الإنسان بين الفلسفة وعلم النفس … حسن محمد أحمد محمد

د. حسن محمد أحمد محمد: أستاذ مساعد (غير متفرغ) بقسم علم النفس – كلية الآداب – جامعة أم درمان الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم
ـ الإنسان؟
أطلق العلماء والمفكرون العديد من التعريفات ـ في محاولة منهم للتمييز بين الإنسان وغيره من المخلوقات فالإنسان عند فلاسفة الفكر: (هو حيوان)، ولكنهم لكي يميزوا هذا الحيوان عن غيره من الكائنات، قالوا عنه: إنه حيوان ناطق . أو حيوان مدني لأنه اجتماعي بفطرته وبطبعه . كما عرفه آخرون بأنه حيوان صانع . كذلك ذهب البعض إلى أن الإنسان حيوان أخلاقي. وأيضًا توجد سمات أخرى كثيرة لهذا الكائن المسمى بالإنسان تميزه عن سواه من الكائنات، منها : حيوان ضاحك، حيوان له تاريخ، حيوان سياسي، حيوان عاقل … إلى آخر تلك السمات. ومن الواضح أن كل ما وسم به الإنسان من سمات أو صفات قد هدفت إلى أمرين اثنين هما:
أ/ التمييز بين الإنسان وغيره من مخلوقات الله.
ب- الإعلاء من شان هذا المخلوق (الإنسان) المميِِّز للأشياء بإدراكه، و الممَيًّز عن سواه بالإدراك العقلي.
إن كل ما أورده المفكرون والفلاسفة في هذا المضمار يكاد ينحصر ويصب في قالب واحد هو: الجانب العقلي في الإنسان، لاسيما وأن الإنسان في حاجة إلى أن يعقل ويفهم ويتدبر قبل أن يقوم بأي رد فعل؛ لأن كل ما يؤديه الإنسان من: نطق، أو اجتماع، أو ضحك، أو صناعة أو ممارسة عمل سياسي … إلى آخر تلك النشاطات، التي ما هي إلا إفراز عقلي يقوم على استخدام العقل، وبذلك يكون نشاط عقلي صرف ينعكس على الجسد في جميع نشاطاته وحركته الظاهرة وغير الظاهرة كالأحلام والتفكير ـ مثلاً ـ . و خلاصة الأمر إن الإنسان في سعيه نحو تلبية حاجاته العضوية والحيوية، وإشباع حاجاته الغريزية؛ يسلك سلوكاً مغايراً ومخالفاً لما يسلكه الحيوان – بالرغم من تشابه الاحتياجات في كثير من الأحيان ـ فهو الكائن الوحيد الذي يمكنه أن يستبدل بالنظام الحيوي للحاجات نظاماً أخلاقياً للقيم … وبذلك يكون المخلوق الوحيد الذي لا يقنع دائماً بما هو كائن بل نجده يحاول تجاوز ما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون .
لقد استطاع المفكرون- في هذا العصر- أن يصلوا إلى اتفاق مفاده أن الإنسان ما هو إلا كائن مفكر مما جعله في ذروة سلم الوجود. ولكن ما هو التفكير؟ أليس هو إفراز عقلي يهدف إلى الارتقاء بالإنسان من حضيض المادة والماديات إلى سمو الفكر العقلي المجرد. إذًا فالتفكير نشاط ذهني ينبني على أسس وقواعد لا غنىً للإنسان عنها (… ولكن يبقى الإنسان المتعلم المثقف هو الذي يرتقى في سلم التفكير المنطقي؛ وذلك بتأسيس قناعاته وآرائه ومذهبه في الحياة على مقدمات صادقة توضع في البداية، ويستنبط منها ويستدل، بواسطة قواعد وقوانين المنطق الأولية الصادقة، والتي هي واضحة بنفسها من غير حاجة إلى دليل أو برهان ) .
ـ الإنسان وعلماء النفس:
التفكير بجانب أنه إفراز عقلي صرف فهو أيضاً- من وجهة نظر علماء النفس – سلوك يعبر به الإنسان عن ما يجرى في دخيلة نفسه من نشاط فكرى شعوري داخلي، يتوفر لدى الكائن الحي بسبب تعرضه لمثيرات خارجية أو داخلية محددة، وهو ما يسميه علماء النفس بسيكولوجية التفكير، فعلم النفس – منذ نشأته – ركز الكثير من اهتمامه حول العمليات العقلية حيث اهتم بدراسة التفكير والادرك والاستبصار، ومحتوى الشعور والبناء العقلي. هذا ما كان من شان علم النفس التقليدي، أما الذين جاءوا من بعدهم كالسلوكيين فقد جعلوا من المثير والاستجابة محور الاهتمام الأول لعلم النفس؛ وذلك لسهولة قياس لاستجابات الناتجة عن المثيرات والتحكم فيها، وهذا هو صميم العملية التجريبية مما جعل الإنسان – في نظرهم- آلة صماء، ورأوا أن النشاط العقلي (التفكير) ما هو إلا مجموعة متشابكة من المثيرات والاستجابات. وهم بذلك يتجاهلون- عن عمد – تلك النشاطات الفكرية العقلية المعقدة التي يقوم الفرد بأدائها بين لحظة وأخرى .
من هنا بدأ علماء النفس (علم النفس التجريبي) في تركيز كل اهتمامهم حول العمليات العقلية التي يستخدمها الإنسان في التخطيط والتنظيم بغرض الوصول إلى غاياته وأهدافه، فصار الإنسان محلِلاً و مصنِفاً للمعلومات (information processor)، بدلاً من أن يكون مجرد آلة صماء كما عند السلوكيين. إذاً فدراسة العالم العقلي والنفسي الداخلي للفرد تؤكد أن هناك صلة بين العقل والجسد. ولكن ما نوع هذه العلاقة؟؟؟.
وللإجابة عن هذا السؤال لابد من تضافر جهود العديد من الجهات ذات الاختصاص بالأفكار الفلسفية والعقائد الدينية وعلم النفس والطب بغرض الربط بين الجسد- بشكل عام – و بين الدماغ (الجهاز العصبي) ؛ لذلك قيل: إن خير إمارة للروح الفلسفية أن يهوى المرء شتى العلوم . وقيل أيضاً إن خير إمارة للروح العلمية أن يحب المرء الفلسفة .
ـ الحاجة إلى الفلسفة:
تعتبر الحاجة إلى المعرفة الفلسفية الشاملة ـ في نظر الفلاسفة المفكرين ـ من أكبر وأعظم ما الحاجات التي ينبغي على الإنسان أن يبحث عنها ويتشيث بها؛ فالفيلسوف يؤدى وظيفة تعد من أهم وأجل الوظائف في هذا العالم فهو يعوض الاتجاه التخصصي بنوع من المعرفة الشاملة حتى يبلغ شأواً عظيماً من الاتساع لا يدركه المتخصص. من هنا أضحت الحاجة إلى إعادة تركيب الصورة إلى ما كانت عليه قبل التخصص. وتلك هي المهمة التي تطلع بها الفلسفة، والفيلسوف يقوم بأداء هذا الدور بعد أن يضيف إلى الخبرات البشرية الكثير من: الخبرات الدينية والجمالية والأخلاقية … وغيرها من الخبرات، مما جعله يتميز بطريقة تفكير تميزه عن سواه؛ لأن الفكر أو التفكير الفلسفي له مميزات تجعله متفرداً دائماً، وهذه المميزات يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أ- العقلية: نشأ التفكير الفلسفي بغرض استخدام التأمل العقلي وجعله منهجاً معرفياً، بالاعتماد على البديهيات والمسلمات.
ب- الحرية:- على الفيلسوف – لكي يقوم بدوره في هداية الفكر الإنساني أن يتحرر من التأثيرات السابقة؛ لأن التفكير الفلسفي ينبني على الإنعتاق من القيود مثل: التربية (الفاسدة )، و العرف والمألوف والعادة والتقليد … وأن يتشبث بالعقل وقوانينه المنطقية التي ترشده نحو الحقيقة.
ج- التجريد:- ويقصد منه تجريد العقل من كل وصاية أو تبعية، لاسيما وأن العقل يتأثر بالبيئة المحيطة به والمكونة لأفكاره (الإسان ابن بيئته)، و هذا بالطبع لا يعنى انفصال الفيلسوف ( المفكر) عن بيئته ومجتمعه وإنما يعنى التخلص من النظرة الضيقة والتحيز الأعمى .
د- التساؤل:- هو أحد سمات التفكير الفلسفي؛ لأن التفكير الفلسفي يبدأ بالتساؤل، بغرض إشباع حاجة المفكر للمعرفة ( معرفة كنه الحقيقة ).
هـ- الشك:- للفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط) مقولة زائعة الصيت وهي: (أنا أفكر إذاًا أنا موجود)، كذلك بنى الإمام أبو حامد الغزالي جميع فلسفته على مبدأ الشك. وفي كثير من الأحيان نجد أن المفكر يشعر بالتوتر والقلق (عدم الاستقرار النفسي) وعدم الراحة الداخلية؛ عندما يبدأ في مناقشة مسألة مألوفة لدى العامة من الناس. ومن هنا يمكننا القول بأن الشك لدى الفلاسفة المفكرين أمر طبيعي ينجم عن عدم الارتياح للخطأ ومحاولة تصويبه؛ لأنه (الفيلسوف) يمثل الضمير الحي للبشرية ويقوم بواجبهم في التفكير ويتحمل عنهم تبعاته من اتهام بالخيانة أو الكفر والإلحاد … و غيرها من التهم التي تعرض لها كثير من الفلاسفة المفكرين.
و- العمق:- يعترى الفلاسفة والمفكرون الشك والحيرة نتيجة لعمق التفكير، وعدم السطحية فالمفكر يرفض التسليم دون التحقق من المسائل مهما علا شأنها و لن يهدأ عقل المفكر ولا يستسلم حتى يهتدي إلى نتيجة صادقة تريح فكره.
ز- الشمول:- يعد واحد من أبرز السمات المميزة للفلسفة عموماً، وللتفكير الفلسفي بوجه خاص. والتفكير الفلسفي هو خلاف التفكير العادي الذي ينبني على الجزئيات ولا شأن له بالكليات التي هي من مسائل الفلسفة، والتي تشغل حيزاً واسعاً في مضمار التفكير الفلسفي.
ح- الاستمرارية :- المعرفة الإنسانية – في طبيعتها- مبنية على التراكم بين الأجيال والأفراد عبر الحقب الزمنية المتطاولة، لهذا كانت الاستمرارية سمة طبيعية للعقل الذي لا يتوقف عن التساؤل والتفكير، الأمر الذي جعل الفكر الفلسفي طموحاً ولا حدود لطموحاته، فهو لا يقنع بما وصل إليه، فكل نجاح يغريه بمواصلة المسيرة والكشف عن مزيد من العوالم و الآفاق الجديدة، وعلى الرغم مما وصل إليه الفكر الإنساني اليوم إلا أن لا يرقى إلى ما يصبو إليه .
و بهذا يكون الفيلسوف قد قام بوظيفة التحليل بمستوياته الثلاثة وهى:
أ- التفكير الجزئي: وهو الذي يخوض في تفاصيل الحياة اليومية.
ب – التفكير الكلى: يهتم بسائر طبيعة الفكر الإنساني.
ج – التفكير العلمي: ويتعلق بتفاصيل العلوم.
وخلاصة القول إن هناك درجات يرتقى عليها المفكر حتى يتمكن من بلوغ درجة المعرفة اليقينية:
أ/ أن يبدأ المفكر الفلسفي بالتساؤل .
ب/ أن يشك المفكر في المألوف (العرف ).
ج / أن يبحث المفكر عن المعرفة الشافية (تبديد الحيرة).
د / أن يضع المفكر عدة فروض (حلول ظنية).
هـ/ والنتيجة هي: أن يصل المفكر إلى اليقين أو إلى درجة تقاربه.

تعليقان (2) على “الإنسان بين الفلسفة وعلم النفس … حسن محمد أحمد محمد”

  1. لا يظهر في ديباجة الملتقى إشارة إلى تاريخ انعقاد المؤتمر استقبال الملخصات والمداخلات الكاملة أرجو التوضيح،

شارك برأيك