تطور التربية الخاصة بين الصدفة والحتمية … د. أحمد صلاح الدين أبو الحسن مصطفى

د. أحمد صلاح الدين أبو الحسن مصطفى: أستاذ التربية الخاصة المشارك (كلية التربية – جامعة جدة)

يبدو ان الكثير مما يحيط بنا واقع فى مسافة ما بين الصدفة والحتمية، وهذه المسافة قد تطول أو تقصر أو تنطبق على إحدى البعدين، وبعيدا عن التناول الفلسفى لقضية الصدفة والحتمية نجد انفسنا أحيانا نسأل ماذا لو لم يحدث هذا الفعل أو ذاك الى اين كنا سنصل، ومن مجال التربية الخاصة وتاريخها نشهد العديد من التغيرات التى طرات بين قضايا الإعاقة والانسان لانستطيع تصينفها كصدفة او حتمية، فالراصد لطريقة تعامل المجمتعات مع افرادها من ذوى الاعاقات يحزن مثلاً للتعامل القاسى واللانسانى للاسبرطين القدامى مع هؤلاء الافراد بالتخلص منهم بالقتل، ونفاجا بتعامل ارفق من خلفائهم من الرومان ، والمحلل يجد انها لم تكن صدفة بل حتمية فرضتها الطبيعية العسكرية للاسبرطة والتحديات الهائلة التى خاضوها فجعلتهم يتخلصوا ممن لن يصلح بحكم تكوينه الجسدى او العقلى محارباً قوياً فى مجتمعات تعيش حالات الغزو المتبادلة مع جيرانها ، ولم اذا كان هذا هو تفسيرنا الناجع فمابال الرومان ألم تكن شعوباً غازية، فلماذا لم تسود لديها تلك الطبيعة فى التعامل مع ذوى الاعاقات ربما تكون قد اكتفت من الجنود المحاربين ، او ربما كانت فرصة مبكرة للاقرار عدالة اجتماعية وهذا المجتمع فاراد ان يبنى قيم يذكر بها ( قيم روما).
دعوانا نخرج من التاريخ الذى سيظل كالوحة فقدت بعض اجزائها فوجب عليك ان تخمن لتكملها، ولكن لنذهب بعيدا بل نتوجه الى فرنسا فى بداية القرن الثامن عشر لنجد الطفل الوحشى آفيرون المصنف كاول محاولة علمية فى الإنسانية لتأهيل شخص طفل يعانى من إعاقة ، أكانت صدفة ان يجد “آيتارد” هذا الطفل او ان يأتوا له به فماذا أن لم يجده او وجده شخص اخر، أعتقد ان النتجية واحدة فكنا سنشهد نفس المحاولة ولكن مع طفل آخر او فى مصحة اخرى فالعلوم فى هذا العصر بدات بالتخصص، وكما كان هناك “اميل” طفل فى خيال روسو يربيه ، وكان على الطبيب حتمية ان يجد طفلاً ليعالجه .
ولنبتعد لمسافة اخرى حيث اقنع الكثير من العلماء الأوربيين وخاصة الفرنسين منهم الذين شكلوا الرعيل الاول من رواد التربية الخاصة لهجرة الى امريكا لتبدا حركة القياس النفسي الكبيرة التي كانت الحجر الاول في عمليات التشخيص ، وتستضيف امريكا على ارضها الامم المتحدة في 1945م لتصدر ما تحاول به تطهير البشرية مما اقترفته من ذنوب وآثام في حربين عالميتين، والصدفة ايضا تلعب دورها عندما جلس احد القضاة الأمريكيين ليحكم بحق احد الاطفال ” ديانا القادمة مع اسرتها المهاجرة من المكسيك ” في الحصول على التعليم في البيئة الاقل قيودا من خلال برنامج تربوي خاص مدعوم بخدمات مساندة بعد خطا جوهري في التشخيص ناتج من عدم اجادة اللغة الانجليزية ، ربما لم يكن طرد هذه الطفلة من المدرسة العادية هي الصدفة، ولكن قرار المحكمة بهذه التعبيرات التي شكلت فيما بعد وللأن توجهات التربية المعاصرة جعلتنا نتساءل ماذا ولو لم تتقدم الاسرة بشكوى اكان تطور النظرة الانسانية وظهور مواثيق دولية سيتأخر؟ ربما الاجابة المنطقية هي ان تلك التطورات كانت لا مناص ستحدث بسبب مناخ داعم للحقوق بدا في التشكل احسست فيه البشرية بالأزمة بعد الحرب العالمية الثانية ومدى البشاعة التي تعرض لها الانسان من خلالها فصدر ميثاق حقوق الانسان وما تبعه من عهود انسانية واجتماعية بالتأكيد استقرت في ضمير القاضي فاصدر حكمه ، والعجيب ان يتحول هذا الحكم الى قانون فيدرالي ينظم حق ذوى الاعاقات في التعليم هو القانون الشهير 142-94 والذى تحول الى ما يعرف الان بقانون EIDA بإصداراته المتعددة ترجم في بعض الدول حرفيا واصبح مصدرا اساسيا لتشريعات في دولا اخرى. ولكن ماذا لو لم تتقدم اسرة هذا الطفلة بشكوى اكانت اختلفت الامور الحقيقة القضية كانت حتما ستحدث لان طبيعة الحياة تفرض على الناس فى امريكا طرق ابواب القضاء للحصول على مايعتقدون انه حقهم ، فبهذا الطفل او غيره كنا سنصل الى نفس النتجية ، حتى لو تغير القاضى لوجود كما اسلفنا مخزوناً من القواعد الانسانية جاء بها كل من اغرتهم امريكا من علماء النفس والتربية والتربية الخاصة للقدوم اليها ونجحوا فى تضمينها فى الحقوق الانسانية.
أكانت صدفة ان الاهتمام العربى بالتربية الخاصة بدا فى التغير الجذرى فى التسعينيات من القرن الماضي الحقيقة انه لم يكن ليست صدفة بل حتمية لفعاليات العام او السنة الدولية لذوى الاعاقات التى دشنتها الامم المتحدة في عام 1981م الذى كان اقتراح من الوفد الليبي في جمعية الامم المتحدة، ثم ما تلاها من فعاليات ومؤتمرات ومبادرات افرزت واقعاً مختلفاً كمؤتمر سلامنكا1994 ودكار2000.
والطريف ان تكون احدى الشخصيات المؤثرة فى التربية الخاصة العربية التى أسهمت بجهد كبير فى صنع تغير كمى وكيفى لهذه الخدمات صدفة انه معاق بصريا وصدفة خريج قسم التربية الاول فى الجامعات العربية ، وصدفة أن يبتعث الى الولايات المتحدة الامريكية ذات الشان والتقدم فى مجال التربية الخاصة ما اكثر الصدف ، ولكن الاهم ما اجمل نتائجها.

شارك برأيك