذ بالمعاصرة على نمط غربيّ واقتفاء أثر إنسان أوربا المتحضّر، بكلّ ما يحمله من مظاهر مدنية ووسائل مريحة، وتقدّم هائل في الحياة الاقتصاديّة، وفي الصّناعات والفنون، حتّى وقر في عقول الكثيرين وآمنوا بضرورة السّير على نهج الحداثة الغربيّة و تقفي كل خطواتها، وبقيت الإشكاليّة قائمة بين الطّرفين منذ ذلك الوقت إلى يوم النّاس هذا. ولم يتوصّل بشأنها إلى حلّ نهائيّ يضمن وفاق جميع العقول، كما أنه لا سبيل في معركة الحضارة والتّجديد الشّامل والحداثة المعاصرة إلاّ من خلال السّعي الدّائب للانتصار على أزمة فكرنا الّتي لا يمكن فصلها عن أزمة الواقع العربي نفسه موضوعياً وتاريخياً، أزمة التخلف والتبعية، وأزمة العلاقة بين المجتمع السّياسي والمجتمع المدني، وأزمة الهيمنة الخارجية الاستغلالية على منطلقات تنميتنا الاجتماعية والثقافية والقومية ومقدرات حياتنا، وهي في النهاية أزمة فكر نظري نتيجة الأزمات المتداخلة وفقدان الرؤية الإستراتيجية الشّاملة لتغيير الواقع وتجديده، ولن نتجاوز هذا التخلف إلا بالامتلاك المعرفي لحقائق الثورة العلمية الجديدة، ثورة المعلوماتية وبمشروع تنموي نهضوي قومي حداثوي شامل ذي أبعاد اجتماعية وثقافية وفكرية واقتصادية وإعلامية وقيمية، مشروع يستوعب تراثنا العربي الإسلامي استيعاباً عقلانياً نقدياً.
وقد برزت ملامح فكر جديد يختلف نوعا ما عن النموذجين الفكريين اللّذين اختلفا كثيرا اختلافا عميقا، بعد أن وضع بعض المفكرين المعاصرين قواعدَ وأسسَ حداثة من شأنها أن تحقّق مسعى هذه النّخب على اختلافها، وتطوي صفحات الخلاف الّتي زادت من عمق الفجوة الحضاريّة في حين كان ينبغي لها أن تقلّص . من بين هؤلاء نجد المفكر الدّكتور عبد الوهاب المسيري الّذي حمل هموم أمّة تعاني الضّياع وسط عالم اختلطت فيه المفاهيم والتبست فيه الرّؤى واستعصت على الوضوح، راسما معالم مشروع حداثة ليست بالغربية ولا هي تتّسم بالرّجعيّة التي دافع عنها الأصوليون وبذلوا في سبيلها الكثير. وبما أنّه انطلاقا من النقد يأتي التأسيس فقد بدأ المسيري حسب ما أعتقد ناقدا وانتهى مؤسّسا.
ويعدّ”عبد الوهاب المسيري” واحدا من المفكرين العرب المسلمين المعاصرين الّذي تميز بإنتاجه الفكري المميز، والذي شغله هو الآخر هم النهضة العربية والإسلامية فحاول تقديم مشروع فكري نهضوي على غرار المفكرين العرب والمسلمين المعاصرين، ومن كان لهم موقف نقدي من الحضارة الغربية، وفلسفاتها المادية لاسيما إشكالية الحداثة الغربية محاولا بهذا النقد البناء أن يعيد صياغة معاني الحداثة تنظيرا وتطبيقا يتماشى مع الحضارة الإسلامية، وعليه نتساءل حول كيفية تعامله مع الحداثة الغربية، انطلاقا من نظرته التكاملية للتراث والدين، و كان أوّل نقد وجّهه المسيري هو نقده للحضارة المادية الغربية وتوصيفها بالتحيّز، هذا الأخير الذي يعتبر أهمّ مصطلح استخدمه المسيري في التدليل والتعبير عن ميل الحضارة الغربية بكلّ ناجزها المعرفي إلى أصل واحد، ومرجعية واحدة بنى عليها كلّ نظرياته الفكرية على اختلافها: الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، وغيرها.
و يمكن أن نعدّ مفهوم «التحيز» أحد المفاهيم المركزية التي اعتمدها، المفكر عبد الوهاب المسيري في التأسيس لمشروعه الفكري، و من بين ما لاحظناه على مفكري عصرنا هو وجود ثلاثة أصناف منهم: صنف يقبل كل الناجز الحضاري الغربي بشره وخيره. و صنف يرفضه بحجة الحفاظ على الموروث الديني. و صنف يتفاعل مع كلا الصنفين لكن بشكل مختلف، حيث يحمل على عقلنتهما ونقدهما أي يُخضعهما للنقد والتمحيص الدقيق. والنتيجة المنطقية أو العامل المشترك لكل صنف من هؤلاء الأصناف الثلاثة، أن هناك تحيّز م، ولكل تحيّز تبريراته. حتّى الصنف الّذي يدعي بأنه يقف على الحياد، و يحاول أن يكون وسطا بين الطرفين المتناقضين هو في الوقت نفسه منحاز. لكن المسيري يحاول أن يعطي مدلولا خاصّا وتوصيفا معرفيا لهذا المصطلح.
وتأسيسا على ما تقدم نرى أننا في أمس الحاجة إلى تأسيس فكر نظريّ نقدي بخاصّة في هذه المرحلة من حياتنا العربية الّتي تتميّز على الصّعيد العالمي بمحاولات الهيمنة الغربية المختلفة، وعلى الصعيد العربي المحلّي بمحاولة هيمنة قوى خاصّة و أفكار خاصّة وجدت القبول عند البعض، بينما وقف إزاءها البعض حائرا مترقّبا، وإن تلك الإشكاليات التي هي على غاية من الأهمية و المرتبطة بمصيرنا قد استرعت انتباهي، وبخاصة ما تنطوي عليه محاولات كثير من المفكرين العرب لاكتشاف أبعاد أزمة الفكر العربي المعاصر وتحليل صدمة الحداثة .إن مستقبل أمتنا يتوقف إلى حد كبير على أسلوب ومستوى وعينا لأبعاد علاقتنا بالغرب المتقد.
وعلى الرغم من أنّ هناك دراسات مختلفة حول فكرة التحيّز لدى المسيري إلا أنّها ليست كافية لاختلاف الرؤى، وكثرة التأويلات.

شارك برأيك