الثقافة العربية الإسلامية ومسألة التأثير الفلسفي اليوناني (دراسة تصنيفية لمواقف علماء أندلس العصر الوسيط من الاشتغال بالفلسفة)

د. محمد سعيد زكري: باحث بجامعة عبد المالك السعدي – المغرب

1-مقدمة

 معلوم مما لا يدع مجالا للارتياب أن الثقافة العربية الإسلامية عموما والأندلسية خصوصا خلال العصر الوسيط قد انفتحت على الثقافة اليونانية في جملة من العلوم والفنون وأنماط التفكير،وضعا وتطويرا، تقليدا وتجديدا، إذ لم يعد  يصدق جحود هذا الفضل أو نكران تلك الحقيقة، مثلما لايصح نكران إبداعات العقل العربي الإسلامي في أ كثر من مجال أو اتهامه بالنسخ والتقليد دون نقد أو تجديد، فقد انتقلت الفلسفة اليونانية عموما، وفلسفة المعلم الأول أرسطو ( 322 ق، م ) إلى الثقافة العربية الإسلامية مع ظهور الترجمة والتأليف والمناظرة، أو ما يسميه بعض الدارسين بـ ” عصر التدوين” في القرن الثاني الهجري ( محمد عابد الجابري في تكون العقل العربي )

2-موقف الأندلسيين من الاشتغال بالثقافة اليونانية

توزعت مواقف المسلمين من الفكر الفلسفي اليوناني الوافد بين ثلاث طوائف رئيسية هي :

1-2 طائفة الرافضين للفلسفة ”

المحرمين  للخوض في مسائلها، لاعتقادهم أن الفلسفة طريق الإلحاد وفساد العقيدة، يحكي أبو القاسم بن أحمد الأندلسي (ت462) في طبقات الأمم أن “كانت هذه العلوم مهجورة عند أسلافهم مذمومة بالنسبة لرؤسائهم، وكان كل من قرأها متهما عندهم بالخروج من الملة ومظنونا به الإلحاد في الشريعة “[1].فوجد في ذلك المالكية الملاذ الآمن واستثمروا غياب اهتمام الأندلسيين بالعلوم العقلية والكلامية، وتورطوا في نزاعات لا تجدي و محاكمات لا تنتهي ،”فأهملت الفلسفة (و قد كانت تضم العلوم الحكمية قبل أن تستقل عنها) واشتغل طلاب العلم أكثر بالعلوم التقليدية،وذلك وبدون شك تحت تأثير التيار المتزمت من الفقهاء“[2].

 ولم يتوقف ضغط هذه الفئة على الفلاسفة عند حدود الردود الكلامية والمحاججة الفكرية، بل تعداه إلى إصدار الفتاوى بتحريم الاشتغال بالفلسفة ـ ومن ضمنها المنطق الأرسطي والميتافيزيقا الأرسطية بالذات ـ في محاولة جادة لضرب الحصار على النشاط الفلسفي قبل أن يتسع مجال اشتغاله[3]. يقول توفيق الطويل”لم يكن الغزالي أول من اضطلع بالتصدي لمهاجمة الفلاسفة و تبيان باطلهم، فقد سبقه إلى ذلك ابن حزم في «فصله»، و الجويني في «برهانه في أصول الدين» و«إرشاده في قواعد الاعتقاد» (…) و غير هذين من أسلافه، و لكن الغزالي كان في حملته على الفلسفة و تفنيدها ألذعهم نقدا وأقواهم تأثيرا في نفوس الناس و عقول المفكرين معا، و على نهجه سار الذين حاربوا الفلسفة و دعوا إلى اضطهاد أهلها، و ساعد هذا كله على ركود التفكير الفلسفي في الشرق الإسلامي، بل لعل أثره قد امتد إلى الغرب الإسلامي حتى كانت محنة ابن رشد و إحراق كتبه و إصدار منشور بتحريم الاشتغال بالفلسفة“[4].

وإذا كان حجة الإسلام قد تمتع بإشعاع قوي في أرجاء العالم الإسلامي، وحظيت آراؤه بالقبول، فإن فقهاء الأندلس لم يجاروه في الأخذ بالمنطق الأرسطي، بل أحرقوا كتبه في هذا المجال، في حين استفادوا من منهجه في الحرب على الفلسفة الأرسطية، و اعتمد المرابطون فتواه في ضرورة تنحية ملوك الطوائف وضم الأندلس. وقد”عاش ابن باجة في عصر المرابطين، و كان عصر اضطهاد للفكر (الفلسفي) و أصحابه“[5].

و من مظاهر شد الحبل على رقاب الفلاسفة  أنه قد ”ألفت المصنفات في الفلسفة والمنطق وكانت هذه الكتب معروفة و متداولة فقط عند طبقة الخاصة من المثقفين، لأن العامة وأنصاف المتعلمين لهم موقف من هذا العلم“[6].”و يبدو أن الاشتغال بالفلسفة ( في العصر المرابطي) ظل مقصورا على خاصة العلماء خوف بطش العامة أو اضطهاد الفقهاء“[7].

للاطلاع على الورقة البحثية

 

شارك برأيك