استمتع بشبابك مع تقدمك في العمر … نذير بن عمر

نذير بن عمر: باحث دكتوراه بالمعهد العالي للحضارة الإسلامية – جامعة الزيتونة تونس

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله، وبعد:
أحببت طرق موضوع له أهميته العظمي في حياة البشر؛ حيث إنّ الإنسان رغم تقدمه في العمر إلاّ أنه يحتاج إلى تنبّهٍ كبير من أجل المحافظة على صحته وعلى دينه ومستقبله الأخروي. وتتجلى لنا أهمية الحديث عن هذا الموضوع الموسوم بــ:« استمتع بشبابك مع تقدمك في العمر »، في النقاط الآتية:
أولاً: تغذية الروح وذلك بالمحافظة على طاعة الله واجتناب ما يغضبه، والتهيؤ للعرض عليه غداً يوم القيامة.
ثانياً: الصحة الذّهنية؛ بمعنى تصحيح بعض المفاهيم في الحياة كممارسة الابتسامة والتسامح وغيرهما.
وأملي في الله تعالى أن أوفق لقول الحق والصواب، وأن أجنّب قول الباطل والخطأ والنسيان.
وصلى الله على نبيّيا محمد وعلى آله وسلم.
أخي أختي في الله:
إذا داهمتك الخطوب … وحلت في ساحتك المنايا … وطار النوم من عينيك … وأناخ عليك بكلكله السُّهاد … ورمتك النّاس بسهامها وتشتّت الفكر في كل واد، ولم يعد لك على الصعيد قدم ترفعك … إلاّ وقد خارت فإنّ لك عند الله مخرجاً، فإنّه وإن أظلم الكون واشتدّ ظلامه؛ فإنّه مُبشِّر بانبلاج صبح قريب، سيبزغ ويبدد ذاك الظلام، حتى لا يبقى منه شيئ … وإذا عظم المصاب واشتدّ المرض وكثرت الآلام والأوجاع فإنّ الفرج وربي لقريب كما قال الله تعالى: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) الشرح: 5 -6.
قال الإمام ابن كثير – رحمه الله – في تفسيره:” أخبر الله تعالى أن مع العسر يوجد اليسر، ثمّ أكد هذا الخبر، بقوله: ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ قال الحسن: كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين، وعن قتادة ذكر لنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بشّر أصحابه بهذه الآية فقال:” لن يغلب عسر يسرين” ومعنى هذا أ، العسر معرّف في الحالين، فهو مفرد، واليُسر منّكر، فتعدّد، ولهذا قال:” لن يغلب عسر يسرين” يعني قوله:﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ فالعسر الأول عين الثاني، واليسر تعدد، ومما يروى عن الشافعي أنه قال:
صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا ******* من راقب الله في الأمور نجا
من صدّق الله لم ينله أذى ******* وم رجاه يكون حيث رجا “.
انظر: مختصر تفسير ابن كثير، تحقيق: محمد علي الصابوني، دار القرآن الكريم، بيروت، ط7، 1402 هـ، م3، ص 653.
وقال أحد الصالحين” إني أعلم إن اشتدت الأمور واستحكم عليّ حلها؛ قلت: لقد دنا الفرج”.
فمن الأشياء التي ينبغي لك أخي الكريم رعاك الله أن تحافظ عليها في هذا السن؛ ألاّ تغضب مهما كانت الظروف وأن تتدرب على التخلص من هذه العادة، ومما ييسّر لك ذلك؛ أن تلازم الابتسالمة والتبسم، وقد قال الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – :« تبسّمك في وجه أخيك؛ لك صدقة ». انظر: رواه الترمذي، حديث رقم: 1956، وقال عنه الألباني: حديث صحيح. صحيح سنن الترمذي، م2، ص362.
وفي هذا المقام نشر مقال بمجلة النجاح الأمريكية، تناول علاقة الأطفال بالابتسام، وذكر فيه أن الأطفال يبتسمون ويضحكون حوالي 400 مرة في اليوم، في حين نجد أن الكبار يبتسمون 14 مرة فقط في اليوم …ولك أن تتصور هذا الفارق الشاسع، وكأن الناس ينسون الابتسامة كلما تقدموا في العمر… وهذا ينقلنا إلى نقطة طريفة؛ وهي أن الوجه به 80 عضلة، وعندما نبتسم فنحن نستخدم 14 عضلة فقط منهن، ولا يؤثر ذلك على شكل الوجه، ولكن إذا ما كان الوجه عبوساً؛ فإنا نستخدم تقريباً عضلات الوجه، مما يسبب له التجاعيد… هل تبتسم بسهوله…؟ وهل تبتسم كثيرا …؟ عندما تبتسم ينخفض مستوى الأدرينالين في الجسم ويرتفع مستوى الأندروفين، ويسبب لك شعوراً بالسعادة أكثر وتوتراً أقل”. انظر: قوة التحكم في الذات، د. إبراهيم الفقهي، المركز الكندي للتنمية البشرية، 2000م، ص 67 -68 وما بعدها بتصرف.
أخي الحبيب: بودي أن أهمس في أذنك بهمسات أملي منك سماعها ورجائي إليك أن تلقي السّمع وأنت شهيد، عليك أن تدخل الابتسامة في حياتك كلها وتتعلمها كما تتعلم فن قيادة السيارة، وأخص من حياتك وقت الشدائد ووقت الملمات.
أخي الكريم: عليك أن تحاول أن تبتسم وقت الشدة وأن ترسم على محياك ابتسامة الأمل والرجاء، البتسامة الثقة العظيمة بما عند الله، وأن الله لا يخيّب عبده وما ابتلاه إلا ليعافيه، وما منعه إلا ليعطيه.
ابتسامةً تنبع من الحب العظيم، الذي دونه ليس بحب؛ حب الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – ذاك والله هو الحب قال الله تعالى :﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ البقرة: 165.
ابستامةً شعاعها ونورها هداية الله، ونوره الذي يعطيه من يشاء، فقد تخفّف الابتسامة المصاب إلى أكثر من النصف، فجرّبها وتدرّب عليها وقت الرخاء حتى تألفها، ثمّ تدرّب عليها وقت الشدة فإن كنت لا تستطيع أن ترسمها على محياك في البداية فجرّب أن تبتسم وقت الشدة من داخل نفسك، وكرّر ذلك مراراً÷ فإنك مع الوقت بإذن الله سترسمها على شفتيك، ثم تصبح سجيّة من سجاياك العظيمة النادرة، التي تقلّ عند الرجال فهنيئاً لك هذا الموسام.
عندها سترى أن من الحكمة ألا تغضب ولا تضجر، وأن تملك نفسك عند الصدمة الأولى، وترى أن ذاك الضجر وعدم الرضا وقت المصاب غير مناسبين لأن الله تعالى قد كتب على كل شيئ مقاديره قال تعالى: القمر: 49.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجِز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَر الله وما شاء فعل؛ فإن “لو” تفتح عمل الشيطان ». انظر: رواه مسلم في كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله، م4، ص 2052، حديث رقم: 2664.
فتكون أخي الحبيب كما حبيبك محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي قال عنه أنس بن مالك – رضي الله عنه -:«كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه رداء نجراني غليظ الحاشيهة، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، قال أنس فنظرت إلى صفحة عنق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فضحك ثم أمر له بعطاء ». انظر: رواه البخاري، حديث رقم: 6088، ومسلم، حديث رقم: 1057. واللفظ له.
قال ابن حجر – رحمه الله – :” وفي رواية الأوزاعي: « فتبسم ثم قال: مروا له » وفي هذا الحديث بيان حلمه صلى الله عليه وسلم وصبره على الأذى في النفس والمال والتجاوز على جفاء من يريد تألّفة على الإسلام، وليتأسّى به الولاة بعده، في خلقه الجميل من الصفح والإغضاء، والدفع بالتي هي أحسن”. انظر: فتح الباري، م10، ص622.
إنه لم يغضب لنفسه ولم ينتقم ولم يؤنّب ولم يضجر … ولكن صاحب القلب الرحيم ابتسم… ولا يبتسم في هذا المقام إلا الرجال العظماء الموفقون، ولم يكتف بذلك بل أعطوه من مال الله.
وترى من العقل أن تبتسم؛ فإن الغضب وعدم الرضا لا يردان القضاء، فإنه نازل لا محالة، ولكن عليك التسليم بما كتب الله والرضا به، فإننا عبيده يفعل بنا ما شاء، كيف شاء، متى شاء، فقد مرض أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – فعادوه فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب ؟ قال: قد رآني، قالوا: فأي شيئ قال لك ؟ قال: قال: إني فعال لما أريد.
فالحكم لله حل في علاه. انظر: حلية الاولياء، لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق: سعيد الإسكندري، دار إحياء التراب العربي، ط1، 1421 هـ، م1، ص39.
يقول توماس باين:” إنني أحب الشخص الذي يستطيع الابتسام في وجه المتاعب، وبهذا يستطيع استجماع قواه تحت الضغط، ويصبح شجاعاً من خلال التأمل، والعقول الصغيرة تتقلّص، ولكن صاحب القلب الحازم الشجاع الذي يتفق سلوكه مع ضميره هو الذي يسعى إلى تحقيق مبائه حتى الموت”. انظر: 365 رسالة نجاح، نايف النادر وفيصل العكاش، ط1، 1433 هـ، ص13.
وأختم كلامي بهمسة:
أخي المبارك رعاك الله عليك بالابتسامة والزمها في عسرك ويسرك، وارسمها لوحة رائعة على شفتيك، تعجز ريشة الرسّام أن تبدعها.

تعليق واحد على “استمتع بشبابك مع تقدمك في العمر … نذير بن عمر”

  1. المقال ممتاز ما شاء الله .. سلمت يمينك .. ولكنني ألمح بين ثناياه روحًا انسحابية .. فمن الجيد نصح من تقدموا بالسن أن يستعدوا للقاء الأكبر بهجر القبائح والتزام الفضائل والقرب من الله .. ولكن أين الدعوة لهم بدور فاعلٍ في المجتمع يقدمون فيه ثمرة خبراتهم ومعارفهم للأجيال .. وينشغلون بالأعمال التي ينعكس أثرها على المجتمع طاقة إيجابية وقدوة مؤثرة .. لكي تنبع الابتسامة من العطاء السخي .. شكرًا جزيلاً لكاتب المقال

شارك برأيك