الهندوسية … د. أحمد عبد الباقى حسين

د. أحمد عبد الباقى حسين: جامعة الزقازيق – خبير سابق بوزارة الخارجية المصرية

كان دينُ أهل الهند يُسمى في الماضي بـ: “الدين الآري” (SANATAN DHARM)، أو بـ: “سناتن دهرم” (ARYA DHARM)؛ يعني: الدين القديم.
وسُمِّي كذلك باسم: “الهندوكية”، التي ليس لها أصل في اللغة السنسكريتية؛ لأنَّ هذه الكلمة مُستَحْدَثة لَم تستعملها الكتبُ القديمة.
أمَّا كلمة: (الهندوسية) فإنها اشتُقتْ مِن كلمة: “سند”؛ لأنَّ أهلَ فارس واليونان كانوا يَتَجَوَّلون على سواحل السِّند، ويُغيِّرون حرف السين إلى الهاء، فقالوا: الهند، وكلمة (إستان) معناها: المقر، ومنه قالوا: (هندوستان)؛ أي: مقر أهل الهند، وقالوا للسكان: (هندو)، وإليها يُنسَب دينُهم ومُعتَقَدُهم؛ أي: الهندوسيَّة أو الهندوكيَّة.
لَم يكنْ للهندوسيَّة مُؤسِّسٌ، كما هو الحالُ بالنسبة لـ(بوذا) و(البوذية)، وإنما هي مجموعةٌ مِن العقائد والتقاليد والأوضاع التي تطوَّرتْ مِن تنظيم (الآريين) لحياتهم جيلًا بعد جيل، عقِب قُدومِهم إلى الهند وتغلُّبهم على سكانها الأصلِيِّين، واستأثروا دونهم بتنظيم المجتمع، وقد نتج عن استعلاء (الآريين) على السكان الأصليين ومن احتكاكهم بهم ما يُسمى بـ: (التقاليد الهندوسيَّة)، والتي اعتبرتْ دينًا يدين به الهنودُ، ويلتزمون به[1].
كان (الآريون) ينتمون إلى شعوب أوروبا، وهم قبائلُ مِن المحاربين يَرتحلون بقطعانهم مِن الأبقار والضأن إلى الجنوب تحت وطأة الجليد والجفاف، فإذا طاب لهم العيشُ أقاموا.
كانتْ لُغتهم (السنسكريتية) مرتبطةً باللاتينية والجرمانية، وقد انتقلتْ شفاهًا لعدة قرون قبل أن تأخذَ صيغتها المكتوبة، وبها صُنِّفَتْ مؤلفاتٌ دينية وفيرة؛ مِن أبرزها (الفيدا)، والتي صِيغَتْ بين عام (1500) ق. م، و(1000) م، وأَحْدَثَتْ تطوُّرًا كبيرًا في الفكر الهندي، وذلك بفضل أناشيد (الآريين) الدينية، التي كانتْ تتعلق بعباداتهم لقوى الطبيعة، التي أصبح لها اليدُ العليا على عبادة الأخصاب التي تَمَيَّزَتْ بها حضارة (الإندوس).
وأضحت السنسكريتية لغةَ الفكر الديني الهندوكي، واحتفظتْ دون غيرها مِن اللغات الهندية بتلاوة الطقوس والترانيم في المعابد الهندوكية؛ لأنها لغة الكُتُب المقدَّسة التي لا يعرفها إلا قلةٌ مِن البراهمة؛ فصارتْ مثل القبطية في الكنائس المصرية[2].
(الفيدا): كتاب الهندوس المقدَّس، كما هو الحال بالنسبة للهندوسيَّة، لا يُعرَفُ له واضعٌ معين، وإنما يمكن اعتباره كما وصفه البعضُ بأنه: دائرة معارف عن الهندوس، يَنعكس مِن خلال نصوصها حياةُ (الآريين) في الهند في عهدهم القديم ومقرِّهم الجديد، وإخبار حَلِّهم وتَرْحالهم، وحضارتهم وثقافتهم ومعيشتهم، وكذلك مدارج الارتقاء في الحياة العقلية مِن سذاجة البِدائيين الرُّحَّل إلى شعور الفلاسفة، ففيه أدعية بدائيَّة، وكذلك أُلوهيَّة تصل إلى وَحدة الوُجود[3].
و(الفيدات) أو (الويدات) عبارة عن أربعة أسفار هي:
1- سفر: (رج)، أو معرفة ترانيم الثناء.
2- سفر: (ساما)، أو معرفة الأنغام.
3- سفر: (ياجور)، أو معرفة الصِّيَغ الخاصة بالقرابين.
4- سفر: (أتارفا)، أو معرفة الرقَى السِّحرية.
وكل واحدة مِن هذه (الفيدات) الأربع، تنقسم إلى أربعة أقسام:
إلى (مانترا) أو الترانيم، وإلى (براهمانا) أو قواعد الطقوس والدعاء والرقى لهداية الكهنة في مهمتهم، وإلى (أرانياكا) أو نصوص الغابة، وهي خاصة بالقدِّيسين الرهبان، وإلى (اليوبانشاد) أو المحاور السرية، وهي خاصة بالفلاسفة[4].
وقد أشار جوستاف لوبون[5] إلى المعتقدات الواردة في (الويدا) على النحو التالي:
عبادة قوى الطبيعة – تشخيص هذه القوى بأسماء الآلهة – اعتقاد خُلود الروح – عبادة الأجداد – الميل إلى إخضاع الطبيعة والناس والآلهة لإلهٍ واحدٍ أقوى منها، وهو الإله (أندرا) على العموم – (هيولية) الدين الثابتة التي ينحصر بها أمرُ الدين في تبادل الإنسان والآلهة للهبات؛ وذلك بأن يُقدِّم الإنسان قرابينه وفواكهه، وأن تمنحه الآلهةُ اليُسر والمطر المبارك والصحة والكنوز.
وفي (الفيدا) تَتَعَدَّد الآلهة، وتَتَنَوَّع اختصاصاتها وأعمالها، وأَقْدَمُ آلهة ذَكَرَتْها أسفار (الفيدا) هي قوى الطبيعة نفسها، وعناصرها مِن السماء والأرض، والشمس والضوء، والنار والريح، والماء والجنس…، كل هذه الآلهة اتخذها الهندوسُ مُعتمدين على عناصر الطبيعة، فجعلوا السماء: (أبًا)، وسموه: (فارونا)، وجعلوا الأرض: (أمًّا) وأطلقوا عليها: (برينيفي)، وكان المطرُ عندهم هو الإله: (بارجانيا)، والنار هي: (أجنى)، والريح هي: (فايو)، والعاصفة: (أندرا)، والفجر: (أوشاس)، ومجرى الممرات في الحقل هو الإله: (سيتا)، والشمس هي الإله: (سوربا)، أو (مترا)، أو (فشنو).
ومع الزمن تَمثل الناسُ هذه الآلهةَ في صورة أشخاص، وراحوا يَعبدونها، ومع كثرة عدد الآلهةِ نشأتْ مشكلةٌ أخرى ألا وهي: أي مِن هذه الآلهة خالق العالم؟
فقال البعض: إنه (أجنى) إله النار، وقال آخرون: إنه (أندرا) إله العاصفة، وقالتْ طائفة: إنه (سوما) إله النبات، بينما قال الباقون: إنه (براجاباتي) إله الشمس، خالق كلِّ شيء، وأنه ظَلَّ يرتفع ويعلو حتى صارَ الإله الواحد، ثم صار هو (براهما) الذي يفنى في نفسِه كلُّ شيء، والذي ابتلع (براجاباتي) نفسه داخل جوفه الكبير!
وهذا الإله واحد مِن ثلاثة آلهة، يسمون: “الثلاثة في واحد” يُسَيْطرون على الكون، وهم: (براهما) الخالق، و(فشنو) الحافظ، و(شيفا) المُدمِّر.
أما (براهما) فسَيِّد جميع الآلهة، رغم أنه مُهمِلٌ في شعائر العبادة الفعليَّة، وهو القوة الخالقة.
أما (فشنو) فهو إلهُ الحبِّ الذي ما أكثر أن يَنقلبَ إنسانًا؛ ليُقدِّم العونَ للبشر، وأعظم ما يَتَجَسَّد فيه (فشنو) هو شخصية (كرشنا)، وهو مولود في سجنٍ، يقوم بكثيرٍ مِن البطولات والمغامرات الغراميَّة، ويشفي الصمَّ والعُمي، ويَذُود عن الفقراء، ويبعث الموتى مِن القبور!
أما (شيفا) فعبادتُه مِن أقدم وأعمق العناصر في العقيدة الهندوسية، فكلمة (شيفا) نفسها لفظٌ أُريد به تخفيف بشاعة هذا الإله، ومعناها الحرفي: “العطوف”، مع أنه في حقيقة الأمر إله القسوة والتدمير[6].
انتشرت الهندوسية خلال ثلاثمائة عام تقريبًا مِن إقليم صغيرٍ شمالي الهند إلى مساحات واسعةٍ بها ملايين البشر.
هذا في الوقت الذي قيل فيه: إن الهندوسية عقيدة مُغلَقة؛ بحيث لا يُعدُّ هندوسيًّا إلا مَن كان أبواه هندوسيينِ.
ولعل ذلك راجعٌ إلى ما بين الهندوسية الأولى والهندوسية الجديدة مِن فروق؛ فالهندوسيةُ البدائيةُ والتي تُعرف بـ: (البرهمية) مُشتقةٌ مِن عقائد (الأريين)، ثم ضمتْ بعد ذلك ما كان سائدًا مِن عقائد في وادي (الإندوس)؛ مثل: عبادة عضو التناسل “اللنجام”؛ أي عبادة الإخصاب، وفي هذه الأثناء كانت البرهمية مقصورةً على الطبقة الأرستقراطية حتى القرن الرابع قبل الميلاد؛ أي: في الوقت الذي ظهرتْ فيه البوذية لمقاومة الطبقة الأرستقراطية.
وظهرتْ بعد ذلك هندوسيَّة خلال القرنين الرابع والخامس للميلاد، أعطت الأولويةَ لنصوص (الفيدا)، وكانتْ أكثر تسامحًا مِن البرهمية القديمة، فأبقتْ على جانبٍ كبيرٍ مِن العقائد الشعبية، وأجازتْ لهم القيام بشعائرِهم المتوارثة[7].

الهوامش:
[1] أحمد شلبي: أديان الهند الكبرى، ص 37.
[2] كامل سعفان: معتقدات آسيوية، ص150.
[3] أحمد شلبي: أديان الهند الكبرى، ص40.
[4] ول ديورانت: قصة الحضارة (الهند وجيرانها)، ترجمة: زكي نجيب محمود، بيروت، دار الجيل، مج1، ج3، ص38.
[5] حضارات الهند، ترجمة: عادل زعيتر، القاهرة، دار العالم العربي، 2009م، ص283.
[6] سليمان مظهر: قصة الديانات، ص 91 – 95.
[7] كامل سعفان: معتقدات آسيوية، ص174.


نشر منذ

في

من طرف

الكلمات المفاتيح:

الآراء

اترك رد