الأدب الإسلامي: رسالة القرآن للإنسان

بقلم: الأستاذ منير الركراكي

شاعر وكاتب مغربي

مقدمة لابد منها

إن موضوع الأدب من الأهمية بمكان، إذ يعد من المجالات التي لم تُعطَ حقها في الحقل الإسلامي عموما، وفي الحقل الإعلامي الإسلامي على وجه الخصوص. رغم أن الأدب يشكل علامة بارزة في تاريخ الأمم وفي الدلالة عليها، وأمتنا الإسلامية بحاجة ماسة إلى مثل هذا العنصر الموثق والدال للربط ما بين الأجيال وصناعة الرجال في كل مجال. فنظرية الفن للفن ليست بذات معنى، وإلا صدقت مقولة: ” أعذب الشعر أكذبه”، وأصبحت الكلمة الفصل في الشعر للذين يتبعهم الغاوون، والذين يقولون ما لا يفعلون. وإنما الأدباء الحقيقيون من استثناهم القرآن، لسان الحق، من هذا الضلال والخبال:﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [1]. إيمان وعمل صالح وجهاد، على هذه الأثافي الثلاث فليقم الأدب عامة والشعر خاصة وليستقم وإلا كان البناء على غير أساس، مهما اتسع وارتفع يوشك أن يتصدَّع فيتداعى وينهار، أو تكسد سلعته ويصيب سوقه البوار.
الأدب رسالة، بل جزء من رسالة جامعة هي الدعوة إلى الله، لهذا فالأديب قبل أن يكون أديبا ومع كونه أديبا فهو داعية بناء يتخذ من الأدب وسيلة لصناعة الحياة والتاريخ: لا لصناعة لغوية وفنية وصوتية فقط، فالأدب قيمة إسلامية لا لسانية فقط ولا إنسانية فضفاضة هي خليط من المشاعر المتضاربة، ومزيج من الأفكار والتعابير الأصيلة والدخيلة. فالشعر مثلا كما هو التزام بقواعد عروضية وقيم جمالية، هو التزام بضوابط شرعية وحدود أخلاقية لا يمكن التصالح مع من يخرقها بحُدائه، ويدوسها بحِذائه، ولو كان أمير الشعراء، أو شاعر المليون، أو ما شئت من التسميات.
إن الأديب إذا كان للأدب فقط، فهو من عبيده المحدثين، همه أن يكون أديبا لا هم له غيره. ومنتهى آماله أن تكثر الحوافز وأن ينال الجوائز وأن يكون المُبرّز الفائز. أما إذا كان للمرء انتماء لمشروع عمران أخوي عودا على عهد بعثة ربعي بن عامر ومن معه من الصحابة الكرام وكان مراده على شاكلة مرادهم: إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فالأدب أداة من أدوات التبليغ ووسيلة من وسائل التعبئة وسلاح من أسلحة المدافعة وحكمة من حكم المداراة والمصانعة، وليس أكبر هَمِّ المرء وغاية علمه، ومنتهى إرادته وسعيه حتى يتفرغ له بكُلِّيته. والجماعة الإسلامية الجادة لا تؤمن بعضوية متفرغ للشعر مثلا. نعم الشعر وسيلة نوعية لا جدال، وفعل اللسان أنكى من فعل السنان كما يقال. وقد كان كذلك شعر حسان، الذي أنشد القريض على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخُص بهذا الدعم المعنوي الاستثنائي: “اهجهم وروح القدس معك”. لكن الإبداع نوع من الإحسان لا كل الإحسان، ومع الإحسان لا بد من عدل يضمَن للإنسان كرامته وحريته، وحقوقه في الحكم والقضاء والقسمة. أما التفرغ من كل شيء إلا من التخصص أو من المجال الإبداعي الخاص هو نوع من الحرية داخل زنزانة الأنا المضخمة. وكثيرا ما صنع هذا النوع من التفرغ جُزُرا معزولة، وأهرامات متعالية على أرض الواقع، وعلى الذات الجماعية المنظَّمة، مما أورَث ويورِث مشاكل، ويُحدث صدامات، ويُنبت سلوكيات ناشزة داخل الصف، إن لم يكن سببا رئيسا في فرض حصار على المبدعين، أو فرض ذات المبدع على الآخرين، في غياب اندماج طبيعي يجعل المبدع عنصرا فعالا في الصف، مساهما في البناء من الداخل، مسخِّرا إبداعه لخدمة إبداع أكبر وأهمَّ وأجدر، هو إبداع حركة موزونة ذات معنى، تحدو حَدْوَ من سار على منهاج النبوة بتربية وتنظيم وزحف قائم لله شاهد بالقسط. وكما يقول سيد قطب الشهيد السعيد ذو الأدب الرفيع، والشعر المطبوع، والذكر المرفوع في رسالة راشدة خالدة بعثها إلى أخته أمينة قطب من وراء القضبان، وبين يدي تنفيذ الحكم عليه بالإعدام، بل بالحياة الأبدية السعيدة، والأدبية الخالدة:” نحن في حاجة ملحَّة إلى المتخصصين في كل فرع من فروع المعارف الإنسانية، أولئك الذين يتخذون من معاملهم ومكاتبهم صوامع وأديرة!.. ويهبون حياتهم للفرع الذي تخصصوا فيه، لا بشعور التضحية فحسب، بل بشعور اللذة كذلك!.. شعور العابد الذي يهب روحه لإلهه وهو فرحان!.. ولكننا مع هذا يجب أن ندرك أن هؤلاء ليسوا هم الذين يوجهون الحياة، أو يختارون للبشرية الطريق.
إن الروَّاد كانوا دائمًا -وسيكونون- هم أصحاب الطاقات الروحية الفائقة، هؤلاء هم الذين يحملون الشعلة المقدَّسة التي تنصهر في حرارتها كلُّ ذراتِ المعارف، وتنكشف في ضوئها طريق الرحلة، مزودة بكل هذه الجزئيات، قوية بهذا الزاد، وهي تغذي السير نحو الهدف السامي البعيد!.. هؤلاء الروَّاد همُ الذين يدركون ببصيرتهم تلك الوحدة الشاملة، المتعددة المظاهر في: العلم والفن، والعقيدة، والعمل، فلا يحقرون واحدًا منها ولا يرفعونه فوق مستواه!..

مفهوم الأدب الإسلامي وغايته

إن قَرْنَ كلمة أدب بسمة “إسلامي” هو من باب تحصيل الحاصل لو كان الناس يفقهون أن الأدب تأديب لقوله صلى الله عليه وسلم:”أدبني ربي فأحسن تأديبي” . الأدب الإسلامي ظهر قبل ظهور الإسلام أصلا، وهل بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلا ليتمم مكارم الأخلاق، والدين الخلق، والدين المعاملة. ولهذا نجده صلى الله عليه وسلم يقول:”أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد:”

ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكل نعيم لا محالة زائل 

ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في شأن زهير بن أبي سلمى لِما عُلم من رشده وحكمته التي صقلتها السنون والتجارب،”لو أدركته لوليته القضاء” . وكم من قصيدة، أو أبيات في قصيدة محسوبة على العصر الجاهلي لها من أدب الإسلام وروحه ومعانيه ومراميه ومقاصده ما لا يمت إلى الجاهلية بصلة. وكم من أدب بُذِرَ في عصور الإسلام وهو من النبات الغريب على الدين وقِيَم المسلمين، بل هو إلى الجاهلية الجهلاء أقرب وبها ألصق وأوثق.
من هنا لا معنى لإضافة كلمة إسلامي إلى الأدب إلا من زاوية تمييز الأدب عن غير الأدب. ذلك أن كثيرا مما يُكتَب اليومَ كما أسلفنا لا علاقة له بالأدب، ولا طعم له منه ولا رائحة ولا لون. بل هو حرب على الله، ومسخ للفطرة، وإجهاز على الدين، ومصادرة للأخلاق. يمكن أن نسميه ما شئنا إلا أن نقول عنه إنه أدب. وإن شئنا قلنا هو من قلة الأدب، وسوء الأدب، بل مِن انعدامه وإعدامه. من هنا جاءت هذه التسمية لا لتمييز أدبٍ عن أدب، ولكن لِتُمَيِّز الأدب عن “اللاأدب”. ثم لا بأس من أن ينعت بعض الأدب بيهودي ونصراني ومجوسي وما يكون من التسميات إما لأنه يدين باليهودية والنصرانية والمجوسية، أو لأنه يعمل على تهويد الفطرة التي فطر الله الناس عليها وتنصيرها وتمجيسها، حتى وإن لم يكن المدعو أديبا يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا. أما تقسيم الأدب إلى عصور فهو من آثار الاستعمار كما يقول العلامة عبد الله كنون رحمه الله، وكم في التقسيم من مغالطات تزداد كلما ازداد الناس بعدا عن أصولهم، وانتحلوا نحلة الغالب، وانقادوا لدينه كما يقول ابن خلدون رحمه الله.
غير أن الحركة الإسلامية، بتياراتها المختلفة، أعطت للأديب صفة الالتزام، وهي إضافة نوعية تنضاف إلى صفة “الإسلامية”. الالتزام بقضايانا المصيرية، كقضية الدعوة والتذكير بالله والآخرة، وتزكية النفس، ومطلب الإحسان، ومدافعة الظلم والعدوان على المسلمين وعلى المستضعفين في كل مكان.
لكن ما نعنيه من ذلك غير ما يعنيه غيرنا وإن اتفقنا في المصطلح لضرورة تواصلية مؤقتة في أفق استشراف قاموس ينبع من الذات، ويؤسس لأدب أصيل منفتح جاد ومتجدد ومجدد ومُجْدٍ وجيد. ولكل لفظ من هذه الخمس مكانه في منظومة التنظير لهذا الأدب الذي نريده.
إن غاية الشعر والأدب والفن أن يكون مساحيق تجلي الجمال ولا تحجبه، وألوانا تبرز صورة الرسالة الربانية النبوية ولا تخفيها، وموسيقى هادئة مهموسة تقدم دعوة الحق في آنية النغم الهادف، لا صخبا تُذهب زحمة أوانيه المتقارعة المتصارعة مضمونَ الكلام، ونشيدَ الإسلام المُبرعِم في الضمائر، والموجه للبصائر نحو أفضل المصائر. أما وصف الواقع بمرآوية انعكاسية هي جرح على الجرح. والجرح المجروح قد لا يُشعرك بالألم، ولكنه يشعرك بأكبر من الألم وهو السأم. نعم قد تكون رؤية الداء ومعرفته هي نصف الدواء، ولكن وصف الداء بلا وصفة الدواء داء مضاف وألم مضاعف. وأدهى من هذا وأمر من يصف جراحنا بلغة لا نفهمها، وبغموض لا نملك شفرته، وبتوظيف رموز وانزياحات وأساطير تشعر القارئ بأُمِّيَّته، وتصفعه على قفاه كتلميذ بليد لم يفقه حرفا مما كتب أمامه، ليتربع المبدع على عرش أستاذيته، يرقص فوق جراحنا بلا هوادة، وبحصان طروادة، حيث لا ننتهي من قراءة القصيدة حتى نكون من الإحباط غاية، ومن الخذلان نهاية. ويبقى السؤال معلقا: هل نحن الذين لم نفهم، أم أن الكاتب لم يتكلم أصلا، أو تكلم بلغة أخرى سُطِّرت بحروف عربية؟
والمطلوب غير هذا وذاك، أدب يزكي بكلام أهل البلد كما يطلب إليها أن نزكي من طعام أهل البلد، وأديب ينظم ما يفهم لنفهم ما ينظم. لكن الجمال بطاقة مرور لابد منها ليتم عبور ما يكتبه إلى عقولنا وقلوبنا من خلال حواسنا التي تعشق كل جميل، وترتاح إلى كل أصيل.
ما يميز المبدع عن غيره -وهنا تكمن غاية الأدب المجيدة- هو قدرته على التعبير عما نحس به، وما نريده، وما يعنينا، وما نُعانِيه، وما نُعايِنُه بأسلوب مختلف، ومهنة محترف، لا منحرف ولا متطرف، بل بقلم متلطف متصرف متشوف إلى أن نراه فيما نقرأه له، وأن نقرأ ما نراه متسربلا بما يفيد ويمتع، ويقنع ويشبع من أدب جاد ومتجدد ومجدد ومُجْدٍ وجَيِّد.
يقول الأديب اللبيب، والشاعر الأريب د. عبد الرحمن صالح العشماوي في لقاء أجراه معه فريق منتديات “أوفاز” الأدبية إجابة عن أحد الأسئلة الهادفة:”الكلمة الصادقة إضاءة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرقى بالكلمة الصادقة، ويجعلها أعلى مكانا، وأسمى هدفا، المهم أن يتوافر للكلمة ـ في مجال الأدب ـ الإبداعُ الفنِّيُّ، والصورةُ البلاغيةُ الجميلةُ، والتدفق البياني الماتِعُ، والمجتمعات البشرية الراقية هي التي يشيع فيها “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” بأساليبه المناسبة التي لا شطط فيها ولا مبالغة، وللأدب دور كبير في ذلك، والذين يهونون من قيمة الأدب الناصح الواعظ صنفان. صنف يضيق بهذا الأمر لأنه متشبع بحرية الإنسان المطلقة في سلوكه وتصرفاته، وآخر لم يطلع على روائع الأدب الوعظي فيظن أنها ضد الفنية فيحاربها. ولو قرأ نماذج من شعر أبي العتاهية مثلا لغير رأيه.” انتهى كلام شاعرنا الداعية الرباني.
أقول وهل القرآن إلا موعظة ناطقة، وهل الموت إلا موعظة صامتة، وهل ثمة بعد هذين الواعظين من هو أفصح لسانا، وأصدق برهانا، وأسحر بيانا، وأجَلُّ مَعْنى، وأدوم زمنا، وأرقى حُسْنا؟

الأدب الإسلامي من خلال “المنظومة الوعظية”

تعتبر كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين نثرا و شعرا مدرسة أسلوبية نسيجَ وحدها بشهادة جميع من قرأ له بناظِرَيه لا بمنظارين سوداوين مستعارين، ونظر مسعَّر بنيَّات مُبَيَّتة أو ميِّتة. وأرجو أن أكون فكرة من مِنْهاجه، وحسنة من إحسانه، وقطفا من قُطوفِه، وشذرة من شذَراته، وشعاعا من تنويره..
يكتب الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله ورعاه في منظومته الوعظية متحدثا عن قصده منها فيقول قصدي في منظومتي هذه الوعظية أن أبلغ على وجه يقنع ويؤثر… “لعل الموعظة المكتسية حلة شعرية تنفذ إلى أعماق النفس. لعلها تطرق في ليل الغفلات أبواب القلب. لعلها تسري بالمستيقظ على ضربات التذكير بالآخرة من دار لدار، من حال لحال، من نمط عيش إلى حياة إيمان” [2].
ثم يمضي الأستاذ في بسط نظريته الفنية الأدبية الرائدة الراشدة بدءً بالحديث عن العقبات والألغام المبثوثة في طريق الأدب إلى الشهود الإسلامي الحقيقي”… الإيمان بالله واليوم الآخر مرض في علم حكماء الجاهلية المعاصرة، صنم في فلسفة الآداب السائدة. فبأي صنعة أدبية، وبأية أداة لغوية، وبأية منهجية تعليمية يعالج الأدب الإسلامي والفن الإسلامي والمسرح الإسلامي والنشيد الإسلامي نفوسا صبغتها قليلا أو كثيرا الثقافة المادية السائدة ليمس النبض العميق لفطرة طمست فديارها خراب، وأخرى دُنِّست من نكْت الزنابير والذُّباب؟ كيف يلتمس الأدب الإسلامي الرواية والقصة طريقا ليعانق الفطرة بعد طرق الأبواب والنفاذ إلى اللباب؟ ثم ليغذي طفولة النفس حتى تكتمل رجولة ورشدا؟” [3]ثم يبين حقيقة أسلمة الأدب: “لا خير في أدب يُنعتُ إسلاميا إن جرى في مضمار السباق مع الآداب الإنسانية، يُلهبُ الأحاسيس بالتشبيهات البارعة والمبالغات الفنية، والزخارف اللفظية، والنصاعات البيانية، ثم لا تجد له مضمونا إلا خيالا دُغدِغ وصورا حَوَّمَت لحظة في المخيلة ثم احترقت كما يحترق الفراش الهائم. لا خير في أدب يجول في عرصة الدنيا وعرسها يداعب أهواء الناس وتداعبه، يثير مشاعر الناس وتثيره، يؤجج مشاعر الناس وتؤججه غافلا مغفلا عن المآل، عاجزا مثبطا لعزمات الرجال. كيف يكون أدبنا قمينا بنعت الإسلامية إن لم يكن على تبليغ رسالة القرآن أمينا، وببيان النبوءة مُبينا؟” [4]ثم يحدثنا الأستاذ المرشد حفظه الله ونفعنا بذكره وعلمه وأدبه عن الأدب كَيْفاً مُربِّيا لا كَمّاً غُثائيا:”صِدْقُ المضمون وبيان الحقيقة هما الكَيْفُ الذي به يكسب الأدب الإسلامي قوته ونفوذه وفضيلته ليغزو ضمير الإنسان في عالم التجارة العملاقة. لا قدرة للأدب الإسلامي على المنافسة إن لم يكن تَرياقا أصيلا موصولا بالشفاء القرآني ليُبطل فعل السموم. إن لم يكن عافية باستقائه من النبع النبوي تُقَدَّمُ للمرضى بالبؤس البائس والبؤس المُتخم …” [5]“يَزْهَقُ الباطل إن قُذِفَ بالحق، ويكشف البُهتان إن صدمه صادق البيان” [6].
ثم يمضي في التنظير لهذا الأدب الإسلامي معتبرا إياه وسيلة لا غاية:”ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة. لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك” [7].
ثم يبين أن هذه الوسيلة ينبغي أن تنفتح على كل مشروع مقبول من الأشكال والأدوات: “وسيلة تربية وكلمة هادفة تأخذ من العصر وسائله، وتروضها وتتزين بزينة الله، وتتلطف بأشكال المقبول شرعا من أدوات التعبير العصرية كما تلطف مبعوث أصحاب الكهف ليقضي حاجة أصحاب الكهف من سوق كانوا يخشون غائلة أهلها” [8].
ثم يلخص رسالة الأدب بهذه الكلمة الجامعة المانعة الرائعة:”جهاد كلمة في جهاد تربية، مشاركة كلمة وفن وصنعة بلاغية متلطفة وقول بليغ قوي في مشروع تربية متكاملة تحقن منعة العافية في شرايين أجيال السلامة والإسلام” [9].
بعد ذلك يلتفت المرشد الدال على الحق والحقيقة إلى الشاعر الأديب الفنان ليحدثنا عن رسالته وطبيعة وظيفته فيقول:”من وراء شفافية الشعر وتلطف الفن وترقيق الأدب، ينبغي أن يرتسم بوضوح حقيقة من أنا المتكلم الشاعر الأديب الفنان. وينبغي أن تنفذ رسالتي وتبلغ أمينة على البلاغ القرآني النبوي الذي أخدمه عزيزا به مقتحما به متحديا به” [10].
ثم يحذر من منزلقات خطيرة تُحَوِّلُ قطار الأدب عن سكة الحق والصواب، وتَحيدُ بوجهته عن الحكمة وفصل الخطاب. يقول في إحدى صفحات الكتاب:”لكن الأدب والشعر والفن إن استألَفَتْهُ رياض الخيال النَّضِرة، وأبهجه التغريد بالحنين مع شحارير الرياض وهزارات الأفنان وأزهار البستان فَتَلِفَت في يده الأمانة وذَهَلَ لسانُه عن الكلمة المبلِّغة، وزَلق حوضه وجف وعَفَّ عن الجهر بالحق فما هو إلا قرية ظلمت ولم تُؤتِ أكلها، وعَقَّت والديها وأهلها” [11].
ثم يختم اللقاء مع الفنانين والأدباء والشعراء بهذا النداء، وأكرم به من نداء ورجاء:”ولعل الله تعالى يُقَيِّضُ مجاهدين ومجاهدات في ميادين الكلمة والصورة واللون والتركيب والإخراج والتمثيل يُلهِمُهم تحميل الأدب رسالة الإسلام والإيمان والإحسان، بجمالية تَشِفُّ عن المقصود لا تحجبه، تَنِمُّ بتلطف عما وراء الكلمة والصورة والصوت وما تحتهن، تجلو الحقيقة وتَزُفُّها للناس في حُلَلٍ بهية. لا يَدَّع إسلاميةً أدبٌ وشعر وفن وصناعة إعلامية وخطاب ومحاضرة يطلق العِنان في براح الخيال ومراحه لاهيا عن وظيفة التبليغ ومهمة التربية وفريضة الجهاد”[12].
والكتاب بعد هذا حافل بالآراء السديدة والأفكار الجديدة الرشيدة الرائدة المنتظمة في سلك عقد فريد، ممتع ومفيد، هو مقدمة لمنظومة وعظية، وجزء من منظومة منهاجية تربوية جهادية نبخسها حقها الشامل كغذاء كامل هو واحد من متعدد، وواحد في متعدد جاد ومتجدد ومجد وجيد ومجدد، إن استغنينا بها عن قراءة الكتاب ككل، وإن استغنينا بقراءة الكتاب عن قراءة التصور العام الذي أخرجه الأستاذ عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي ككتاب جامع، وفي المنهاج النبوي كسلوك جامع لم نقدِّر مشروعه المجتمعي المتكامل، والعمرانيَّ الأخويَّ الشامل حق قدره، ولم نوفِّه ما يستحقُّه من النظر والتأمل والتمثُّل.

الهوامش:


[1] الشعراء: 227

[2] مقدمة المنظومة الوعظية، ص. 4.

[3] نفسه، ص. 5.

[4] نفسه، ص. 8-9.

[5] نفسه، ص. 12.

[6] نفسه، ص. 13.

[7] نفسه، ص. 15.

[8] نفسه، ص. 15-16.

[9] نفسه، ص. 21.

[10] نفسه، ص. 26.

[11] نفسه، ص. 27.

[12] نفسه، ص. 29.

شارك برأيك