هيجل: الفلسفة وتاريخها وعلاقتها بالدين والفن .. رشيد الزعفران

رشيد الزعفران: باحث في سلك الدكتوراه (جامعة محمد الخامس، الرباط ، المغرب)

سأقتصر في هذه المقالة على محاولة تقديم تصور هيجل للفلسفة وتاريخها، فمفهوم الفلسفة عند هيجل يطرح إشكالية جوهرية تتعلق أساسا بالسؤال حول الأصل وشروط النشأة والماهية خصوصا في علاقة تاريخها بتاريخ العلوم الأخرى والثقافة ولا سيما تاريخي الدين والفن، من ثم يتبدى سؤال الكيف، كيف يتحدد مفهوم الفلسفة عند هيجل في العلاقة بتاريخها وموضوعها ؟ وما هي طبيعة العلاقة بينها وبين الدين والفن باعتبارهما الأشكال الثلاثة المركزية لتمظهر “الروح المطلق” ؟
إن مفهوم الفلسفة كما يقول هيجل هو تاريخها، وهو ما يولد القول بأن تاريخ الفلسفة لا ينفصل عن الزمان والشخصيات التي أعطته أشكاله، لذلك فهو يستدعي الطابع العام للشعب وللزمان الذي هو في صلة حميمية به، فما يحدد شكل فلسفة حقبة ما، هو لحظة من ذلك الطابع العام في ارتباط بالظروف التاريخية التي تعطيها طابع خاص بها.
وهذا الشكل المتعين لفلسفة حقبة ما لا يرتبط بشكل معين من الشعب حيث تظهر( بتكوينه وحكومته وعاداته وحياته الإجتماعية..إلخ)، بل إنه يصنع ويمثل “روح شعب” وينشر مبدأ الدرجة المعينة لوعي ذاته مرارا في كل غناه المتنوع، ففلسفة حقبة ما ليست سوى مجرد مساهمة في “بناء الروح” لوعي ذاته ومعرفة ذاته، فالفلسفة بهذا المعنى تعمل على تعزيز الروح بذاته، إنها كما يقول هيجل ترفعه وتثبته، فهي بمثابة “الزهرة المثلى”، إنها بكلمة أخرى روح العصر القائم كروح مفتكر بذاته.
إن السؤال الذي ينطرح في هذا السياق، ما دامت الفلسفة هي روح العصر وهي التكون الكلي و باعتبارها معرفة عقلية في الآن ذاته، هو كيف يكون تاريخها ؟ وماذا يكون موضوعها؟
ما دامت الفلسفة معرفة عقلية وما دام موضوعها لا يكون سوى: العام جدا، الكوني المطلق، الخالد ما هو في ذاته و لأجل ذاته، فإنه من الضروري يقول هيجل أن يكون تاريخ تطورها تاريخا عقلانيا وفلسفيا في نفس الوقت، أما سؤال نشأة الفلسفة والشروط الملازمة لبزوغ فعل التفلسف، فإن هيجل يرى أن التفلسف يستلزم أولا توفر درجة معينة من الثقافة العقلية، ونظرا لكون الفلسفة نشاط حر وغير نفعي فإنها تستلزم توفر الحياة المادية، فأرسطوا -كما يقول هيجل- لم يبدأ التفلسف إلا عندما أصبحت الحياة المادية متوفرة، معنى القول أنه بزوال ما يسميه هيجل “بقلق الحاجة” فإن الروح يتعزز بذاته ويترفع، فالفلسفة لون من ألوان الاستمتاع (كما لو كانت ضمن الكماليات)، أما الشرط الثاني لبزوغ الفلسفة فهو ما يمكن تسميته بشرط وقوع نوع من الأزمة في عالم الواقع، فنشوء فلسفة عند شعب من الشعوب يستلزم حدوث نوع من التصدع في الحياة العامة، فعندما يخرج شعب ما من الحياة الملموسة، عندما تنفصل الطبقات وتتمايز إنما يقترب من نهايته، وعندها يغدو وجوده الحي بالنسبة إليه بلا معنى ويهرب منه على صعيد الفكر، وهذا الشرط أي “شرط الأزمة” يؤكده هيجل من خلال ثلاث مظاهر أساسية، أولها كون سقراط وأفلاطون أبديا نوعا من الهروب من حياة أثينا السياسية، فأفلاطون كان يسعى إلى إقامة حياة سياسية أفضل بعدما وقع تأزم في الديمقراطية الأثينية، والتمظهر الثاني هو ما وقع في روما في ظل الأباطرة الرومان حيث التعاسة السياسة الشاملة وتدمير الحياة ساهم في شيوع الفلسفة إلى جانب الديانة المسيحية، أما التمظهر الثالث فيتجلى بحسب هيجل في ذلك التقوض الحاصل في الحياة الوسيطية الذي عجل بظهور الفلسفة والعلم الحديثان في الحياة الأوروبية في القرنيبن 15 و16 الميلاديين.
وفق هذه الشروط والتمظهرات قد يظهر أن الشرط السياسي أو علاقة التاريخ السياسي بالفلسفة يعتبر جوهريا من خلال ما يكتنف شرط الأزمة من مدلولات تحمل بعدا سياسيا، إلا أن هيجل يعتبر أن هناك تعيينا وحيدا يخترق كل شيء ويظهر في السياسة كما يظهر في شتى العناصر الأخرى، فلا يجب أن نتخيل أن السياسة أو الأديان..إلخ كأنها أساس أو سبب ظهور الفلسفة، بل إن كل هذه الأشكال ذات طابع واحد تتأسس عليه ويخترق الكل، فلا يوجد سوى تعيين ومبدأ واحد هو “مبدأ روح عصر ما” ، فالأشكال المتعددة ما هي إلا تعبيرات عن روح عصر، ويعتبر الدين والفن من أكثر الأشكال تقاربا من حيث تجلي الروح فيهما إلى الفلسفة.
تاريخ الفلسفة، العلم، الدين والفن: في العلاقة والفرق:
لهذا يذهب هيجل إلى القول بأن تاريخ الفلسفة يقترب أكثر (حسب موضوعه) من تاريخ الفن والدين، حيث يعتبر أن الفن والدين والفلسفة هي المظاهر التي يتجلى فيها ما يسميه “بالروح المطلق” وذلك من أجل وعي ذاته ومن ثم التطابق معها، لأن ذلك الهدف هو غاية “الفكرة المطلقة”، فالروح المطلق الذي هو المرتبة العليا لتلك الفكرة، يبقى دائما في سياق عملية تطور وإغناء مستمرة، وذلك من خلال عملية تعرفه على ذاته التي تتم من خلال تلك التمظهرات الثلاثة التي هي الفن، الدين والفلسفة، فعبر الفن يكتشف الروح المطلق نفسه في صيغة المعرفة، وعبر الدين يتعرف الروح المطلق على نفسه من خلال عملية التأمل، ويتعرف الروح المطلق على نفسه في الفلسفة في صيغة الفهم وشكل الفكر، فأية علاقة بينية بين كل من الفلسفة والعلم والدين والفن؟
يعتبر هيجل أن العلاقة بين الفلسفة والعلم هي علاقة شكلية وخارجية، فالعلم يتناول مواضيع عامة ومتناهية ( وما يدخل ضمن العلم مشترك مع حضارة عصر ما وشعب ما، وهو بمثابة امتداد لقوى الروح المتعيَنة التي توجه الوعي والحياة في التمثلاتْ والغايات العامة) ، أما العلاقة بين الفلسفة والدين فهي علاقة مضمُونية وترتبط بالمحتوى والغايات وذلك لكون مضمون الدين ليس هو الدنيوي فحسب، بل إنه يواجه اللانهائي، والأفكار الدينية هي أكثر تكوينات الروح قربا من الفلسفة، فالظاهر عند هيجل أنه لا يقيم تعارضا بين الفلسفة والدين، حيث أن لهما من جهة موضوع مشترك يتقاسمان فيه هو (الحقيقة المطلقة) أو “الحق على نحو مطلق” ويسمى في الدين بالوجود الأسمى وفي الفلسفة بالجوهر المطلق والعقل الكلي، ومن جهة ثانية فإنهما يسعيان بالدرجة الأولى إلى تحقيق المصالحة مع المطلق والإتحاد بالفكرة الشاملة، على أن الاختلاف الجوهري بينهما لا يكمن إلا على مستوى الشكل، حيث الفلسفة تعتمد الفكر والعقل والتأمل العقلي في معالجة موضوعها، والدين يعتمد التمثل، لهذا يذهب إلى القول بأن تاريخ الفلسفة يمتاز ضرورة عن تاريخ الدين .
إن الدين بهذا المعنى السابق هي طريقة يعي بها الإنسان المطلق اللامتناهي ، فهو يسمح من خلال العبادة والممارسة الدينية (الصلاة مثلا) بإزالة التعارض الذي يظهر في البداية بين الإنسي والإلهي وانجاز المصالحة بينهما، وبلوغ درجة إقامة الوحدة والإتحاد والاستمتاع بالنعمة الإلهية والثقة فيها، فالشعوب وضعت في الديانات طريقة تمثلها جوهر العالم، حيث يكون “الوجود المطلق” موضوعا لوعي الشعوب وتنظر إليه باعتباره هو الآخر الماوراء البعيد الخيْر أو المرعب المعادي، فلا يستبعد الإنسان هذا التعارض ولا يترفع عنه إلا من خلال الممارسة التعبدية عبر وعي الوحدة مع جوهره، وتمثل جوهر العالم تمثل للوعي حيث وجود “العقلانية الشمولية اللامتناهية” .
إن اشتراك الفلسفة والدين في الموضوع الذي هو الحقيقة من حيث المضمون لا ينفي وجود تعارض في الطريقة والشكل، فالحقيقة لا تتكشف في الدين إلا عبر توسط الصورة والتمثل، وهو ما تتجاوزه الفلسفة عبر التأمل العقلي الذي يعتبر الشروط المتناهية للحدس الملموس والتمثل” وكأنها غير متطابقة مع المضمون الشمولي اللامتناهي” لذلك فالفلسفة يقول هيجل لا تتعارض مع الدين، بل هي تفهمه، وهو ما يفهم دعوته إلى ضرورة فهم الدين أولا لإدراكه والاعتراف به كمعقول لأنه من صنع العقل الذي يتجلى من خلاله المعقول الأعلى، لأنه مهما تكشف الحقيقي والفكر اللامتناهي والروح المطلق في الدين فإن الوعاء الذي يتجلى فيه هو القلب .
إن ركون الدين إلى التمثل والصورة لانكشاف الحقيقة (كما فعل الهنادكَة والمصريين حيث وضعوا مثلا وعيهم في الحيوانية ، ثم وضعوه في الشمس والكواكب..)لا ينفي اعتماد بعض الفلاسفة على الأسطورة كواسطة (فكرية) استعملوها لكي يتمثلوا قضاياهم الفلسفية ويجعلوها واضحة وأكثر تفتحا أمام العقل والخيال، ولعل أفلاطون من أبرز هؤلاء، لذلك يقول هيجل بأن “لا شيء يدهش في كونه محبوبا بشكل خاص بسبب أساطيره”، لأن هذا الشكل يساعد في اكتناه أيسر للفكرة العامة وعلى جعلها مألوفة أكثر، كما تسهم في إخفاء العجز والرعونة اللذين يشعر بهما الفيلسوف لدى تقديم المضمون لهم في صورة فكرية.
أما في علاقة الفلسفة بالفن فيعتبر هيجل في هذا المستوى بأن الفن يعتمد أساسًا على الخيال والحدس أما الفلسفة فتعتمد على الفكر وهذا ما يجعل بحسبه تاريخ الفلسفة هو تاريخ الفكر الحر المتعين أو تاريخ العقل، ويشترك الفن مع الدين والفلسفة حسب هيجل في هدف أسمى هو التعبير عن أرفع ما أنتجته الشعوب من أفكار وأسمى ما تتوقُ إليه من مطالب وكثيرا ما شكل الفن الوسيلة الوحيدة لفهم ديانة شعب من الشعوب، حيث في الدين يكيف الفن مضمون الدين مع الحدس الخارجي المباشر ثم مع التمثل والحساسية ، فالفن لا ينتج المضمون للدين بل فقط يعمل على التعبير عنه بموجب فكرته الخاصة في شكل حسي تخيلي.

شارك برأيك