تقرير يوم دراسي: الدرس الحضاري الجامعي الرهانات الفكريّة المنهجيّة

نجاة ذويب – تونس

عقدت مدرسة دكتوراه: الآفاق الجديدة في اللغات والآداب والفنون والإنسانيات بالقيروان يوم 13 فيفري 2016  يوما دراسيا في موضوع: الدرس الحضاري الجامعي، الرهانات الفكريّة المنهجيّة بقاعة الأطروحات بالكليّة، شارك فيه ثلّة من الأساتذة الباحثين المهتمين بالموضوع من داخل الكليّة وخارجها. وقد تضمّن هذا النشاط العلميّ جلستين علميّتين.

كان الافتتاح في حدود الساعة العاشرة صباحا بقاعة الأطروحات بكليّة آداب القيروان تحت إشراف الأستاذ حمادي المسعودي الذي بادر بإلقاء كلمة الافتتاح والترحيب بالضيوف الحاضرين مؤّكدا على أهميّة هذه اللقاءات في تكوين الطالب الباحث كما الأستاذ أيضا . ثمّ انعقدت الجلسة العلميّة الأولى برئاسة الأستاذ  محسن التليلي (كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة) الذي دعانا إلى طرح اشكاليّة علاقة المؤسّسة الجامعيّة بالمجتمع، وخاصّة الظواهر الاجتماعيّة الطارئة على مجتمعنا في الوقت الراهن.

تكوّنت الجلسة العلميّة الأولى من ثلاث مداخلات علميّة. قدّم المداخلة الأولى الأستاذان رياض ميلادي ومرشد قبّي (كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بصفاقس) تحت عنوان “اختصاص الحضارة بالجامعة التونسيّة: دراسة وصفيّة تحليليّة.” أراد من خلالها الباحثان الوقوف على بعض الاشكاليات العالقة بدرس الحضارة في الجماعة التونسيّة، بهدف تعميق النظر في هويّة درس الحضارة. عمل كذلك الأستاذان على  تعميق رهانات الدرس الحضاري في ضوء ما تشهده من أوضاع أمنيّة وعلميّة. وقد قامت المداخلة على مستوايين اثنين:  مستوى ابستمولوجي  ومستوى تاريخي منهجي راهن. بيّن الباحثان نشأة هذا الاختصاص وتطوّره في الجامعة التونسيّة، فقد بيّن العلاقة العضويّة بين الدراسات الحضاريّة والأدبيّة واللغويّة.

البحوث الحضاريّة التي ظهرت مع بداية تأسيس الجامعة التونسيّة هي بحوث تأريخيّة بالأساس. فأغلب الأطروحات قد اهتمّت بالدرس الحضاري القديم كما الحديث، كما أكّدا اقبال الباحثين على الانفتاح على القضايا الفكريّة المعاصرة.

قام الباحثان بتوصيف ما وجداه في الجامعة التونسيّة من أطروحات وبحوث حضاريّة، من خلال إجراء مقاربة تصنيفيّة للأطاريح المنجزة في اختصاص الحضارة في الجامعة التونسيّة، على الرغم ممّا اعترضتهم من صعوبات في التصنيف وخاصّة في اختيار المعيار في ذلك، هل سيكون حسب الزمن (قديمة، حديثة، معاصرة) أم المنهج(ذكر الاختيارات المنهجيّة أو غياب ذكر المنهج) أم الموضوع؟ وقد استقرّ الرأي على اختيار الموضوع معيارا بما هو السبيل الأمثل لتصنيف أطروحات الحضارة. وقد قسّم الباحثان أطروحات الحضارة بالجامعة التونسيّة إلى ثلاثة أصناف حسب معيار الموضوع كالتالي:

-ما يتّصل بالعلوم الدينيّة أساسا.

-ما هو متّصل بالتراث الحضاري وما يتّصل بقضايا العلوم والفنون والفكر.

– ما هو مهتمّ بالتيارات الفكريّة والايديولوجيّة وعلاقتها بقضايا النهضة من قبيل العولمة..

وقد ذكر الباحثان نماذج من الأطروحات والبحوث في كلّ صنف.

وقد أثار القبّي والميلادي اشكاليّة تنوّع مواضيع البحث: هل هو علامة على ثراء اختصاص الحضارة بالجامعة التونسيّة أم هو دلالة على التداخل مع بقيّة الاختصاصات؟

وقد توصّلا إلى عدّة نتائج:

نظرا لالتباس الديني بالسياسي في مجتمعنا فإنّ الدرس الحضاري…

-ضرورة تأسيس خطاب أكاديمي علمي ليردّ على الدراسات الغربيّة بالمحاورة والحجّة والبرهان.

-ضرورة مراجعة الاختصاص  في ضوء التطوّرات الراهنة ومقارنته بما يُدرس في العالمين العربي والغربي.

أمّا المداخلة الثانيّة فقد قدّمها الأستاذ معز النصري (كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة) تحت عنوان “تناول النص الحضاري من زاوية الدائرة التأويليّة” وفيها يتساءل الباحث عن تنوّع المواضيع في الدرس الحضاري: هل هو ظاهرة ايجابيّة أم دليل على اختلاف في المقاربات والمناهج. كما دعا الباحث من خلال هذه المداخلة إلى ضرورة التفكير في الدرس الحضاري وأساسياته في قسم العربيّة وفي الطرح المنهجي المعاصر الذي لا يتوقّف (البنيوي، النفسي، الفلسفي، الانتروبولوجي..)

أكّد الباحث على أنّ مقاربة النص الحضاري تتطلّب ضرورة الاحتماء من القبليات والايديولوجيا. ورأى أنّ هذه المقاربة تتطلّب التطرّق إلى النص من خلال:

-دائرة النسيج النصي: من خلال العودة إلى الدراسات اللغويّة واللسانيّة وخاصّ نحو النص.

-دائرة السياق النصي.

-دائرة الخطاب:تفكيك الخطاب. وذلك يتطلّب ضرورة الاطلاع على مصطلحات تحليل الخطاب لأنّ الخطاب هو وحده الذي له علاقة بين النص والواقع.

أمّا المداخلة الثالثة فقد قدّمها الباحث ساسي الضيفاوي (مدرسة دكتوراه كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان) بعنوان “مواصفات الدرس الحضاري ومقتضياته”. وفيها ركّز الباحث على المواصفات الضروريّة في باحث الحضارة وكذلك مواصفات الدرس الحضاري حتى تتحقّق أهدافه الإجرائيّة والمعرفيّة.

وقد ضبط الصفات الخاصّة بالباحث في:

-ضرورة التسلّح بالعلوم الإنسانيّة التي تساعد على استنطاق النص وتحليل القضايا والإشكالات الواردة فيه.

-إغناء معطياته في مواضيع معيّنة وإتباع مناهج وأساليب علميّة متّبعة في الدرس الحضاري والتنبّه إلى معالجة المواضيع بنزاهة دون تعصّب.

-الموضوعيّة في ما يتناوله من قضايا على غرار النقد والتعليق على النصوص.

-الإمساك بناصيّة المنهج المعتمد من خلال الالتزام بمراحل المنهج العلمي الأربعة:

-الاستقراء: من الجزئيات إلى العموميات.

-الاستنباط: من العموميات إلى الجزئيات.

– القياس: القياس على  ما سبق لكن دون التسليم بمسلّمات لأنّ العلم لا توجد فيه مسلّمات.

-الاستنتاج

هذه جملة الصفات المنهجيّة التي يجب أن تتوفّر في الباحث، أمّا تلك المواصفات الموضوعيّة فقد ضبطها الباحث في جملة من الصفات نذكر بعضها:

-الابتعاد عن إصدار الأحكام.

-عدم التعصّب لفكرة أو جهة أو ملّة.

-الانفتاح الفكري للباحث على كلّ تغيير للنتائج المتحصّل عليها في بحثه.

-ضرورة قبول الرأي الأخر وإن كان مغايرا له.

– التمسّك بالروح العلميّة  والابتعاد عن التزمّت والتعصّب أو التمجيد أو الانتصار لجهة معيّنة.

-تمكّن الباحث من الحقول العلميّة المرتبطة بالألسنيّة وكيفيّة تطبيقها على الدرس الحضاري.

أمّا صفات الدرس الحضاري التي ضبطها الباحث، فنذكر بعضها في النقاط التالية:

  • نتبيّن هويّة هذا الدرس عنوانا (يجب أن تكون فيه صفة الشموليّة والوضوح والدلالة) ومتنا. ولا يتورّط في الاستطراد والحشو لأنّ الخوض في العموميات تبعد الباحث عن بحثه
  • تدقيق المنهج الذي يجب أن يلتزم به الباحث في تقديم الدرس الحضاري. فقد يعتمد هذا المنهج على:
  • -الشرح الخطي.
  • طريقة محوريّة: من خلال تقسيم النص وفق ما فيه من محاور ووحدات وفق مرحلتين: مرحلة التفكيك ومرحلة التركيب (غير البناء) وهو إعادة البناء من جديد.
  • الطريقة الاصلاحيّة: من خلال تحليل المصطلحات المركزيّة والمقارنة بينها وبين المصطلحات الفرعيّة.

فالنص الحضاري لا يمكن أن يكون في متناول أي كان إنّما يجب أن تتوفّر في الباحث شروط معيّنة.

أمّا الجلسة العلميّة الثانية فقد ترأسّها الأستاذ محمد الصحبي البعزاوي وقد تضمّنت ثلاث مداخلات علميّة.

كانت المداخلة الأولى للأستاذ محسن التليلي (كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة) بعنوان ” في منهج البحث في الأديان”. وقد أجراها على قسمين اثنين، نظريّ وتطبيقي. أمّا القسم التطبيقي فقد عالج فيه الباحث التحوّلات الحضاريّة الصادمة في مجتمعاتنا العربيّة وقد استنجد في ذلك الباحث بسؤالي الهويّة والعودة إلى الماضي. كما عمل الباحث على النظر المنهجي في مثال دراسي من أمثلة المفاهيم والتصوّرات في الثقافة الإسلامية مثال “الحشر” في التصوّر الإسلامي، من خلال لبحث في مفهوم الحشر وموضعه من البعث والحساب.

يرى الباحث أنّ التحوّلات الحديثة الجارية في مجتمعاتنا العربيّة تهدّد الإرث الثقافي التقليدي وهو ما أدّى إلى الاحتماء بركنيْ الهويّة والماضي.

يطرح الباحث سؤالا حول أنسب المناهج في تعلّميّة البحث في الأديان الظواهر والطقوس؟

أهو المنهج النفسي أم المقارني ..؟

من خلال هذه الدراسة، سعى الباحث إلى دراسة معطيات الملفوظ القرآني خطابا وتأويلا وتصوّرا متناولا في ذلك نموذج ظاهرة الحشر. وقد أجرى المنهج على قضيّة الحشر من خلال نقطتين:

-الحشر في الملفوظ القرآني (دلالته في القرآن ودلالته اللغويّة).

-المتخيّل الإسلامي في الحشر.( المحاكاة، المقاربة، وظائف المتخيّل).

أمّا المداخلة الثانية فقد كانت للأستاذة هدى بحرون بعنوان “الدرس الحضاري المقارن والتطرّف” وفيه اهتمّت بعلاقة الجامعة بالتطرّف الديني وسعت إلى وجود طريقة للحدّ من التطرّف.

أكّدت الباحثة في مداخلتها أنّ تونس من أكثر الدول تمويلا للإرهاب وخاصّة من الشباب ومن المتعلّمين والجامعيين مستندة في ذلك إلى بعض الدراسات الإحصائيّة. كما تناولت الباحثة دور المثقّف في تنشيط الإرهاب ودور الجامعة التونسيّة في توفير حصانة لخرّيجيها مؤّكدة على غياب هذا الدور داخل الجامعة التونسيّة. ودعت إلى ضرورة اصلاح التعليم العالي لما لذلك من دور في محاربة الإرهاب وخلق التفكير والإبداع، ودرس الحضاري ليس بمنأى عن ذلك.

أمّا المداخلة الأخيرة فقد كانت للأستاذة زهرة ثابت بعنوان “نحو درس حضاري بديل”. قدّمت من خلالها قراءة للدرس الحضاري رامت من خلاله وصف الدرس الحضاري الراهن ومعوّقاته، مقترحة حلول بديلة اسهاما منها في درس حضاري منشود يعمل على تخطي هذه العوائق. وقد استندت الباحثة في ذلك إلى استبانة أجرتها مع طلبة كليّة الآداب بالقيروان.

وقد قسّمت الباحثة المعوّقات التي توصّلت إليها جرّاء إجراء الاستبانة إلى ثلاثة أصناف:

-معوّقات متّصلة بالأستاذ: الأستاذ متكاسلا في القاء درسه.

-معوّقات متّصلة بالمادة الحضاريّة: مواد لا تلامس الواقع، مواد محنّطة، مستهلكة.

-معوّقات متّصلة بالطالب: ذات غير مشرّكة في بناء الدرس، غير مساهم في إنتاج النص

وقد أدّت كلّ هذه المعوّقات إلى درس حضاري مهترئ ليس ذو قيمة.

وقد اقترحت الباحثة في مداخلتها حلولا لتجاوز هذه المعوّقات وبناء نص حضاري منشود، منها:

-ضرورة مراجعة المناهج التعليميّة، بما هي مناهج تقليديّة مستهلكة.

-ضرورة مراجعة المادة الحضاريّة بجعلها مادة قريبة من الواقع.

-تطبيق مبدأ المقارنة من خلال الانفتاح على العلوم الأخرى كعلم الاجتماع والانتروبولوجيا وعلم النفس.

-إصلاح هيئة التدريس من خلال حسن إعداد الأستاذ الجامعي وضرورة معرفته لعلوم العصر ومواكبتها وكذلك بالنظر في محتوى المادة التي يقدّمها والطرائق التي يسلكها والنظر في طريقة تواصله مع الطلبة.

دعت الباحثة إلى ضرورة تقييم الأستاذ ذاته وتقييم الطالب أستاذه بالنقاشات لما لها من دور في إثراء الدرس.

وقد أُشفعت هاتين الجلستين بحلقة نقاش موسّعة ساهمت في إغناء ما قُدّم من قبل المتدخّلين.

فقد تدخّل الباحث فتحي المسكيني محاولا إثراء ما أتى به المتدخّلون فبيّن أهميّة الدرس الحضاري في الجامعة التونسيّة. كما بيّن المسكيني أنّ النص الحضاري يدخل في سجال مع غيره من النصوص وخاصّة النص الديني، فالعلاقة بينهما قائمة على صدام يصل إلى حدّ الصدام والصراع.

تساءل المسكيني عن مسألة الحشر، التي يقدّم لنا عنها النص الديني نصف الحقيقة، هل يمكن للدرس الحضاري أن يكمل هذا النصف المفقود للحقيقة؟

أمّا الأستاذ رضا كرعاني فقد رأى أنّ اختصاص الحضارة هو اختصاص هجين. وهذه الهجنة هي التي تصنع تميّزه وضعفه. وتساءل عن إمكانيّة نشأة اختصاص بدون منهج أو بدون موضوع. كما استنكر الباحث دمج هذا الاختصاص ضمن الأدب والحضارة باحثا من خلال سؤاله عن امكانيّة استقلاليّة اختصاص الحضارة لحاله.

أمّا الباحث عدلاني بن ثابت فقد تدخّل محاورا الأستاذة هدى بحرون من خلال الأسئلة التاليّة:

-هل الارهاب والتطرّف مقتصر على الجانب الديني أم يشمل جوانب أخرى؟

-هل يمكن أن يعالج الارهاب بمسائل ظلّت حبيسة القرن الأوّل والثاني؟

-هل يمكن اعتبار التطرّف العلماني سببا في التطرّف الديني؟ هل يستطيع المكفِّر أن يعالج المكفَّر؟

ساهم هذا اليوم الدراسي في معالجة الدرس الحضاري في الجامعة التونسيّة من خلال التطرّق إلى رهاناته الفكريّة والمنهجيّة. وقد استطاع المساهمون في هذا النشاط العلمي من وضع الإصبع على مكمن الداء بتطرّقهم إلى ما يعانيه الدرس الحضاري الجامعي من تكرار في المسائل المتناولة وما ينتج عن ذلك من تراجع في تكوين باحثي الحضارة. وهو ما جعل بعض المتدخّلين ينادون بضرورة مراجعة البرامج التعليميّة المقدّمة في درس الحضارة من خلال تناول مواضيع قريبة من الواقع الراهن. كما دعا بعضهم إلى ضرورة انفتاح الدرس الحضاري على العلوم الإنسانيّة الأخرى وضرورة انتهاج مناهج حديثة في معالجة النصوص الحضاريّة لمزيد تعميق رهانات الدرس الحضاري على ضوء ما نشهده من أوضاع أمنية وعلميّة.

شارك برأيك