ذِكرىّ يَوم الطَالب الجَزائري نِبراس وَطني خَالِد … محمـد عبدالرحمن عريـف

د.محمـد عبدالرحمن عريـف: باحــث في التاريخ الحديث والمعاصر وتاريخ العلاقات الدولية

شرفت بمشاركة أهل الشقيقة الجزائر بذكرى يوم الطالب في رحاب جامعة 20 أوت 1955 بسكيكدة وكلية العلوم الاجتماعية والانسانية والمتحف الجهوي، والذكرى تعود جذورها لما ساهمت به الحركة الطلابية في تكوين وعي وطني وانتاج طبقة طلابية معتبرة لم تتردد في الالتزام بالخطوط العريضة للثورة منذ بداياتها، وكان تعاملها مع الثورة يندرج في إطار من المشاركة والمواءمة إذ التحق مجموعة من الطلبة بالثورة بصفة محدودة بينما بقيت عمومهم في مقاعد الدراسة تثير الطلبة والمجتمع الجزائري وتشرح للطلبة الفرنسيين قضية الجهاد وشرعية الثورة وتذكيرهم بالجستابو الألماني، وقرروا الانفصال عن الاتحاد الوطني للطلبة الفرنسيين واسسوا “الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين” من 8- 15 جويلية 1955 بعد 9 أشهر من اندلاع الثورة. وكان من أهم أهدافه، الدفاع عن المصالح المادية والمعنوية لكل الطلاب الجزائريين أينما كانوا، وتوحيد الطلبة وربط مصيرهم بمصير شعبهم المكافح ضد الاحتلال.
أحدث تأسيس هذا الاتحاد الطلابي انتفاضة قوية في باقي الفئات الوطنية الأخرى التي سارعت في فك أرتباطها وقطع علاقتها بالهيئات الفرنسية، فأسس الاتحاد العام للعمال الجزائريين، في 24 فيفري 1956 والاتحاد العام للتجار الجزائريين في سبتمبر 1956. ولا يمكن تقدير التوجه الشعبي العام وارتياحه ومساندته لهذه الخطوات الكبيرة. ومن جانب آخر كان لتأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين أثار نفسية كبيرة على تفجير قدرات الثورة والرفع من معنويات قادتها وجيشها، فبعد حوالي شهر من تأسيس الاتحاد كانت هجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955 ضد مراكز الاحتلال لتأكيد قوتها والقضاء على أي تردد لدى بعص الهيئات والأحزاب، ولفك الحصار على الأوراس.
بعد الرد الهمجي للاحتلال على الشعب الجزائري والمجازر الرهيبة التي تعرض لها قام الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين وأعلن في20 جانفي 1956 إضرابًا وقدم فيه إنذارًا لسلطات الاحتلال بالتوقف عن سفك دماء الجزائريين، وعقد مؤتمره الثاني في مارس 1956 في باريس قبل موعده بأربعة أشهر وطالبوا فيه باستقلال الجزائر والتفاوض مع جبهة التحرير الوطني وكان الرد الفرنسي على الطلبة قاسيًا.
بعد الفشل الذريع الذي منيت به قوات الاحتلال في مواجهة تنامي الثورة ركزت حربها من الناحية العسكرية ومن جانب الحرب النفسية باعتبار ما يحدث في الجزائر ما هو إلا من قبل عصابة لا علاقة للشعب بإجرامها، وحاولت إيهام العالم بهذا الادعاء وركزت من جانب آخر على إيقاع الأذى والتقتيل لأعضاء في الاتحاد الطلابي.
تمحورت إستراتيجية الطلبة بعد إعلان الإضراب في مستويين الأول: المشاركة الداخلية مع جنود الثورة في الجبال في كل التخصصات. والثاني: المساهمة في تنوير العالم في أنظمته السياسية ومنظماته الطلابية الأوروبية والعربية والأمريكية والآسيوية بمشروعية الثورة وحق الشعب الجزائري في استقلاله.
لقد كانت مساهمة الطلبة في غاية من الأهمية في الداخل والخارج فقد كانت نقطة تحول كبيرة في الذهنية الشعبية التي كانت مرتابة من نجاح الثورة فكان انضمام الطلبة تعبيرًا صادقًا يؤكد قوة الثورة وصدقيتها ولذلك ظهر بعد ذلك التضامن الشعبي والتعبئة ضد الاحتلال. واستطاع الطلبة أن يحققوا من خلال إضرابهم نتائج بهرت العالم كله.
كان الهدف الأساس من إضراب الطلبة هو ضرب مصداقية الاحتلال في وصم الثورة بأنها مجرد عصابة وتدعيم الثورة التي وصلت كما يبدو إلى مفترق طرق والحاجة الماسة لتدعيمها لمرورها بفترة عصيبة تهدد شرعيتها ومشروعها الوطني، فقد كانت شرعيتها كثورة شعبية شاملة على المحك ومن جهة ثانية كان مشروعها يحتاج إلى سند شعبي مكثف، وكان دخول الطلبة على الخط أهم دعم تلقته الثورة لشرعيتها ولمشروعها، وللمحافظة على مصيرها ومصير الشعب من ورائها.
السلطة الفرنسية من جانبها كانت تترصد نشاط الطلبة الجزائريين، في الداخل والخارج، من ذلك أنها تمكنت من تعذيب البعض منهم، إلى درجة أنها تمكنت من قتل الطالب قاسم زدور برميه في البحر بعد عودته من القاهرة في صيف عام 1954، في الوقت الذي كان فيه عدد الطلبة الجزائريين لا يتعدى 450 طالبًا جزائريًا.
لم يكن بيد الطلبة سلاح حربي يواجهون به الجيش الفرنسي وسلطة الحكومة سوى الإيمان والموقف والكلمة. وهو ما حدث فعلًا، إذ قرر الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين القيام بإضراب عام، شامل أنحاء الوطن، بدأ بمقاطعة الدروس والامتحانات في جامعة الجزائر، وفي جميع الثانويات، والجامعات الفرنسية. وسرى مفعول هذا الإضراب بداية بيوم 19 ماي 1956. أي بعد اندلاع الثورة بـ 18 شهرًا. ولم يكتف الطلبة بهذه المقاطعة بل نادوا زملاءهم الطلبة والتلاميذ الجزائريين للصعود إلى الجبال والالتحاق بجيش التحرير الوطني، تحت رعاية جبهة التحرير الوطني.
لم يكتف الطلبة بإعلان الإضراب، وتوجيه النداء إلى كافة الطلبة للالتحاق بصفوف المجاهدين بل عملوا على توسيع دائرة النضال لتصل إلى المحافل الدولية، حيث شارك الاتحاد الطلابي في فعاليات الندوات العالمية، ومنها الندوة العالمية السادسة للطلاب في كولومبيا بجزيرة سيلان. التي قبلت الاتحاد العام للطلاب الجزائريين المسلمين عضوًا منتدبًا فيها، رغم معارضة عدد كبير من المنظمات الطلابية الأوروبية المناصرة لسياسة فرنسا وللاستعمار. وتدعم مركز الاتحاد العام للطلاب الجزائريين كثيرًا حين قبلت المنظمة العالمية للطلاب عضويتهم بصفة العضو المشارك. وبذلك تمكن الطلاب الجزائريون من تكوين علاقات مع اتحادات طلابية عالمية، ومن كسب تأييد دولي خدم القضية الجزائرية بشكل إيجابي.
بضغط النضال الطلابي الجزائري الفاعل عقد الاتحاد الوطني للطلبة الفرنسيين مؤتمره السنوي في أواخر شهر أبريل 1957، وكان أثر نشاطات الاتحاد الطلابي الجزائري ملموسًا في هذا المؤتمر من دون حضور أعضائه الرسميين، الأمر الذي أدى إلى أن ينشطر الطلبة الفرنسيون على أنفسهم إلى فريقين، فريق أيد الثورة التحريرية في مطالبها، وآخر عارضها. وما ان آنس القادة بأن الثورة تجاوزت مرحلة الخطر وأصبحت في مأمن على شرعيتها ومشروعها حتى قرروا حل الإضراب بعد 17 شهرًا من إعلانه وذلك في 14 أكتوبر 1957. واستمرت مسيرة الطلبة وعقدوا مؤتمرهم الثالث في ديسمبر 1957.
في28 جانفي 1958 قررت سلطات الاحتلال حل الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين واعتقلت أعضاءه في باريس واضطرت اللجنه التنفيذية مغادرة فرنسا إلى سويسرا. واستمرت المسير إلى غاية الاستقلال. ولم يفوت طلبة شمال إفريقيا هذا الأمر في سكوت بل عقدوا اجتماعات وندوات عبروا من خلالها عن رفضهم لهذا القرار المجحف. ولم تقف الإدارة الاستعمارية الفرنسية مكتوفة الأيدي، أمام الانتصارات الساحقة التي بدأت تجني ثمارها القضية الجزائرية، من خلال التضامن والتأييد العالميين، بفضل مجهود الإتحاد، لم تتوان هذه الإدارة ومن خلالها وزارة الداخلية في إصدار قرارها السابق ولم تكتف بهذا، بل عملت على اعتقال الطلبة وإخضاعهم لعمليات الاستنطاق، وتسليط مختلف صنوف التعذيب، ثم رميهم في غياهب السجون الفرنسية.
مما تقدم نخلص إلى القول إن الطلبة الجزائريين حاربوا ضد جبهات كثيرة كان أقواها ثلاث هي الاستعمار الفرنسي الغاشم وأعوانه وهم الحركة. والثانية هي الاتحاد الوطني للطلبة الفرنسيين، وبخاصة المتطرفين منهم. والثالثة بعض قادة الثورة التحريرية غير الواعين.
لا نستطيع إلا أنْ نُحيي بإعجاب وتقدير تلك الأمثلة الباهرة التي ضُربت في الشجاعة الثورية، فقد ساهموا مساهمة إيجابية فعالة في الثورات الكثيرة التي توالت وتجددت في بلاد الجزائر منذ سنة1830 ضد الاحتلال الفرنسي، وأن الثورات الرئيسية دائمًا تكون على يد الشباب، فقد تركوا لنا صورًا حية خالدة لوطنية الطلبة الجزائريين المضحين بأنفسهم في كثير من المناسبات، ويقين الطلبة الجزائريين، أن الثورة ستنتهي لا محالة بالحصول على الاستقلال. ونموذجًا لبعض من هذا الكفاح الطويل في تاريخ الطلبة الجزائريين، اعرض لدور البعض منهم بمصر اثناء حرب التحرير وتاريخ حراكهم الوطني الطويل.
إن خير تكريم وتبجيل للشهداء الأبرار.. أنْ ذكرىّ رجال بواسل حرروا الوطن بوحدتهم واتفاق كلمتهم وزلزلوا عرش فرنسا، حتى عاود هذا الوطن حرًا ابيًا كما كان.. فعلينا أن نكون أوفياء لتضحياتهم الجسام وإن خير الوفاء أن ندافع عن وصية نطقـت بها شفـاه أحد شهداء الحرية ‹ديدوش مراد› قبل أن ترتفـع روحه إلى بارئـهـا (إذا استشهدنا.. دافعوا عن ذاكرتنا).
ستظل ذكرىّ يوم الطالب الجزائري براس وطني خالد.. وستبقى كاريزما هؤلاء الطلبة حالة خاصة!. العزة للجزائر والمجد للشعب والخلود للشهداء الأبرار.

اترك ردا