التربية النبوية للشباب … نذير نسارك

نذير نسارك: باحث دكتوراه بالمعهد العالي للحضارة الإسلامية الزيتونة – تونس

الحمد لله منزل القرآن للمؤمنين شرعةً ومنهاجاً، رب العالمين وهاديهم إليه فضلاً منه لا احتياجاً، مكرمهم برؤيته يوم القيامة؛ ليزدادوا سروراً وابتهاجاً، ونشكره على نعمه التي غمرتنا جماعاتٍ وأفراداً، ونستعينه ونستغفره على زللٍ فعلناه جهلاً وتقصيراً لا اعتقاداً، ونصلي ونسلم على من اصطفاه ربه فأدناه منه اقتراباً، سيدنا محمدٍ الذي أرسله ربه هادياً للعالمين وسراجاً وهاجاً، فبلغ دينه وأبان للخلق الإسلام علماً وقولاً وعملاً واعتقاداً، وعلى آله وصحبه وتابعيهم كلما ذكر الله تعالى الذاكرون صباحاً ومساءً و هُجَّاداً وبعد:
يعدّ موضوع التربية الإسلامية من أصعب الموضوعات وأكثرها حساسيةً نظراً لتشعبها وشموليتها وتعدد جوانبها، فالبحث فيها بحث في القرءان والسنة وما تضمنته من عقائد وعبادات وأخلاق ومعاملات، كما أنها تعالج الميادين جميعها للحياة النفسية منها والسياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، والتربية الإسلامية طبيعة منفردة لكونها تنبع من العقيدة أصالةً، وهي الأساس الذي تقوم عليه التربية، كما أنها لا تقف عند حدّ الحياة الدنيا بل تمتد إلى الحياة الآخرة.
ومن المعلوم أن ضعف الوازع الديني وعدم مراعاة الأساليب التربوية الإسلامية في تعامل الناس بعضهم البعض، وفي حل النزاعات التي تنشب بينهم، ناتج في حقيقة الأمر عن ضعف العقيدة في نفوس المسلمين، وأكيد هو السبب الأول والرئيس لحدوث انفصال بين التصور والواقع المعاش، وبين الأهداف والغايات والوسائل، وعليه كما هو معلوم أنّ السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني في التشريع بعد كتاب الله تعالى، فهي أصل عظيم من أصول الدين، ومنبع خصب لمنهج الأمة في عقيدتها وتشريعها وأخلاقها وسلوكها، وتنظيم عمليّ لحياة الناّس، فهي شاملة لكل نواحي الحياة الإنسانية.
ولما كان للسنة النبوية هذه المنزلة العظيمة فإن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى الرجوع إليها، ومن هذا المنطلق؛ تأتي هذه الدراسة لتتناول حقيقة مهمة وسمة بارزة لهذا الدين القويم في بناء الشخصية الإسلامية السوية، وهي مرحلة المراهقة، فمنذ مدة طويلة ونحن نسمع لفظة المراهقة، ونلاحظ ونشاهد تصرفات و أقوالا وأفعالا للشباب غير لائقة ولا مسؤولة، فشاب يتكلم ولا يحسن الكلام، وثان مظهره غير مستقيم، ولا مألوف، وآخر بلغ من العمر مبلغ الرجال ولكن ما زال يعتمد كليا على غيره في إنجاز أعماله، ولكن بالرجوع إلى التاريخ الإسلامي نجد أن مرحلة الشباب هي من أهم فترات العطاء والنشاط. وإنّ الأساليب النبوية في التربية والتعليم والتوجيه لتمكن النشأ – الشباب- من النهوض بمسؤولياته المستقبلية تجاه مجتمعه اقتداء وتأسياً بخير معلم ومرب ومرشد للبشرية، بدلالة قوله تعالى:﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾الأحزاب: 21.
وعليه فإنّه من الواجبات المنوطة على عاتق المربين والمرشدين من المسلمين دراسة أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في التربية والتوجيه والتعليم من خلال سيرته العطرة، قصد الإفادة منها في تربية الأجيال وتوجيههم نحو الطريق الأسلم والأقوام، وحمايتهم من الوقوع في مزالق الانحراف والتردي.
وعليه سنحرص على بيان أهم الأساليب التي استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في عملية التربية خاصة مع فئة الشباب- المراهقين- ابتداء من أسلوب القدوة الحسنة وصولاً إلى ضرب الأمثال، مع التمثيل لكل أسلوب من تلك الأساليب من سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم.
أولاً: التربية بالقدوة الحسنة.
جاء في لسان العرب:” القدو: أصل البناء الذي يتشعب منه تصريف الاقتداء، يقال قدوة لما يقتدي به…والقدوة الأسوة، يقال فلان يقتدى به . انظر: ابن منظور، لسان العرب، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، تحقيق: عامر أحمد حيْدر، وراجعه: عبد المنعم خليل إبراهيم، ط1، 1426هـ،2005م، مادة قدو، م15، ص170.
وفي الاصطلاح يمكن القول بأن القدوة: هي نموذج واقعي يجمع بين الإيمان والاعتقاد والوعي والرشد والنضج، ويقوم على الحب والطاعة والوضوح، يقتدي به الفرد والجماعة قولاً وعملاً . انظر: أبو الحسن الندوي، بعض سمات الدعوة المطلوبة في هذا العصر، بحث مقدم للقاء الخامس للندوة العالمية للشباب الإسلامي في كينيا، 1402هـ، ص15.
وفي هذا قال محمد قطب:” القدوة في التربية هي أفعل الوسائل جميعاً وأقربها للنجاح، لذلك بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون قدوة للناس قال تعالى:﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ الأحزاب: 21.
وجاء في تفسير هذه الآية:” هذه الآية أصل في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا أمر الله تعالى الناس بالتأسي به في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته؛ ولهذا قال تعالى للذين تضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب هلا اقتديتم وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم” . انظر: محمد علي الصابوني، مختصر تفسير ابن كثير دار القرآن الكريم، بيروت، ط7، 1402هـ، 1981م، م3، ص88.
ويقول ابن حزم – رحمه الله -:” فمن أراد الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد صلى الله عليه وسلم وليستعمل أخلاقه وسيرته ما أمكنه” . انظر: ابن حزم الأندلسي، الأخلاق والسير، تحقيق: إيقار رياض، دار ابن حزم، ص11.
ويمكن لنا القول أن انتقال القدوة إلى المقتدي يكون من خلال أسلوبين:
أحدهما: من حيث انتقال طريقة تأثيها.
وفي هذا يقول عبد الرحمان النحلاوي: ينتقل تأثير القدوة إلى المقتدي على أشكال هي:
التأثير العفوي غير المقصود وهنا يقوم تأثير القدوة على مدى اتّصافه بصفات تدفع الآخرين إلى تقليده؛ كتفوقه بالعلم أو الإخلاص.
التأثير المقصود على أن تأثير القدوة قد يكون مقصوداً فيقرأ المعلم قراءة نموذجية ليقلده الطلاب، ويُجَوّدُ الإمام صلاته ليتعلم الناس الصلاة كاملة . انظر: عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلامية، دار الفكر، دمشق، ط2، 1403هـ ، ص 210.
الثاني: من حيث مصادرها.
وذلك من جانبين، أولهما من خلال دراسة سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم -وفي هذا يقول محمد قطب:” ينبغي أن تكون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم جزءا دائما من منهج التربية، سواء في المنزل أو المدرسة، أو الكتاب… لتكون القدوة دائمة وحيةً وشاخصةً في المشاعر وفي الأفكار” انظر: محمد قطب، منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، القاهرة، م1، ص 185. والله تعالى جعل – صلى الله عليه وسلم -القدوة الدائمة للبشرية، يقتبسون من نوره، ويتربون على هديه، ويرون في شخصه الكريم الترجمة الحية للقرآن الكريم، فيؤمنون بهذا الدين على واقع تراه أبصارهم محققاً في واقع الحياة. وثانيهما من جهة أخرى من خلال دراسة سير وتراجم السلف الصالح؛ لأن القدوة قد تكون تاريخاً، ومواقف، وبتحليلها والاقتناع بقوتها وأثرها يمكن أن تكون قدوة، وفي هذا يقول محمد قطب:” وجيل الصحابة أعظم من ينبغي الاقتداء بهم لأنهم الثلة الأولى الذين تربو على يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهم القدوة الدائمة لنا بعد شخصه صلى الله عليه وسلم وصورتها الواقعية هي المرجع الدائم لنا في منهج التربية بعد كتاب الله وسنته صلى الله عليه وسلم” انظر: المرجع نفسه، م2، ص87. وهذه الثلة مع اختلاف بعض أحوالنا عن حالها، واختلاف ظروفها عن ظروفنا ستبقى هي النور الذي نقتبس منه، ونستضيء به.
وبهذه الكيفية قد تعلم الصحابة كثيراً من أمور دينهم بطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدوا به فكان يقول لهم:« صلوا كما رأيتموني أصلي » صحيح ابن حبان، كتاب الصلاة، حديث رقم 1679، وباب الإمامة والجماعة، حديث رقم 2155. السنن الكبرى، للبيهقي، كتاب الصلاة، حديث رقم 3595. وكان يأمرهم أن يقتدوا به في الحجّ قائلاً:« خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحجّ بعد حجتّي هذه ». صحيح مسلم، حديث رقم1297، السنن الكبرى للبيهقي، جمّاع أبواب وقت الحج والعمرة، حديث رقم: 8947. وصلى صلى الله عليه وسلم على المنبر وفي رواية أنه ذو ثلاث درجات « فقام عليه، فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم ركع وهو عليه ثم رفع فرجع القهقري حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد فصنع فيها كما صنع في الركعة الأولى حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: يأيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي ». صحيح مسلم، تحقيق: نظر بن محمد الفاريابي، دار طيبة، 1427هـ، 2006م،كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم 544، ص 414. صحيح البخاري، تحقيق: محي الدين الخطيب وآخرون، ط1، 1400هـ، المطبعة السلفية، كتاب الجمعة، م1، حديث رقم 917، ص290.
وأخرج البخاري ومسلم:« أنه كان – صلى الله عليه وسلم – يسمعهم الآية أحياناً في ” صلاة الظهر”، وكانوا يسمعون منه النغمة بـ” سبح اسم ربك” و” هل أتاك حديث الغاشية ». صحيح ابن خزيمة، كتاب الصلاة، حديث رقم 491.
وهكذا علمنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رائد وقائد التربية أن يقصد المربي إلى تعليم طلابه بأفعاله، وأن يلفت نظرهم إلى الاقتداء به لأنه إنما يقتدى برسول صلى الله عليه وسلم وأن يحسن صلاته وعبادته وسلوكه بهذا القصد، فيكسب ثواب من سنّ سنة حسنة إلى يوم القيامة .عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها، ص 234- 235.
وما أعظم موقف عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حين كان يجمع أهل بيته ليقول لهم:” أما بعد: فإني سأدعو الناس إلى كذا وكذا وأنهاهم عن كذا وكذا، وإني أقسم بالله العظيم لا أجد واحداً منكم أنه فعل ما نهيت الناس عنه أو ترك ما أمرت الناس به إلاّ نكلت به نكالاً شديداً، ثم يخرج ويدعو الناس إلى الخير، فلم يتأخر يوما أحد عن السمع والطاعة لإعطائهم القدوة بفعله قبل إعطائهم إياهما بقوله . هارون خليف جيلي، كيفية مكافحة المفاسد الأخلاقية، العدد الرابع، ج4، ص 1907.
وقد تنبه السلف الصالح إلى هذا الأمر وأهميته، ومن ذلك عتبة بن أبي سفيان ينبه معلم ولده لهذا الأمر فيقول:” ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت”. البيان والتبيين ، ص 249.
ومن أمثلة ذلك ما رواه مسلم أنه كان رسول – صلى الله عليه وسلم – قدوة في شجاعته؛ قال العباس شهدت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله، فلم نفارقه، ورسول الله على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله يركض ببغلته قبل الكفار قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله أكفها إدارة أن لا تتسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله، فقال رسول الله:” أي عباس ناد أصحاب السمرة فقال عباس: وكان رجلاً صيتاً فقلت: بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها، فقالوا لبيك قال: فاقتتلوا والكفار” . صحيح مسلم ، حديث رقم 4567، م12، ص91.
ثانياً: التربية بضرب الأمثال والقصة.
استخدم النبي – صلى الله عليه وسلم – ضرب الأمثال كأسلوب من أساليب الدعوة إلى العقيدة لكونه من أقوى أدلة إبراز الحقائق، والغرض منه تشبيه الخفيّ بالجليّ، والغائب بالشاهد، فيصبح حكم الحس مطابقاً لحكم العقل وذلك هو قمة النهاية في الإيضاح. و في أهمية ضرب الأمثال لتوضيح الأقوال يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الأمثال مصابيح الأقوال ” .سليمان بن قاسم العيد، المنهج النبوي في التربية الإيمانية للشباب، ص 6.
وضرب الأمثال هو عبارة عن حالة تشبيه تحدث في النفس حالة التفات بارعة يلتفت بها المرء من الكلام الجديد إلى صورة المثل المأنوس عبد الوهاب بن لطف الديلمي، معالم الدعوة في قصص القرآن الكريم، ط1، 1406هـ، دارا لمجتمع، جدة، م1، ص306. البهي الخولي، تذكرة الدعاة، ط6، 1399هـ، مكتبة الفلاح، الكويت، ص 66.
ومن الأمور المهمة في هذه المسألة أن يكون المُمَثَلُ به أمراً معروفا مشهوراً لدى المُمَثَلِ لهم لتتم الفائدة.
وفي هذا قال عبد الرحمن النحلاوي:” لم تكن الأمثال القرآنية والنبوية مجرد عمل فني يقصد من وراءه الرونق البلاغي فحسب، بل إن لها غايات نفسية تربوية حققتها نتيجة لنبل المعنى، وسمو الغرض، وتأثير الأداء ومن بيّن أهم هذه الأهداف:
1- تقريب المعنى إلى الأفهام ، فقد ألف الناس تشبيه الأمور المجردة بالأشياء الحسية، ليستطيعوا فهم تلك الأمور المعنوية أو الغيبية، إثارة الانتِباه، وطرْح السُّؤال على أصحابه؛ ليثير النَّشاط الذِّهْني، ويجذب انتباهَهم ويشوِّقهم لما سيقولُه لهم.
2- إثارة الانفعالات المناسبة للمعنى، وتربية العواطف الربانية. عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلامية، ص 201-202.
وجاءت السنة حافة بضرب الأمثال، ومن بين الأمثلة على سبيل التمثيل لا الحصر ما يأتي:
ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول:« أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً ما تقول ذلك يبقي من درنه، قالوا: لا يبقي من درنه شيئاً، قال: فذلك مثل الصّلوات الخمس يمحوا الله به الخطايا ». صحيح البخاري، باب الصّلوات الخمس كفّارة، حديث رقم 528، ص174.
كما كان النبيّ – صلى الله عليه وسلم – يمثل لأصحابه بالنخلة والتمر، والبعير، والأترجة، والريحانة و الحنظلة و الشوك والتمر … إلخ. فقد مثل بالزرع كما في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:« مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء، والفاجر كالأرزة، صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء » .محمد ناصر الدين الألباني، صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته، حديث رقم 5841.
ومثّل بالشاة كما في حديث ابن عمر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:« مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة » .صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين، حديث رقم 2784، ص 1636.
ومثّل لهم بالشوك؛ فعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما فيقول:« وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم عظمها إلاّ الله تخطف الناس بأعمالهم ». صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طرق الرؤية، حديث رقم 182، ص 217.
وأمّا تمثيله بالأترجة والريحانة والحنظلة والتمرة؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:« مثل الذي يقرأ القرءان كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرءان كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرءان كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها ». أخرجه ابن ماجة، السنن، تحقيق: بشّار عوّاد معروف، دار الجيل، بيروت، ط1، 1418هـ، 1998م، باب فضل من تعلم القرءان وعلمه، م1، رقم الحديث 214، ص 206.
ومن جوانب الحكمة النبوية في التمثيل ما يأتي:
الأمور الحسية الممثل بها من واقع المجتمع الذي كان يعيشه الصحابة في ذلك الوقت.
بيان الفارق بين الممثل والممثل به، كما في تمثيل- صلى الله عليه وسلم – كلاليب جهنم بشوك السعدان.
التأكد من معرفة الممثل لهم بالمثل المضروب، كما سأل رسول الله  الصحابة قائلاً: هل تعرفون شوك السعدان ؟
وترجِع أهمِّيَّة استِخْدام أسلوب ضرْب المثل في التَّربية إلى كوْنِه طابعًا خاصًّا، سواءٌ في إصابة المعْنى بدقَّة، أم في إيجاز اللَّفظ مع فصاحتِه، أم في أداء الغرَض الَّذي سيق لأجلِه الكلام… لأنَّه يُثير في النَّفس العواطف والمشاعِر، وعن طريق ذلك يُدفع الإنسان إلى الالتِزام بالمبادئ عمليًّا، هذا إلى جانب أهميته في تصْوير المعاني، وتَجسيدِها في الذِّهْن، وعن طريق ذلك يسهل الفهْم وإثبات المعاني في الذَّاكرة، واستِرْجاعها عند الحاجة.سالم بن سعيد بن مسفر بن جبار، الإقناع في التربية الإسلامية، ص 109- 110.
وإن مما زيد قضايا العقيدة وضوحاً، عرضها بشكل قصصي، يجعل السامع يتصور مشاهدها، ويتخيل أحداثها، وكأنها رأي العين، فضلاً عمَّا في الأسلوب القصصي من جذب انتباه ولاسيما للشباب، فكان النبي كثيراً ما يعرض أمور العقيدة بشكل قصصي، ولاسيما الغيبيات، كنعيم الجنة وأحوال أهلها وعذاب النار وأحوال أهلها، وذكر المسيح الدجال ونحو ذلك لما للقصَّة المشتمِلة على العِظة والعبرة من تأثيرٍ بالغٍ في النُّفوس؛ لأنَّ النَّفس بطبيعتِها تنجذب إلى القصَّة، وتأخذ القصَّة بِمجامع القلوب، فإذا أودعت فيها الحكمة والعِبرة كانت الغاية، والرَّسول – صلى الله عليه وسلم – لا يَحكي القصص لمجرَّد أنَّها قصص للتَّسلية وتزْجية الأوْقات؛ ولكنَّه يقصُّ القصص من أجْل التَّربية، وترسيخ المعاني الإيمانيَّة، والأخلاق المرْضية. أحمد فريد، التَّربية على منهج أهل السنَّة والجماعة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ص 266.
ومن القصص النبوي أيضاً قصة الأبرص والأقرع والأعمى كما في البخاري ومسلم. صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث رقم 3464، و6653، ص 666. ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم 2964.فبهذِه القصَّة استطاع الرَّسول – صلى الله عليه وسلم – أن يغرِس في نفوس أصحابه كثيرا من القيم الإسلامية؛ كالصِّدْق، والكرم، وشُكْر النِّعمة … إلخ، بأُسلوبٍ كلُّه تشْويق وإثارة، وطرافة في الموْضوع، وبساطة في الأسلوب. عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلاميَّة وأساليبها، ص 196-197.
ومن القصص المؤثِّرة والمقْنِعة الَّتي وردتْ في السنَّة أيضًا: قصَّة أصْحاب الغار، وقصَّة اختِصام الملائكة فيمن قتَل مائةَ نفْسٍ، ثمَّ توبته بعد ذلك، وغيرها كثير، ممَّا يجعل في عرْضها فائدة كبيرة في إنْجاح العمليَّة التَّربوية وتأكيد فاعليتها؛ وذلك لاشتِمالها على الفوائد الآتية:
التَّشويق، وجذْب الانتباه، وترْكيز الذِّهن، وإثارة المشاعر، بِما يشدُّ السَّامع إلى مجْريات القصَّة؛ حتَّى يستجليَ أحداثَها ويعرف نتائجها. تحفيز السَّامع أو القارئ على أخْذ العِبْرة من أبْطال القصَّة، واختيار السَّبيل المناسب.
دفع السَّامع أو القارئ إلى الاقتِداء بأبطال القصَّة في الأمور الخيِّرة، ونبذ ما سوى ذلك، وإشْباع حبِّ الاطِّلاع لدى السَّامع أو القارئ؛ لمعْرِفة مواقف وفواصل وتداخُلات القصَّة حتَّى يصِل إلى عُقْدة الحل.
التَّركيز على “عمليَّة الإيحاء”، الَّتي تُعْتَبر من أهمِّ وسائل الإقْناع في التَّربية والتَّوجيه. سالم بن سعيد بن مسفر بن جبار، الإقناع في التربية الإسلاميَّة، ص 106-107.
وكلّ هذا وغيْره يَجعل للقصَّة أهمِّيَّة بالغة، تتمثَّل في تأْثيرها النَّفسي الكبير على المتعلِّم، وهو ما يدفعه تلقائيًّا إلى تعْديل سلوكه وتغْيير ميوله. عبد الرحمان النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها، ص 196-197.
وممّا سبق ذكره يمكن القول: إنَّ القصَّة مصْدر هامٌّ من مصادِر المعْرِفة، و في نفس وسيلة هامّة في الوعظ والإرشاد ، الَّتي يستمدُّ منها الطِّفْل إحساسَه بذاتِه بين البشر، ويستطيع من خِلالِها أن يُسَيْطِر على العالم من حولِه بما يملكُه من معارف، ومن خِلال القصَّة يستطيع الطِّفل أن يجِد الإجابة عن العديد من تساؤُلاته، ويحلَّ كثيرًا من الألْغاز الوجوديَّة التي يُجابِهها، ويجد الحلول لكثيرٍ من المشْكِلات الَّتي يصادِفُها انفعاليًّا، “بتقديم النَّماذج الإيجابيَّة من أبطال هذه القصَص التي يتعاطف معها الطفل، ويعرف مِن خلالِها كيف يحلُّ أزماته الانفعاليَّة، ويكون قادرًا على السَّيْطرة على عالمه الدَّاخلي، كما تشكِّل القصَّة ركنًا هامًّا من أرْكان تحديد الهُوِيَّة الاجتِماعيَّة للطِّفْل، وانتِمائه الثَّقافي من خلال موضوعاتِها ورموزها، المرتبطة بالواقع والمجتمع المحيط بالطفل من جهة، والمرتبطة بالثَّقافة العامَّة للمجتمع من جهة أخرى.
وفي الخاتم نقول أنه بعد هذا الجهد المبذول، فقد توصلت إلى ارشادات طيبة ومباركة، لها أهميتها في تحقيق التربية الصحيحة للشباب وهي على ما يأتي:
إنّ السنة النبوية الشريفة هي المنهج القويم والأسلوب التربوي الأمثل الذي ينبغي أن يتربى عليه الشباب.
القصة وسيلة تربوية مهمة إذا وظفت التوظيف الصحيح، لما لها من تأثير على النفوس والمشاعر.
أنّ ضرب الأمثال والتشبيه يقرب الصورة الغائبة عن الذهن إلى شيء محسوس.
العامل الأهم في نجاح العملية التربوية هو تحلي المربي بالأخلاق الكريمة، والقيم السليمة الصحيحة، وذلك لأنّ الشاب المراهق هو الأكثر مراقبة لمن يقوم بتربيته، والأكثر تشبهاً لمن يربونه في أخلاقهم وتعاملهم.
أنّ القدوة الحسنة من أعظم الأساليب التربوية المؤثرة في النفوس البشرية.

شارك برأيك