تقرير حول الندوة العلميّة الدوليّة الأسطورة في النصوص المقدّسة

نجاة ذويب – تونس

عقد مخبر بحث “تجديد مناهج البحث والبيداغوجيا في الإنسانيات” بقاعة ابن رجب كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان ندوة علميّة دوليّة تحت عنوان “الأسطورة في النصوص المقدّسة” بقاعة ابن رجب بمدينة القيروان أيّام 21و22و23 أفريل 2016، شارك فيها ثلّة من الأساتذة الباحثين المهتمين بالموضوع من داخل الوطن و خارجه. وقد تضمّن هذا النشاط العلميّ خمسًا وثلاثين مداخلة وُزّعت على عشر جلسات علميّة.

اُفتتحت الندوة يوم الخميس الساعة التاسعة صباحا بكلمة الأستاذ توفيق قريرة ثمّ ألقى السيد حمادي المسعودي، رئيس مخبر البحث، كلمة رحّب من خلالها بالحضور والأساتذة المشاركين، وتحدّث عن إشكالات هذه الندوة التي تسعى  إلى الإجابة عنها بناء على مداخلات المشاركين من قبيل  العلاقة بين الأسطورة والمقدس، والفروق المفاهيمية بين الأسطورة وغيرها من الأشكال القصصية الأخرى: كالحكاية والفولكلور والقصة والملحمة… وأي موقع للأسطورة في الحقل الأدبي وعلاقته بالرمز والمتخيل والمجاز وجدلية هجرة الأساطير، ثمّ ألقى السيد عبد الله البهلول، منسّق الندوة، كلمة تحدّث فيها عن مسألة التحكيم والنشر وكيفيّة اختيار المقالات المدرجة ضمن برنامج الندوة، منبّها إلى أهميّة مثل هذه الندوات في تكوين الباحث الأكاديمي.

ثم افتتح الأستاذ توفيق قريرة(تونس) الجلسة العلمية الأولى المتكوّنة من كلّ من الأستاذة كوثر الرافعي والأستاذ أحمد قيطون والأستاذ إحسان يعقوب خضر الديك.

قامت الأستاذة كوثر الرافعي (جامعة القيروان/تونس) بتقديم ورقة بحثيّة عنوانها “الأسطورة في دائرة المعارف الكونيّة” فتناولت الأسطورة مفهوما ووظيفة. كما درست بعض المناهج المقاربة لها. فالتزمت بما جاء في المقال الوارد في دائرة المعارف الكونيّة فقامت بتقديمه مبيّنة لنا المقاربات التي تناولت هذا المصطلح بالدراسة، فتناولت المقاربة الاجتماعيّة مع بيير سميث الذي أكّد ثبوت الأسطورة ورسوخها في المجتمع. والمقاربة الأنتروبولوجيّة مع ليفي ستراوس التي اعتبرت الأسطورة شكلا من الذهنيّة تُفسَّر. وكذلك المقاربة النقديّة الحديثة مع بول ريكور. فاستطاعت توسيع آفاق التساؤل في هذا الموضوع الإشكالي الذي صاحَب الفكر البشري على مرّ العصور فازدادات إشكاليته في العصر الرّاهن. وفي مرحلة تقييم هذه المقالة الواردة في دائرة المعارف الكونيّة توصّلت الباحثة إلى أنّ مقاربة الأسطورة لها مجالات متعدّدة من ذلك:

– الكليّات: بما هي النزعة اللاشعوريّة الجماعيّة.

-الجماعي: بما هو  نتاج جماعي يخضع للذاكرة الجماعيّة.

-الفردي: لا يفسّر إلاّ بالرجوع إلى المجالين السابقين.

وخلصت الباحثة إلى أنّ موضوع الأسطورة مرتبط بمواضيع أخرى يظلّ موصولا بها.

وقدّم الأستاذ أحمد قيطون (جامعة ورقلة/ الجزائر) ورقة علميّة بعنوان “الأسطورة والأشكال التعبيرية المضادة، أو من المقدّس إلى المدنّس”  قام فيها بمقاربة الأسطورة من الناحية الأدبيّة. فبحث  في مفهوم الأسطورة ودرس كيفيّة هجرة الأسطورة إلى الشعر، هل وُظّفت كما هي أم حُوِّرت؟

توصّل الباحث إلى أنّ الأسطورة هي عقيدة لها طقوسها عند الإنسان البدائي ومرتبطة بمفاهيم كثيرة.

ويرى الباحث أنّ الحديث عن الأسطورة يستدعي الحديث عن أشكال أخرى رافقتها وتداخلت معها: منها الطقس الذي يشكّل أبرز دعائم التكوين الأسطوري، ويقصد الباحث بالطقس تلك الأعمال التي تُمَارس في إطار الاحتفاليّة الدينيّة المتصلة بزمن معيّن وبطريقة ثابتة لا تتغيّر وفي أماكن توصف بصفة المقدّس، ومنه كذلك الحكاية الشعبيّة والحكاية الخرافيّة والملحمة. وقد أثار الباحث في مداخلته جملة من الإشكالات، فرأى أنّ تعبير الأسطورة يمتزج في أذهان الكثيرين بتعبير الخرافة والحكاية الشعبيّة رغم البعد الشاسع بين هذه النتاجات الفكريّة. فلئن كانت الأسطورة من المقدّس فإنّ الحكاية الشعبيّة والخرافة قد نُزعت منهما القداسة فأصبحتا بذلك كأنّهما من المدنّس.

أمّا الباحث إحسان يعقوب الديك (جامعة النجاح الوطنيّة/ فلسطين) فقد شارك بمداخلة عنوانها “المجاز والأسطورة” حاول من خلالها تجاوز مقولات التراثيين ومقارباتهم المدرسيّة التي حصرت المجاز في نطاق الحقائق اللغويّة والمعرفيّة والشرعيّة. ونفى الباحث من خلال ورقته البحث عن علاقة المجاز الضديّة مع الحقيقة، فرأى أنّ الحقيقة تكمن في المجاز، مبرّرا ذلك بأنّه حين يتمّ التفكير في الأشياء يتمّ تجسيمها من خلال التشبيهات والاستعارات والكنايات والأمثال فنصل بذلك من الشاهد إلى الغائب ومن الظاهر إلى الباطن. فرأى الباحث أنّ المجاز هو سبيل الإبصار وهو سبيل التوقّع ومنه القرار والفهم ومنه التفسير..والإقناع ومنه الاقتناع.

أمّا الجلسة العلميّة الثانية فقد ترأّسها الأستاذ محمد الصحبي البعزاوي (جامعة سوسة/ تونس) وشاركت فيها الأستاذة شاذليّة العبيدلي (جامعة القيروان/تونس) بورقة علميّة عنوانها “قراءة في المفاهيم الحوافّ بالأسطورة”  فبحثت في مفهوم الأسطورة والمفاهيم الحافّة بها. فرأت أنّ موقف القدامى من الأسطورة موقف تهجيني حيث تمّ إقصاء الاهتمام بها وتهميشها إلى أن صار هذا الموقف محيلا على معنى الكذب والزيف والخرافة وما شابه ذلك؟ وفي محاولة منها في فهم الأسطورة ماهية ومنطقا وغاية، وقفت عند مفهوم الأسطورة في النصوص المقدّسة ومدى ارتباطها بعلم التفسير وبطريقة تلقّيها وتأويلها بما يتناسب والظرفيّة التاريخيّة الحاضنة لها. ونظرت الباحثة في المفاهيم المرتبطة بالأسطورة من ذلك الخرافة والحكاية والرمز فتوصّلت إلى أنّ هذا المصطلح قد تأثّر بحقول معرفيّة أخرى.

وشارك الأستاذ تامر محمد فايز مصطفى (جامعة القاهرة/ مصر) بورقة علميّة أيضا بعنوان”ماهية الأسطورة في المذاهب النقديّة الحديثة: درس نقدي مقارن” بيّن من خلالها أنّ الأسطورة هي واحدة من تلك المعاني التي دار حولها كثير من الجدل الفكري والنقدي. وقد دأب النقد الأدبي، حسب رأيه، على دراسة ماهية الأسطورة عبر وجهتي نظر أساسيتين تعتقد الأولى في خرافيّة الأسطورة وعدم مصداقيتها وتفكّر وجهة النظر الثانية في قداسة الأسطورة وحقيقتها وضرورة الإيمان بما تحويه من معتقدات وعادات إنسانيّة وطبيعيّة.

سعى الباحث من خلال ورقته هذه إلى دراسة ماهية الأسطورة وتفسيراتها المتنوّعة في مجموعة من التوجّهات غير التقليديّة أو المحدثة التي ذهب أصحابها إلى البحث عن تفسير جديد لمفهوم الأسطورة وطبيعتها. فبحثوا في ذلك من خلال المدرسة اللغويّة والمدرسة النفسيّة والمدرسة السياسيّة.

وقد توصّل الباحث إلى أنّ كلّ مدرسة من هذه المدارس قد قدّمت طرحا جديدا للأسطورة: فاهتم موللر وتلامذته بالجانب اللغوي في الأسطورة، وكذلك فعلت المدرسة البنيويّة بزعامة شتراوس ومن جاؤوا بعده، ومن ثم اهتمت بها المدرسة السيميولوجيّة، بينما جاءت المدرسة النفسيّة كأحد التوجّهات –غير التقليديّة- الساعية إلى التوصّل إلى تفسير مفارق للتفسيرات التقليديّة وقد تزعّم هذه المدرسة فرويد الذي ربط الأسطورة بالغريزة والأحلام، ثمّ يونغ الذي أكّد دور اللاوعي الفردي والجمعي في علاقته بالأساطير وأخيرا، تظهر قمّة التجديد في المعنى الأسطوري، حيث يتطوّر مفهوم الأسطورة لدى المحدثين وصولا إلى حدّ ربطه بشؤون السياسة فيما يمكن أن يطلق عليه (نظريّة الأسطورة السياسيّة).

أمّا محمد بودبان (جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية/الجزائر) فقد شارك بورقة علميّة وسمها بـ”الأسطورة في المفاهيم الثالوثيّة المسيحيّة”، فقد رأى أنّ الظاهرة الدينيّة هي من أعقد الظواهر الاجتماعيّة التي تمّ الحكم فيها بدون تقنيات لذلك. فهذه الظاهرة قد تلتبس بالسحر والشعوذة.

وقد ضبط بودبان في مداخلته مفهوم الأسطورة من خلال اللغة والاصطلاح ثمّ من خلال المكان والوظيفة وبيّن مفهوم التثليث من خلال اللغة والاصطلاح ثمّ  ناقش الأسطوريّة في التثليث المسيحي من خلال ثلاثة محاور أوّلها الفكر الديني التثليثي الأسطوري السابق على المسيحيّة وثانيها الظروف الزمانيّة والمكانيّة لظهور التثليث المسيحي، وآخرها التفريق بين الأسطوري والحقيقي في التثليث المسيحي. وقد عمل الباحث على تبيّن العلاقة بين الأسطورة والمفاهيم الثالوثيّة المسيحيّة فقدّم محاولة في تعريف الأسطورة عاملا على تقريب مفهوم التثليث وبحث عن الأسطوري في التثليث، وفي نهاية ورقته العلمية نجده يعمل على تخليص التثليث من الأسطوري.

أمّا سميّة فالق (جامعة خنشلة/ الجزائر) فقد ساهمت في هذه الجلسة بورقة علميّة وسمتها بـ”الأسطورة: الماهية والمصطلح والأشكال التعبيريّة المتماهية معها.” فضبطت مفهوم الأسطورة بشقيه اللفظي والاصطلاحي عاملة من خلال ذلك على إزاحة بعض من الغموض الذي يكتنف هذا الموضوع بمختلف تفرّعاته وتشعّباته، فحاورت الشكل والمضمون والوظيفة.

وعملت الباحثة كذلك على البحث في مواطن التداخل والاختلاف بين الأسطورة والأشكال التعبيريّة المتماهية معها، فبين الأسطورة والخرافة والقصّة الشعبيّة والحكاية الشعبيّة والقصص البطوليّة أواصر  ووشائج عميقة، وبيّنت الباحثة أنّ هذه الأشكال ولئن اختلفت في كنهها فإنّها قد التقت في نقاط تقاطع بينها لتشكّل ألفة وقرابة.

وبيّنت الباحثة أنّ الأسطورة هي حكاية ترتبط بمبادئ السرد القصصي، فتعالج موضوعات الحياة والموت، وهي مضامين صادقة بالنسبة إلى المؤمنين بها. فالأسطورة تكتسب طابعا قدسيا من خلال ارتباطها بالجانب الديني.

وقد أُشفعت الجلسة العلميّة الثانية بحلقة نقاش حول الجلستين السابقتين، حاول المتدخلون فيها إغناء ما قُدّم في الجلسات بطرح الأسئلة أو تقديم إضافات حول ما قدّم.

فقد تساءل الباحث الهادي الحميدي عن علاقة الأسطورة بالدين والفرق بينهما..في حين تدخّل الباحث محمد بوزنكاض مقدّما إضافة حول جدّة هذا المبحث في الثقافة العربيّة. أمّا الباحث توفيق السالمي فقد سأل الباحثة شادليّة العبيدلي حول ارتباط الأسطوري في الفهم القرآني وعلاقته بفعل الكتابة. كما حاور السالمي الباحث تامر مصطفى حول مسألة ربط الأسطورة بالسياسة فرأى أنّ ما جعل الأسطورة تنتقل إلى السياسة ليست الأسطورة إنّما السياسة. أمّا الطالب سيف الدين الرايس فقد حاور الأستاذة كوثر الرافعي  حول ربطها الأسطورة بزمن البدء وعن الملامح التي بها يستحيل النص نصا أسطوريا. في حين تدخّل الباحث عبد الرزاق الدغري متسائلا عن كيفيّة تعامل الفكر الاستشراقي مع أساطير العرب، وهل استطاع الإنسان المعاصر الاستغناء عن الأسطورة؟ وكذلك تساءل الباحث قائلا: حضور الأسطورة هل يعبّر عن تحقيق الإمتاع وشدّ المتقبّل؟

أمّا الجلسة العلميّة الثالثة فقد انعقدت يوم الخميس على الساعة الثالثة ظهرا برئاسة الأستاذ عبد الله البهلول (جامعة القيروان/تونس) وشارك فيها كلّ من الأستاذ محمد كريفة والأستاذ البرني اللافي والأستاذة خلوات حليمة.

قدّمت الأستاذة خلوات حليمة (الجزائر) مداخلة بعنوان “واقع الأسطورة في الفكر العربي الإسلامي” بيّنت من خلالها أنّ الحديث عن الأسطورة كرمز إنساني خالد يبعث على التساؤل عن مواضيع عديدة لها علاقة بهذا الإرث الحضاري الذي لا يزال يمارس سلطة على الوعي الجمعي بشكل مباشر أو غير مباشر، أهمّها علاقة الأسطورة بالدّين وتحديد وظائفها التي لم تكتف بتأديتها على مستوى الإيمان وإنّما تعدتها إلى مستويات الحياة الاجتماعيّة، حتى أصبحت موضوعا مقدّسا يتجاوز حدود الخرافة والحكاية… رأت الباحثة أنّ طرح موضوع الأسطورة في الفكر العربي في حضور الدّين الإسلامي أمر يستدعي الحديث عن جانبين اثنين أوّلا المفهوم الذي أخذته الأسطورة في الأوساط العربيّة ثمّ الأسباب والخلفيات التي أدّت إلى تضعيف الاهتمام بها كموضوع للدراسة، ثانيا مزاحمة  الأسطورة للنصوص المقدّسة وأثرها في تشكيل الثقافة الدينيّة للجماعات الإنسانيّة على مستوى السّلوك والوعي.

أمّا الأستاذ محمد كريفة(جامعة القيروان/تونس) فقد شارك بمداخلة عنوانها “الوعي بالأسطورة في كتب التفسير وأثره في ترجمة القرآن دراسة تحليليّة لترجمتي Laleh Bakhtiar وEdip Yuksel” فبيّن من خلالها أنّ المترجم للقرآن، وإن كان يشتغل على النص المتن أساسا، فإنّه كثيرا ما يلجأ في عمله إلى الاستنجاد بنصوص حوافّ تمثّل كتب التفسير أهمّها، وهي التي تحوي في طيّاتها ما تحويه من أساطير قد لا تكون لها علاقة بالنص القرآني. وقد دارت ورقته حول وعي المترجم بالأسطورة في الفكر الديني أثناء ترجمة النصوص الدينيّة وذلك من منظور الدراسات الترجميّة الحديثة. وقد نظر الباحث في موقف المترجم من الأساطير التي تزخر بها كتب التفسير فنظر في مدى تأثير ذلك في فهم النص الأصلي متّخذا من ترجمتيْ Lelah Bakhtiarو Edib Yuksel للقرآن نموذجا وبالتحديد ترجمتهما لقصّة النبي أيوب كما وردت في الآية الرابعة والأربعين من سورة “ص” وتأثير ذلك في فهم وترجمة الآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء.

أمّا الأستاذ البرني اللافي (جامعة الملك سعود) فقد ساهم بورقة بحثيّة عنوانها “أبناء نوح في الأرض الموعودة الأمريكيّة، روايات الإنجيل في التاريخى الثقافي وأدب زنوج الولايات المتّحدة من عهد العبوديّة إلى الآن.”  بيّن لنا من خلالها أنّ عمليّة تلقيّ وتأويل التوراة وراوياته من الأمريكيين عامّة والزنوج خاصّة قد وقعت لتبرير تجاربهم الذاتيّة منذ مغادرة أوروبا وإفريقيا إلى العالم الجديد وعليه فإنّ تلقي التوراة وتأويلها قد وُظِّفا لإنشاء روابط بين العصر االقديم وتجارب الحياة الجديدة في الولايات المتحدة فروايات وقوع الإنسان في الخطيئة، العبوديّة، الهجرة، المعاناة، هي في نهاية المطاف الانعتاق والحرية أعطت للبيض والزنوج في أمريكا دوافع مهمّة للأمل.

بيّن الباحث، من خلال هذه الورقة العلميّة، أنّ البيض قد وظّفوا روايات التوراة لتوضيح وتبرير منزلتهم كشعب الله المختار في الأرض الموعودة الأمريكيّة في حين استعمل زنوج الولايات المتحدة الأمريكيّة حكايات التوراة لإعطاء معنى لعمليات تأسيس معيّنة مثل الممر الأوسط، العبوديّة، التحرّر، والحراك من أجل الحقوق المدنيّة.

وقد بيّن الباحث من خلال هذه الورقة أنّ معنى أو معاني حكايات الكتاب المقدّس مثلها مثل معنى أو معاني الحكايات الدنيويّة أو الأعمال الفنيّة هي نتاج قياس تاريخي وإديولوجي الظرف التاريخي والثقافي مثله مثل الأجندات العرقيّة السياسيّة، داخليّة كانت أو خارجيّة، يحدّد المعاني التي وجدها أو اجتهد في إيجادها وتوظيفها البيض والسود في الروايات التوراتيّة.

أمّا الجلسة العلمية الرابعة فقد ترأستها الأستاذة آسيا شكيرب (جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الأسلامية/ الجزائر) وشارك فيها كلّ من الأستاذ نادر جمعة قاسم والأستاذة أميرة قرامي والأستاذة هدى بحروني والأستاذ هشام امباركي.

قدّمت الأستاذة أميرة قرامي(جامعة القيروان/تونس) ورقة علميّة بعنوان “خلق الكون في المهابهاراتا” درست من خلالها مسألة خلق الكون في الديانة الهندوسيّة من خلال أحد الكتب المقدّسة الهنديّة “المهابهاراتا”، وبيّنت الباحثة من خلال ذلك مدى حضور الأسطورة في قصّة خلق الكون الهندوسيّة. وقد قامت الباحثة باستقراء أهمّ مكوّناتها الأسطوريّة وأبرزت مدى مساهمتها في تشكّل صورة الكون، فوصلت من خلال ذلك إلى الكشف عن طبيعة العلاقة بين الدين والأسطورة في الهندوسيّة.

أمّا الأستاذ نادر جمعة قاسم (جامعة النجاح الوطنيّة/فلسطين) فقد قرأ ورقة بحثيّة بعنوان “قصّة قايين وهابيل التوراتيّة-دراسة تحليليّة (لغويّة وتاريخيّة واجتماعيّة وأسطوريّة) في ضوء نقد النص الديني”، وهي دراسة تحليليّة لقصّة أوّل قاتل لأخيه التوراتيّة من وجهة النظر اللغوية والتاريخيّة-الحضاريّة والأسطوريّة (التكوين 4:1-17) وقد بيّن أنّ المضمون الاجتماعي لتلك القصّة يكمن في في أنّها ظهرت على ملتقى نمطين اقتصاديين كبيرين، النمط الاقتصادي الرعوي القديم، والنمط الاقتصادي الجديد، فيظهر فيها انعكاس لعلاقات الرعويين تجاه التغييرات الجديدة في نمط حياتهم وكذلك انتصار المجتمعات الزراعيّة على المجتمعات الرعويّة من وجهة نقد الفكر الديني. تناول الباحث بالدراسة قصّة قايين وهابيل من منظور الدراسات الأسطوريّة وذلك بالعودة إلى الأساطير القديمة عند مختلف الأمم والحضارات ومقاربتها بقصّة قايين وهابيل التوراتيّة في ضوء نقد النص الديني.

وقدّمت الباحثة هدى بحروني (جامعة القيروان/تونس) مداخلة بعنوان “أسطورتا الخلق والخطيئة البدئيّة بين “العهد القديم” و”القرآن الكريم”: الثابت والمتحوّل” عملت من خلالها على الإجابة عن بعض الأسئلة من ذلك: ما الأسطورة؟ هل هي مجرّد أوهام ولّدها الخيال البشري أم رؤية من رؤى الكون مثقلة بالدلالات والمعاني؟وما علاقتها بالنص المقدّس؟ هل هي نقيض له أم هي مكوّن من مكوناته؟

وقد بيّنت الباحثة من خلال هذه الورقة العلميّة أنّ الأساطير المتعلّقة بالخلق والتكوين قد مثّلت خيطا ناظما بين النصوص المقدّسة وخاصّة بين “العهد القديم” و”القرآن الكريم” وخلقت مدار تقاطع بينها بما جعلها تبدو أحيانا تنويعات مختلفة لنصّ واحد. فكلا النصين قد سرد على متقبّليه مراحل نشأة الكون ودور الإنسان الذي خلقه الله من تراب، في الانتقال من الزمن المقدّس الذي كان ينعم فيه بما منحه الله من خيرات الجنّة إلى الزمن الدنيوي الذي عرف فيه حياة الضنك والنصب خارج الجنّة بعد ارتكابها خطيئة العصيان وسقط في حبال الغواية.

وقد درست الباحثة أسطورتيْ الخلق والخطيئة الأولى في كلّ من “العهد الجديد” و”القرآن الكريم” فوقفت على أوجه التشابه وأوجه الاختلاف بينهما سواء على مستوى الخصائص الفنيّة أو على مستوى المضامين والدلالات الرمزيّة.

أمّا الباحث هشام مباركي(جامعة فاس/المغرب) فقد ساهم في هذه الجلسة العلميّة بورقة علميّة عنوانها “الصبغة الأسطوريّة في التوراة ، قصّة شجرة الحياة أنموذجا.” بيّن من خلالها أنّ قصّة شجرة الحياة، شأنها شأن قصّة الطوفان وبرج بابل، قد شكّلت قاسما مشتركا بين الأسطورة والدين، إذ ترد في ملاحم الكثير من الحضارات القديمة والحكايات الشعبيّة للشعوب البدائيّة والقبائل المغمورة رغم تباين التصوّرات لماهيتها وحقيقتها كما هو الشأن عند السومريين والأكاديين والبابليين والفراعنة والنورديين والصينيين وقبائل الإنكا والمايا والأزتيك. بيّن الباحث أنّ التوراة قد عرضت قصّة شجرة الحياة تحديدا في الإصحاحين الثاني والثالث، حيث تكشف عن ملابسات حادثة سقوط الإنسان وحنينه إلى الفردوس المفقود. وقد استنبط علماء اليهود من القصّة التوراتيّة المذكورة منذ العصور المبكّرة تأويلات مختلفة كان لها أثرها الكبير في الديانة اليهوديّة في مجال العقيدة والشريعة والتصوّف والفلسفة.

بيّن الباحث من خلال مداخلته أنّه بين الرؤيتين الأسطوريّة والدينيّة لقصّة شجرة الحياة، تتضح العناوين العريضة التي تعدّ أبرز السمات المشتركة بينها، إذ أنّ شجرة الحياة في الملاحم الأسطوريّة والنصوص الدينيّة التوراتيّة هي مسكن للآلهة ومشدّدة بالحراسة ورمز للسعادة والنعيم وسرّ من أسرار الخلود والأبديّة وذات بعد كوني كما لو كانت ملهمة للطقوس التعبديّة وبين هذا وذاك تبرز الإشكاليات والتساؤلات والفرضيات حول طبيعة العلاقة بين الأسطورة والدّين.

وقد عقب هذه الجلسة العلميّة الرابعة حلقة نقاش موسّعة حاور من خلالها الحضور أصحاب المداخلات في الجلسة العلميّة الثالثة كما الرابعة. وقد ساهمت في مزيد إغناء الجلستين العلميّتين ومزيد تعميق المباحث المتناولة.

تدخّل الأستاذ إحسان الديك مسائلا الباحثة هدى بحروني قائلا:هل سيّدنا آدم هو الخلقُ الأوّل أم قبله خلقٌ آخر؟. في حين تدخّل الأستاذ محمد بلبشير داعيا إلى ضرورة توضيح المنهج المعتمد في دراسة النصوص وخاصة النص القرآني مسائلا هدى بحروني :أي آلهة من الآلهة اليهوديّة لها شبه بالله؟ أمّا بالنسب للأستاد سعيد كفايتي فقد تدخّل  فأثرى ما قُدّم في الجلسات العلميّة فدعانا، عند دراسة التوراة، إلى ضرورة الانتباه إلى أنّه يوجد أسفار أخرى لا تعترف بها لا اليهوديّة ولا بعض المذاهب والطوائف المسيحيّة وهو ما يعبّر عنه بالأسفار المنحولة. كما دعانا إلى ضرورة العودة إلى الشروح والتفاسير والفلسفة في دراسة التوراة. أمّا الأستاذ تامر مصطفى فقد ساهم في حلقة النقاش بتدخّل رشيق حاور فيه الأستاذ محمد كريفة قائلا:كيف يمكن السيطرة على مسألة الاعتماد على الأساطير في ترجمة النص القرآني ولا سيّما أنّ الأسطورة تعتمد على فكرة عودة المعنى، أي أنّ المعنى يذهب فينا ويعود بناء على طبائع الترجمة وايديولوجيا المترجم؟ كما علّق الأستاذ تامر على ما قرأته الأستاذة حليمة خلوات قائلا إنّ واقع الأسطورة في الفكر العربي الإسلامي يعتمد على منهجيّة الخوف التي تولّدت من التفسيرات السطحيّة التي أتى بها مفسّروا هذه الأساطير. وتدخّل الباحث فتحي المسكيني متسائلا عن الرهان الحقيقي ممّا قُدّم، كيف تتفاعل أسطورة الحياة والموت مع الواقع. داعيا إلى ضرورة البحث عن تجسيد لهذه الأسطورة في الواقع. وكذلك تدخّلت الباحثة زهراء البرقعاوي متوجّهة بالسؤال إلى الأستاذ محمد كريفة عن إمكانيّة ترجمة النص القرآني كما ورد، هل يمكن للمترجم أن يترجم ذلك دون ذكر الماهية التي سكت عنها النص القرآني؟ أمّا الأستاذ حمادي المسعودي فقد تدخّل في ختام النقاش فأثرى ما قُدّم من مداخلات وساءل الباحث هشام امباركي حول عودته إلى الحضارات القديمة في الحديث عن شجرة الحياة دون العودة إلى النص القرآني.

ثمّ كانت ردود المحاضرين أكثر ثراء لما قدّم، فقد تفضّل محمد كريفة بالإجابة عمّا قُدّم له من استفسارات حول كيفيّة اشتغال الأسطورة في تأثيرها في نفس الإنسان، فرأى أنّ الأسطورة لها من القوّة ما قد يغيّب العقل فتفعل فعلها في الإنسان. أمّا الباحثة أميرة القرامي فقد وضّحت أنّه لا يمكن الفصل بين الأسطوري والدّيني. وكذلك الباحثة هدى بحروني تفاعلت مع ما وجّه لها من ملاحظات، فبيّنت أنّ الجنّة في العهد القديم هي جنّة أرضيّة. وتفاعلا مع الأستاذ محمد بلبشير وضّحت الباحثة هدى بحروني أنّ الهيمنة الذكوريّة تظهر من خلال لاحقيّة خلق حواء بعد آدم وكذلك من خلال العقوبة التي وجّهها العهد القديم لحواء بعدما أخطأت وهي عسر الولادة والخضوع الأبدي لآدم. أمّا الأستاذ هشام مباركي فقد تفاعل مع ما قُدّم له من ملاحظات فبيّن أنّ شجرة الحياة في القرآن لا تتوفّر على القواسم المشتركة خلافا للأساطير والنص التوراتي، فقد بيّن أنّ الشجرة في القرآن ليست مسكنا للآلهة وليست مشدّدة بالحراسة وليست ملهمة للطقوس الدينيّة وليست شجرة كونيّة وليست سرّا للسعادة كما أنّ الخالق لم يصفها بأنّها شجرة حياة. وهذه القواسم المشتركة والمواصفات كلّها موجودة في شجرة الحياة في الأساطير القديمة والتوراة.

أمّا في اليوم الثاني من أشغال الندوة فقد تم افتتاح الجلسة العلمية الأولى، وهي الجلسة العلميّة الخامسة من جلسات الندوة على الساعة التاسعة صباحا برئاسة الأستاذ يوسف الإدريسي(جامعة مراكش/المغرب) وشارك فيها كلّ من الأستاذة هاجر المنصوري والأستاذ حكيم كريدي السلطاني والأستاذ الساسي بن محمد الضيفاوي والأستاذة نافجة عبد الملك.

قدّمت الأستاذة هاجر المنصوري (جامعة منوبة/تونس) بحثا بعنوان “المرأة بين الأسطورة ومتخيّل بدء الخلق في الخطاب الديني الإمامي” وقد جاءت ورقتها هذه في إطار البحث عن طرق اشتغال المتخيّل الإسلامي لدى أصحاب الفرقة الإماميّة الاثني عشريّة وفي الآليات التي بواسطتها ينتج الإماميّة خطابهم عن المرأة في الحضارة العربيّة قديما. وقد تناولت الباحثة مسألة بدء الخلق وذلك وفق مرحلتين، أوّلا دراسة مظاهر المتخيّل، وثانيا النظر في طرق إنتاج المتخيّل من خلال اهتمامنا بقراءته الزمانيّة وتحديد مرجعيّاته الأسطوريّة.

وقد قسّمت الباحثة ورقتها إلى محورين اهتمّت في الأوّل بتحديد المفاهيم بين اللغة والاصطلاح “الأسطورة” و”المتخيّل” في”الخطاب الديني الإمامي”. في حين اهتمّت في الثاني بالبحث عن منزلة المرأة في متخيّل بدء الخلق في الخطاب الإمامي “ظاهر متخيّل بدء الخلق”، و”مراجع متخيّل بدء الخلق الأسطوريّة وحدود ثباتها وتحوّلها”، وتوظيف أسطورة حواء وضلعها الأعوج”.

أمّا بالنسبة إلى الأستاذ الساسي الضيفاوي(جامعة سوسة/تونس) فقد قدّم ورقة بحثيّة بعنوان “أصحاب الفيل وتحوّلاتها الأسطوريّة” أراد من خلال وضع أصحاب الفيل تحت المجهر من خلال الإجابة عن سؤال “من هم أصحاب الفيل وقد ورد ذكرهم في النص القرآني مبهما وغامضا؟” ثم حاول الإجابة عن التساؤل القائل “متى وأين وقعت هذه الواقعة؟ ولماذا وقعت وما هي تداعياتها؟ وماهي الأطراف المشاركة في هذه الحادثة.؟

وساهم الأستاذ حكيم السلطاني( جامعة الشيخ الطوسي/العراق) بمقالة عنوانها “التناص القصصي (الأسطوري)في الخطاب القرآني” بيّن من خلالها أهميّة الأساطير في تصوّر المجتمعات بما هي رموز تأسيسيّة تسهم في تشكيل خطاباته. وقد بيّن لنا أنّ بنية الأساطير تختلف عن بنية القصص القرآني، مشيرا إلى أنّ حضور الأسطورة في النص القرآني قد اكتنز ثلاث محاولات لقراءته:

-القراءة الأولى: وهي القراءة الرسميّة الدينيّة، والتي يمكن أن نطلق عليها (التباينيّة) فلم يقل واحد من المفسّرين أو علماء القرآن بوجود القصّة الأسطوريّة في القرآن بل نجد نفورا من لفظة الأسطورة. أمّا القراءة الثانية فقد أطلق عليها تسمية (التقاربيّة) وهي محاولة الدكتور سعيد الغانمي الذي يرى أنّ ليس بين الأسطورة والقصص، من حيث الشكل البنائي من فرق، لكن الفرق بينهما يكمن في المحتوى الايديولوجي، أو الرسالة الأخلاقيّة أو الاجتماعيّة لكلّ منهما. في حين أنّ القراءة الثالثة، وهي تمثّل قراءة الحداثيين، قد أطلق عليها (التداخليّة) وهي التي تثبت التداخل النصّاني بين القصص القرآني والأساطير القديمة.

أراد الباحث من خلال هذه الورقة العلميّة التأسيس لقراءة رابعة  قد سمّاها بـ (التجاوزيّة) وهذه القراءة، في نظر الباحث، لا تؤسّس للانقطاع ولا للتقارب ولا للاتصال بل للتجاوز، وذلك باستيعاب النصوص والأقوال السابقة تمهيدا للإتيان بخلق جديد، وهو ما سعى إلى إثباته من خلال هذه الورقة.

أمّا بالنسبة إلى الأستاذة نافجة عبد الملك (الجزائر) فقد ساهمت بورقة بحثيّة عنوانها  “تحيين الأساطير في طقوس الزواج” بحثت من خلالها عن وظائف الأسطورة ومظاهر تجلّياتها في الكثير من طقوس الزواج وقد خصّت بالبحث مدينة تبسّة بالجزائر، مجيبة بذلك عن سؤال: ما هي وظائف الأسطورة وكيف تتجلّى في بعض طقوس الزواج؟

أمّا الجلسة العلمية السادسة فقد كانت برئاسة الأستاذ إحسان يعقوب الديك (فلسطين) وشارك فيها كلّ من الأستاذ سعيد كفايتي والأستاذة زهراء البرقعاوي والأستاذ عبد الرزاق الدغري والأستاذ عادل بحرون.

فشارك الأستاذ سعيد كفايتي (جامعة فاس/المغرب) بورقة علميّة عنوانها “قصّة أبناء الله وبنات الناس ما بين النص التوراتي ومؤثّرات الأساطير الشرقيّة القديمة” بيّن لنا من خلالها أنّ قصّة أبناء الله وبنات الناس تجسّد في الإصحاح السادس من سفر التكوين (من1إلى 4) التداخل بين ما هو ديني عقدي وما هو أسطوري. وبيّن كذلك أنّ هذه القصّة تثير عديد الإشكالات نظرا لأنّها تتناول واقعة ملغزة من النمط الأسطوري التي يُجهل ، على وجه التحدي، مصدرها الحقيقي حتى وإن كان لها نظائر في أساطير الشرق القديم واليونان. وقد أجاب الباحث عن جملة من الإشكالات من ذلك:

من هم أبناء الله وبنات الناس؟ هل يتعلّق الأمر إذن بالآلهة وأنصاف الآلهة أو ملائكة أو رجال من نسل شيت أو ملوك  أو رجال أقوياء فقط؟ وما هي تأثيرات الأساطير الشرقيّة في القصّة التوراتيّة التي تندرج ضمن ما يسمّى بالزواج الإلهي أو الزواج المقدّس؟ ومن هم العمالقة أو الجبابرة، هذه الكائنات الغريبة في شكلها وأوصافها، الذين كانوا ثمرة هذا الزواج الفريد من نوعه؟

وساهمت الأستاذة زهراء البرقعاوي (العراق) بورقة عنوانها “العجائبي في النص القرآني دراسة إعلاميّة نصيّة” بيّنت فيها استعمال الخطاب القرآني أسلوب الخروج عن المألوف كأساس من أسس تحقّق الإعلامية في النص، فالحدث العجيب والغريب يثير دهشة في نفس المتلقي.
وقد بيّنت الباحثة أنّ العجائبية سمة من سمات الإعلامية، فهي قائمة على الغريب غير المألوف، إذ يصاحب المتلقي دهشة وحيرة بخفاء سبب المعنى عليه. ولذلك عُدّ العجيب بكونه لا يكون قابلاً للتفسير، فإن الحكاية العجيبة ((سرد قصصي يروي أحداثاً ووقائع حافلة بالمبالغة يصعب تصديقها))، أو هو ما يختلط فيه الواقع بغرائب الأحداث وبخفايا الأسرار وبالرؤى المشوشة التي لا تخضع لسلطان المنطق والعقل والمألوف .

ووقفت الباحثة على جملة من استعمالات الخطاب القرآني للعجائبي، من ذلك بعض الأحداث والشخصيات التي يراها المتلقي خارج حدود الأسباب الطبيعية فهي خارجة عن حدود المألوف لديه، وهذا يُدخلها في حيّز العجائبي عند المتلقي. مثل أحداث تحوّل عصا موسى إلى أفعى، وانفلاق البحر لموسى، وإخراج يد موسى بيضاء، وتسخير الريح لسليمان، وإحضار عرش بلقيس، وولادة عيسى من غير أب، والإسراء والمعراج، وأصحاب الكهف، وذي القرنين.

أمّا الباحث عبد الرزاق الدغري (جامعة القيروان/تونس) فقد قدّم ورقة علميّة بعنوان “أسطورة أهل الكهف من النّص المقدّس إلى نماذج من التفسير الشيعي.” وقد عرض في هذه  المداخلة أشكال توظيف الأسطورة في التّفسير الشيعي، فوضّح مظاهر انزياحها عن النّصوص المقدّسة الكتابية. لقد نقل المفسّرون القصّة وتعمّقوا في تحليل مقاطعها، فتوافق التفسير مع القرآن في عدّة جوانب تخصّ العناصر القصصية لكنّه أعاد تلقّي النّص الأسطوري، فكان للأسطورة وظيفة دينية هدفت إلى الكشف عن العقائد الشيعية الإمامية والاستدلال عليها ورسم واقع الشيعة ومشاغلهم. وأطنب المخيال في توظيف الرموز التاريخية والدينية، ومكّن التأويل من إحداث وظيفة سياسية جديدة لأسطورة أهل الكهف جسّمت ملامح الصّراع بين الشيعة وأهل السنة وعبّرت عن آمال المفسّرين ومطامحهم، فقد أضافوا رموزًا أسطورية سياسية تعلّقت بالصّحابة والفضاءات الزمانية والمكانية المقدسة وبأحداث متوقّعة وعجيبة أثبتت كرامات الأولياء ودعّمت شرعيّة إمامة آل البيت ونصرتهم على أعدائهم ومخالفيهم، وصار نص التفسير بذلك، شاهدا على أفق توقّع المتلقي وما يريد أن يبلّغه من المعاني.

أمّا الأستاذ عادل بحرون (جامعة القيروان/تونس) فقد قدّم ورقة علميّة عنوانها “لمقدس والأسطوري في مسرحية يوجين أونيل
Mourning Becomes Electra (1931)” وفيها تناول إشكاليّة التداخل بين ما هو مقدّس وما هو أسطوري وكانت المداخلة باللسان الأنجليزي.

وقد عقب هذه الجلسة حلقة نقاش موسّعة شملت مداخلات الجلستين الخامسة والسادسة. وأثار النقاش عديد القضايا والإشكالات وكانت الردود أكثر عمقا وتوسّعا من التساؤلات.

أثارت مداخلة الأستاذ ساسي الضيفاوي نقاشا موسّعا، فقد سألته الطالبة عفيفة الضاوي عن دور النواة التاريخيّة في تشكيل النص القرآني .في حين تساءلت هدى بحروني عن كيفيّة ارتحال أسطورة الفيل من القرآن إلى النصوص الحواف، بما أنّ الفيل هو شخصيّة أسطوريّة  طوطميّة، هل يمكن أن يوثّق العرى بين الثقافة الإسلاميّة وغيرها من الثقافات الأخرى. أمّا الباحثة نجاة ذويب فقد سألت الأستاذة نافجة عبد الملك عن رمزيّة الدّم في علاقات الزواج، في حين تدخّل الباحث فتحي المسكيني مسائلا الأستاذة زهراء عن سبب الحديث عن العجيب بنفس مستوى الأسطوري في حين أنّ العجيب هو ركن من أركان الأسطورة، وتساءل أيضا عن سبب عودة مختلف الفنون والأدب  اليوم  إلى استلهام الأسطورة. توجّه المسكيني كذلك بالسؤال إلى الأستاذ ساسي الضيفاوي عن كيفيّة ارتحال أسطورة أصحاب الفيل من نصّ المقدّس إلى نصوص حوافّ.أمّا الباحثة زهرة الثابت فقد سألت الأستاذة زهراء البرقعاوي عن الحدّ الفاصل بين الأسطوري والعجائبي. في حين سأل الأستاذ تامر مصطفى الأستاذة زهراء البرقعاوي عن آليات التفريق بين العجيب في النص الأدبي والنصوص المقدّسة. وقد ساهمت جملة هذه الأسئلة في إغناء ما قُدّم، ثمّ أتت بعد ذلك ردود الأساتذة المحاضرين فزانت في إغناء ما قيل. فتكلّمت الأستاذة هاجر المنصوري تفاعلا مع ما وُجّه إليها من أسئلة داعية إلى ضرورة إلغاء التصوّر والتمثّل السابق للمرأة وإنشاء تمثّل جديد يعلي من قيمتها. أمّا زهراء البرقعاوي فقد بيّنت من خلال ردّها على ما وُجّه إليها من أسئلة أنّ العجائبي قد يتغيّر من زمن إلى أخر وبيّنت الحدّ الفاصل بين العجائبي والأسطوري، فالعجائبي مبنيّ على لحظة الانبهار التي تصيب المتلقي دون النظر في الماورائيات، هل هذا الحدث هو واقعي أم غير واقعي. في حين أنّ الأستاذ ساسي الضيفاوي وتفاعلا مع الملاحظات والأسئلة التي وُجّهت إليه بيّن أنّ الأسطورة هي مفهوم أمّا ما تناسل منه فهو مصطلحات وبأنّ الكتب الحواف قد تغيّب النص الأصلي المؤسّس. وتمكّن الأستاذ عبد الرزاق الدغري في حلقة النقاش من إغناء ما ألقاه على مسامعنا أثناء المداخلة فبيّن لنا أنّ الفكر الشيعي القديم قد خلق جهازا اصطلاحيا ومفهوميا يخصّه للتعبير عن عقائده لكنّه قد ضمّنه ما يريد أن يعبّر عنه من عقائد وأفكار دينية مثل التراث الفكري، وبيّن أنّ مصطلح “الرجعة” هو مصطلح ذو طابع مذهبي يدلّ على نصرة آل البيت على أعدائهم.

أمّا الجلسة العلميّة السابعة فقد ترأسها الأستاذ محسن التليلي (جامعة سوسة/تونس) وشارك فيها كلّ من الأستاذة أسماء خوالديّة والأستاذة نجاة ذويب والأستاذ رضا كرعاني والأستاذ محمد علي الموساوي.

قدّمت الأستاذة أسماء خوالديّة (جامعة القيروان/تونس) مداخلة بعنوان “الفعل الخارق في الكرامة الصوفيّة بين الأسطوري والتخييلي” بيّنت من خلالها أنّ الأسطوري في الكرامات قد تحوّل إلى أنساق مألوفة، بل تقليديّة، تناقلتها الأجيال مشافهة، ولاحقا صاغها القصاّص في أبهى الحلل الفنيّة الممكنة وأقوى الصيغ تأثيرا في النفوس فتراوح فيها الأسطوري بين البسيط والمستغلق.

وبيّنت الباحثة أنّ الأسطوري في الكرامة هو مفهوم جامع لما هو “طقسي”(الأفعال) وما هو تكويني (الخلق والإحياء)وما هو تعليلي (شرح بعض الظواهر) وما هو رمزي (الرموز والطلاسم)، وهو إلى ذلك كلّه يقدّم الوليّ بطلا خارقا، تطيعه الجنّ، ويرمي يده في الهواء فتتناثر عليه دراهم القدرة…

وبيّنت الباحثة أنّ الطقس الأسطوري هو استجابة لدوافع الفضول والتطلّع من جانب المتلقّي، لذلك اعتبرته من الجانب الصوفي استجابة لضرورة عمليّة، أو مأزق طارئ كسبا للتأييد وردا للشبهات. وقد خلصت الباحثة إلى أنّ الأسطوري في الكرامة قد كان سبيلا إلى التأييد والتحسين حينا والتزييف والقبيح أحيانا أخرى.

أمّا الباحث محمد علي الموساوي (جامعة منوبة/تونس) فقد قدّم ورقة علمية عنوانها ” الأسطورة الشخصيّة في الشعر العربي المعاصر، الرحيل في شعر محمود درويش أنموذجا”، بيّن من خلالها أنّ حضور الأسطورة في الشعر العربي المعاصر قد طوّر استخدام الأسطورة إلى ما يُعرف بالأسطورة الشخصيّة عندما تُستجلب من سياقاتها الميثولوجيّة القديمة، وتكفّ عن الارتباط بتجربة موضوعيّة جماعيّة، لترتبط وثيقا بتجربة الشاعر الذاتيّة، وهو إجراء فنّي يتمّ بالعود المنتظم في تجربة شعريّة ما إلى أسطورة بعينها أو أساطير متحرّكة في حقل دلالي واحد.

وبيّن الباحث أنّ بعض نصوص درويش تكشف عن نزوع إلى هذا الضرب من استخدام الأسطورة، فإذا سعى إلى صياغة تجربة رحيله الموضوعيّة صياغة شعريّة، صنع منها أسطورة شخصيّة تستدعي من خلال مؤشّراتها أسلوبيّة أحكم الشاعر دسّها في ثنايا خطابه.

أمّا الباحثة نجاة ذويب (جامعة القيروان/تونس) فقد ساهمت بورقة علميّة عنوانها “الأسطوري في الروائي سبع صبايا لصلاح الدين بوجاه نموذجا” بيّنت من خلالها مكانة الأسطورة في النص الروائي ودورها في خلق عوالم جديدة مكّنت الرواية من شقّ طريق جديد في نسج الخطاب..وقد بيّنت الباحثة من خلال دراستها لرواية سبع صبايا مدى تواشج الحكاية الشعبية مع الروائي لتنسج في النهاية خطابا أقرب إلى الأسطورة نظرا إلى الصبغة الأسطوريّة التي أضفاها بوجاه على شخصياته وعلى أطره المكانية والزمانيّة وكذا رمزية بعض الشخصيات التي ساهمت في بعث النفس الأسطوري في الخطاب الروائي..ودرست الباحثة أيضا أسطورة الخلق والتكوين التي استدعاها بوجاه في نصّه الروائي لتجعل من ذلك فعل الخلق الذي يمارسه بوجاه على الكتابة من خلال حسن اختياره إمكانات اللغة والعمل على إيقاظ الأساطير النائمة في الكلمات فالنزوع الأسطوري  يمثّل إحدى أهم العلامات المميزة للتجارب الروائية الحديثة.

وشارك الباحث رضا كرعاني (جامعة القيروان/تونس) بمداخلة عنوانها “علاقة أهل مكّة بنصوص المسيحيين المقدّسة في الجاهليّة” بيّن من خلالها أنّ أهل مكّة من الوثنيين يعرفون نصوص المسيحيّة المقدّسة، وكانوا يمتلكون نسخا منها مكتوبة بأحرف عربيّة في قراطيس، وقد أخذوا هذه النصوص من أهل الحيرة كما أخذوا عنهم الكتابة، ووظّف أهل مكّة نصوص المسيحيّة المقدّسة في جدالهم للنبي محمد.

أمّا الجلسة العلميّة الثامنة فقد ترأّسها الأستاذ تامر محمد فايز مصطفى (جامعة القاهرة/مصر) وشارك فيها كلّ من  الأستاذة رجاء بن منصور والأستاذة آسيا شكيرب والأستاذ نزار حبوبة والأستاذة دلال شيباني.

تدخّلت الأستاذة رجاء بن منصور (جامعة البليدة2/جزائريّة) فقرأت ورقة علميّة بعنوان “من الأسطورة الدينيّة إلى الأسطورة الأدبيّة.” بيّنت لنا فيها مدى تداخل الأدب والأسطورة، إلى حدّ قد يصل إلى تبادل الأدوار ببعض التحفّظ في لعبة الدخول إلى دائرة المقدس أو الخروج منها. فأي أسطورة قد تكون في دائرة المقدّس في كتاب ما، وفي دائرة اللامقدّس في كتاب آخر، وبهذا تهبط إلى مستوى القصّة غير المقدّسة. وتدخل في حيّز الأدب.

فإذا كانت الأسطورة شكلا من أشكال النشاط الفكري فهي بهذا المعنى تلتقي بالأدب بوصفه نشاطا فكريا أيضا. وقد بيّنت الباحثة أنّ الأدب هو الحافظ الأوّل للأساطير التي وصلتنا اليوم. ومن خلال تعامل الأدب مع الأسطورة وتداخله معها باحتضانها وتحويرها نتج صنف جديد ما بين الأسطورة والأدب هو “الأسطورة الأدبيّة” التي أصبحت تعرف بأنّها المواضيع الأدبيّة التي تحمل سمات أسطوريّة .

أمّا الأستاذة آسيا شكيرب (جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية/الجزائر) فقد قدّمت ورقة بحثيّة عنوانها ” أسطورة الخلاص المسياني في العهد القديم والكتابات الأبوكاليبسية-دراسة تحليليّة نقدية”، بيّنت من خلالها أنّ العهد القديم والأدب الأبوكاليبسي يحتوي العديد من الأساطير ، ركّزت بعضها على عقيدة الخلاص التي تعتبر أحد الأصول الراسخة في العقيدة اليهوديّة، إذ تقوم على الاعتقاد بشخص محوري يقوم بإشاعة السّلام ومحاربة الشرّ والانتقال بالبشريّة من وضعها المزري إلى حالة الأبديّة.

ترى الباحثة أنّ هذه الأسطورة قد وُظّفت توظيفا سياسيا من قبل الصهيونيّة، وكانت هذه العقيدة بمثابة الوقود الذي حرّك بعض الحركات ودفعها إلى الحقل السياسي بحثا لها عن دور يفعّل مجيئا لميسيا ويعجّل به ويخلّص الشعب اليهودي، وينتقل به إلى حالة أفضل يكون فيها هو المسيطر على العالم. وقد خلُصت الباحثة إلى أنّ أسطورة الخلاص المسياني قد ظلّت فاعلة في حاضر اليهود، فلم تكن أحرفا سُطِّرت في زمن تاريخي غابر، بل أصبحت نصوصا مقدّسة سعى اليهود إلى تجسيدها واقعا بكلّ الطرق.

أمّا الباحث نزار حبوبة (جامعة تونس/تونس) فقد شارك بورقة بحثيّة عنوانها “رحيل الأساطير:المقدّس الديني والدهشة الأدبيّة”، عمل من خلالها على بيان سمة الحركيّة أو الجدليّة التي تميّز الخطاب الأسطوري، وهي تحديدا الرحيل أو الهجرة في الآفاق الزمانيّة والمكانيّة والخطابيّة. وتتجلّى تحديدا في الإبانة عن المقدّس الديني الماثل في زمن البدايات والأصول والنهايات والمتعالي والطقوس والكائنات اللامرئيّة، وفي الإعراب عن الدهشة الأدبيّة الحاصلة من تجاوز التناقضات ومن الاتحاد بين العوالم المتباعدة، وبين العقل والخيال والمنطق والغريب والعجيب. أمّا ما يفسّر تلك السمة فقد حصرناه في الرمزيّة الأسطوريّة واضطلاع الأساطير بالتعبير عن الحقيقة بل الحقائق المتّصلة بالإنسان والمجتمع والكون. بيّن الباحث أنّ خطاب الأساطير عابر للفضاء وينهض بوظيفتي الإفادة أوالتعبير والإمتاع  أو السحر، فقد تحوّلت الأساطير في هجرتها من النص الديني إلى النص الأدبي من مجرّد محاكاة لروايتها الأولى إلى ظاهرة تأويليّة تدرك بكيفيات جماليّة مختلفة بل متمايزة.

أمّا الباحثة دلال الشيباني (جامعة محمد خيضر/الجزائر) فقد تقدّمت بورقة بحثية عنوانها “أسطورة الماء بين الحضارات القديمة والكتب المقدّسة(جلجامش والتوراة أنموذجا) بيّنت من خلالها أنّ العنصر المائي أو المحيط الأزلي عامل مشترك في جُلّ أساطير الخليقة في العالم كلّه. ففي الحضارة المصريّة نجد “نون” الذي يمثّل العدم أو الفوضى أو ما يسمّى بالواحد القديم فهو المياه الأولى في الأزمنة الغابرة أي المبدأ والأصل الأوّل الذي تكوّنت منه الأشياء وحتى في عناصر الخلق نلاحظ أسطورة تامون الأشمونين تبدأ بعناصر الماء ثم الهواء ثم السماء. وبيّنت الباحثة أنّ الماء يحمل دلالات فهو كذلك يبعث الموت والدمار إذا ما تحوّل إلى طوفان عظيم. وبيّنت الباحثة أنّ العديد من العلماء قد توصّلوا إلى أنّ ما تضمّنته العديد من قصص وشرائع إنّما يرجع إلى مثيلات له في المدوّنة السومريّة والبابليّة وغيرها وأنّ اليهود قد اقتبسوا منها ما هو جدير بما احتواه تاريخهم وقد سعت إلى توضيح هذه النقطة من خلال الوقوف عند أوجه الشبه والاختلاف فيما يخصّ قصّة أو أسطورة الطوفان بين التوراة وملحمة جلجامش.

وقد عقبت هاتين الجلستين حلقة نقاش موسّعة ساهم فيها عديد الباحثين. وكان ردود الأساتذة المحاضرين أكثر عمقا. فقد تفضّلت الأستاذة أسماء بالرّد على ما قدّم لها من أسئلة مبيّنة أنّ الأسطورة هي صفة جامعة تخلّلت جميع الفنون والكرامات لم تكن بمنأى عن ذلك. وميّزت الباحثة بين الولي والساحر فبيّنت أنّ الولي صلته بالله في حين أنّ الساحر صلته بالقوى الغيبيّة، وتفريقا بين المعجزة والكرامة بيّنت الباحثة أنّ الأصل في المعجزة هو الإظهار وهي أمارة تكليف في حين أنّ الأصل في الكرامة هو الإضمار خصيصة الأولياء فهو أمارة المنّة الخاصّة. أمّا الأستاذة نجاة ذويب وتفاعلا ما وُجّه لها من أسئلة فقد بيّنت أنّ بوجاه لم يوظّف الحكاية الشعبيّة كما هي إنّما وظّفها توظيفا ديناميكيا فكان كثير المراوغة وهو يراود هذه الأسطورة حيث جعل الصبايا تسع صبايا عوضا عن سبع صبايا، وجعل الكلب رمز الرذيلة بعدما  كان رمز الوفاء في الحكاية الشعبية. وبيّنت الباحثة أنّ بوجاه قد أضفى طابع الأسطورة على شخصيات قد استقاها من نص الحكاية الشعبيّة فأضحى  نصه ذا طابع أسطوري الأمر الذي جعلنا نتحدّث عن أسطرة نص بوجاه. أمّا الأستاذة رجاء بن منصور فقد تفاعلت مع ما وُجّه لها إليها أسئلة، فبيّنت أنّ اليهود قد تمثّلوا أساطيرهم في حين فشل العرب في ذلك، وقد ردّت ذلك إلى قلّة درجة ذكاء المسلمين مقارنة  باليهود، مبيّنة بذلك قوّة الأسطورة وقدرتها على التحكّم في عقول الشعوب.

أمّا الجلسة العلميّة التاسعة فقد كانت صباح اليوم الثالث من أشغال الندوة برئاسة الأستاذ محمد بن محمد الخبو (جامعة صفاقس/تونس) وقد شارك فيها كلّ من الأستاذ محمد بوزنكاض والأستاذ محمد بلبشير والأستاذة إيمان الغربي.

قرأت الأستاذة إيمان الغربي (جامعة تونس/تونس)ورقة علميّة بعنوان “توظيف التراث القصصي في كتاب “التيجان في ملوك حمير” لوهب بن منبّه”، نظرت من خلالها في مختلف الأشكال القصصية التي حضرت في مصنّف ابن منبّه. وقد عملت الباحثة من خلال هذه الورقة على رصد مصطلح التوظيف ثمّ تطرّقت إلى تحديد مختلف أشكال الموروث القصصي المدرجة ضمن مصنّف التيجان وتحديدا القص الديني والموروث الأسطوري، ومنه تبيّنت طرائق التوظيف وآلياته من خلال دراسة التعلّق النصي بين كتاب التيجان وأشكال الموروث السردي (الديني والأسطوري). ونظرت الباحثة في دلالات هذا التوظيف.

وقدّم الأستاذ محمد بوزكاض (جامعة ابن الزهر/المغرب) ورقة بحثيّة عنوانها “الأسطورة والكرامة في المتن الصوفي بالمغرب الصحراوي” وفيها انطلق الباحث من التصوّف بالصحراء لإثبات أهميّة الكرامة في دراسة تاريخ مجتمع الصحراء كنموذج للعالم الإسلامي، حيث تعكس قراءة الكرامة على ضوء الشروط المفرزة لها ضرورة استثمار هذا الأثر في مقاربات علميّة تتجاوز الحدث إلى البحث في الذهنيات والخلفيات النفسيّة والثقافيّة المنتجة لهذا الحدث والموجّهة له، بفعل الحمولة التاريخيّة والانتروبولوجية للكرامة.

أمّا الأستاذ محمد بلبشير (جامعة تلمسان/الجزائر) فقد ساهم بورقة بحثيّة عنوانها “الأسطورة في التوراة:الحضور والتمثلات” سعى من خلالها إلى الكشف عن آفاق جديدة أو غائبة تساهم في تحديد العلاقة بين الأسطورة والدين، بين الثقافة والطبيعة محاولا بذلك النظر في مستويات التمثيل الأسطوري في النص الديني، التي شكّلها مدوّن التوراة.وسعى الباحث إلى تحليلها واستنطاق دلالتها الثقافيّة الدينيّة. درس الباحث في هذه الورقة جانبا من جوانب معتقدات الجماعة اليهوديّة “عقيدة الخلق”، عبّر عنه مدوّن التوراة بجملة من النصوص الدينيّة، وكشف لنا الباحث كذلك الحضور الأسطوري في النص الديني اليهودي.

أمّا الجلسة العلميّة العاشرة والأخيرة فقد ترأسها الأستاذ علي صالح مولى(تونس) وشارك فيها كلّ من الأستاذة زهرة الثابت والأستاذ السيد التوي.

أسهم الباحث السيد التوي (جامعة القيروان/تونس) بمداخلة عنوانها “المسخ في القرآن”، فبحث من خلالها في الجذور الكتابيّة والأسطورية لمقولة المسخ واستتباعاتها في الفكر والثقافة العربيّة الإسلاميّة، فبيّن لنا أنّ هذه المقولة لها جذور في الكتاب المقدّس ولها استتباعات في الأدب الهامشي الذي يتعلّق بالعجيب والغريب. و بيّن لنا أيضا أنّالمسخ في القرآن إحدى أبرز صور مقولة العقاب، وأنّ هذا الفعل يجسّد بعدين أسطورين الأوّل يتعلّق بخرق تراتبيّة المخلوقات ومنطق التصنيف فيها. وأنّ فعل المسخ في القرآن يثير إشكالات عديدة  لعلّ أهمّها السياق الذي انتظمه إذ لا يمكن فهم هذا الفعل دون تمثّل معقول لعلاقة محمد باليهود. كما أثار الباحث إشكالات من ذلك اختلاف المفسّرين الذين كتبوا في شأن الحيوان، في مسائل مثل طبيعة المسخ، مصير الممسوخين، على أنّ الشكل الأكثر إثارة يتبدّى في النظر في جذور فعل المسخ في القرآن، وهي كتابيّة من ناحية وأسطوريّة من ناحية أخرى.

أمّا الباحثة زهرة الثابت (جامعة القيروان/تونس) فقد شاركت بورقة بعنوان “الأسطورة والكتاب المقدّس هل يتقاطعان؟” وهي عبارة عن دراسة مقارنيّة أجابت من خلالها على سؤال: كيف يتعامل الكتاب المقدّس مع النص الأسطوري؟ هل عدّله؟ هل نسفه؟ هل أخذه كما هو؟

بيّنت الباحثة مكانة الأسطورة في ثقافات الشعوب والأمم لاسيّما السامية منها. وقد كان حضورها في الكتاب المقدّس حضورا لافتا للانتباه، فكانت بذلك الخطاب الذي أثّث قصص الخلق والتكوين وحدث الطوفان وحيوات الأنبياء ومحنهم، إلى حدّ بدا فيه النص الديني المقدّس خطابا يمتح مادته من معين الأسطوري. وقد سعت الباحثة في هذه الورقة إلى تبيّن أوجه التقاطع بين نصّ الأسطورة والنص المقدّس في الثقافة اليهومسيحيّة، والبرهنة على أنّ الكتاب المقدّس هو مزيج من الأسطوري والديني، وأنّ مدوّن هذا النص غارق في الانتحال فقصص الخلق والتكوين والطوفان إنّما اُستمدّت مادّتها من أساطير الخلق البابليّة والسومريّة وحيوات الأنبياء وملابسات نشأتهم مستوحاة من بعض الأبطال القدامى. وقد أثارت الباحثة بعض الأسئلة من ذلك: هل أضحت الأسطورة الوعاء الفكري الأوّل الذي انبثقت منه الديانتان اليهوديّة والمسيحيّة؟ وهل أنّ الأسطورة أمست فاعلة في نسيج النص الديني المقدّس إلى حدّ ضاعت فيه هويّة هذا النص؟

وقد عقب هاتين الجلستين حلقة نقاش موسّعة دارت حول ما قدّمه الباحثون في جميع المداخلات.

تدخّلت الباحثة هدى بحروني مسائلة الأستاذ السيّد التوي حول العلاقة بين ما جاء في الثقافة الشعبيّة من أسطورة مسخ الفتى العاقل قردا والسياق العلمي من خلال مسخ القرد إنسانا  في نظرية النشوء والارتقاء لداروين وما جاء في سياق الثقافة النصيّة الإسلاميّة من مسخ لليهود قردة. أمّا الباحث توفيق السالمي فقد كان تدخّله في شكل إضافة وإغناء لما قدّمه الأستاذ التوي، فبيّن لنا أنّ قضيّة المسخ ترتبط بشكل ما بالحيوان مستحضرا في ذلك العقاب الإلهي الذي أنزل بالمصريين الفرعونيين حين غادر اليهود مصر فتحرّكت الضفادع وسائر الحيوانات لعقاب المصريين، فقضيّة المسخ عادة ما تجعل للحيوان أو الجماد صفة إنسانيّة، وقد تساءل السالمي قائلا:”أليس ثمّة علاقة بين عمليّة المسخ والنظرة الإحيائيّة التي تشكّلت لاحقا؟

أمّا الأستاذة زهراء البرقعاوي فقد تدخّلت مسائلة الأستاذ محمد بلبشير في قولها “هل هناك آليات حقيقيّة للتفريق بين ما هو أسطوري وما هو ديني؟ وتدخّل الأستاذ تامر مصطفى مسائلا الأستاذ محمد بوزنكاض حول مسألة الكرامة الصوفيّة: هل التعامل مع النصوص التراثيّة يتشابه في التعامل مع الأسطورة أم أنّ الأسطورة قد عوملت بشكل مختلف عن بقيّة الأشكال الشعبيّة وخاصّة التاريخ الشعبي؟ما المقصود من الكرامة؟ هل هي تقتصر على الولي أم أنّنا نستطيع أن نلصق مفهوم الكرامة بمجموعة من الشخصيات الأسطوريّة؟ وتدخّل الباحث فتحي المسكيني بسؤال وجّهه إلى الأستاذ بوزنكاض قائلا :هل كلّ نص له علاقة بالنص القرآني هو نصّ مقدّس؟ كما عقّب على مداخلة الأستاذ التوي قائلا بأنّ المسخ في النصوص المقدّسة ليس له دلالة حقيقيّة إنّما له دلالة الوسم.

ثمّ أُتيحت الكلمة للسادة المحاضرين ليتفاعلوا مع ما وجّه لهم من أسئلة واستفسارات. أخذ الأستاذ التوي الكلمة فبيّن أنّه تناول المسخ باعتباره فعلا مؤثرا وليس باعتباره صفة. وتفاعل الأستاذ محمد بوزنكاض مع ما قدّم له من أسئلة حول قضيّة الكرامة الصوفيّة مبيّنا أنّ التعامل مع الكرامة هو جزء من التعامل مع التراث الشعبي، وأنّ الكرامة هي نسق له قدسيّة معيّنة أفرزته شعوب معيّنة وتعاملت معه فئات أكبر. أمّا الأستاذ محمد بلبشير فقد أثار جملة من الأسئلة في حلقة النقاش تفاعلا مع ما وجّه له من استفسارات، فتساءل عن منشإ الأسطورة ومقاصدها ليبيّن أنّ الأسطورة ليست هي الدّين إنّما هما نظامان مستقلاّن ومتقاطعان.

وبعد جلسة الاختتام قام أعضاء المخبر يتكريم رئيس المخبر الدكتور حمادي المسعودي تقديرا لمجهوداته العلمية وما قدّمه ويقدّمه من مجهودات للرقي بالبحث العلمي على مستوى المخبر وعلى مستوى مدرسة الدكتوراه، بعد أن تمّ تكريمه من قبل الوفد الفلسطيني بتقديم درع جامعة النجاح الوطنيّة تقديرا لجهوده العلميّة وجسن رعايته لهذه الندوة العلميّة.

و قد تم طبع الجزء الأوّل من أعمال الندوة  ونشره وتوزيعه على المتدخّلين.

ما يُمكن قوله في نهاية هذا التقرير أنّ الندوة كانت متميّزة في مختلف الجوانب حضورا ومعرفة وتنظيما وقد ساهمت بتنوّع موضوعاتها وإشكالاتها في خلخلة بعض المسائل وإعادة النظر فيها ومراجعتها.أفاد الحاضرون في الندوة واستفادوا طلبة وباحثين ومحاضرين ولعلّ الفائدة تعمّ بنشر هذا التقرير ونشر أعمال الندوة في كتاب. جزيل الشكر لكلّ من ساهم في إنجاح هذه الندوة العلميّة. والشكر موصول إلى مخبر البحث: تجديد مناهج البحث في البيداغوجيا والإنسانيات بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة باعتباره الجهة الحاضنة لهذه الندوة العلمية وخاصّة رئيسه الأستاذ حمادي المسعودي والأستاذ عبد الله البهلول منسّق الندوة.

تعليق واحد على “تقرير حول الندوة العلميّة الدوليّة الأسطورة في النصوص المقدّسة”

  1. السلام عليكم
    مع كل الاحترام٫ ولكن ألا يوجد مصطلح في اللغة العربية٫ يقابل البيداغوجيا؟ أعتقد أن اللغة لا تبخل متى كان يوجد؟

شارك برأيك