القضايا اللغوية في غير مظانها (كتاب الورقات أنموذجا) … مصطفى العادل

مصطفى العادل: باحث ماستر في الدراسات اللغوية: قضايا ومناهج بجامعة محمد الأول – المغرب

لقد أصبح من الطبيعي جدا أن نتحدث عن القضايا اللغوية، بل اللسانية الحديثة في غير مظانها كلما تحدثنا عن تراثنا القديم، والأجدر من هذا، فتح المجال أمام الباحثين والدارسين للبحث في القضية، وتشجيعهم ودعمهم للغوص فيها، فلا شك أن ما تحويه بطون تلك الكتب القديمة غني جدا بالفوائد اللغوية المهمة، وغن اختلفت اهتماماتها والعلوم التي الفت فيها.
ولعل السبب في ذلك راجع بالأساس إلى قضية تكامل الأجناس المعرفية عندهم، هذا من جهة، حيث لم تعرف العلوم في العصور المزدهرة هذه التخصصات الضيقة والحدود الوهمية بين مختلف العلوم، لذلك فإن الطبيب عندهم لا يمكن أن يستغني عن الهندسة والرياضيات والفقه والأصول واللغة والفلسفة وغيرها من العلوم، بل إن العالم المتمكن في زمانهم هو الذي يكتب في كل التخصصات، وهو ما يمكن أن نطلق عليه العالم الموسوعي، استقاء من الموسوعة التي تجمع كل العلوم بلا استثناء، ولك أن تأخذ ابن رشد وابن سينا والخوارزمي نماذج خيرة على ذلك. ومن جهة ثانية امتداد علومهم من آي الوحي ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الدافع الذي لم يرض يوما بهذه التخصصات التي قزمت العلوم وشوهتها، ولعبت دور العرقلة والحاجز الذي حجب حقيقة الكون عن الانسان باعتبارها الطريق لمعرفة الخالق والمبدع.
إن تكامل الأجناس المعرفية، وامتداد العلوم من الوحي في جو إيماني، عاملان لا يمكن تجاهلهما في غمار البحث في قضية التراث، إضافة إلى ضرورة قراءة المسار السياسي والتاريخي للأمة، لمعرفة الأسباب التي أدت إلى هذه القطيعة الفضيعة والمهولة للإنسان العربي مع ماضيه وتراثه الزاخر.
تجدر الإشارة إلى أن ورود القضايا اللغوية في غير مظانها، أصبح حقيقة لا يمكن غض الطرف عنها، ولك أن تتأمل في أي كتاب من تلك الكتب، سواء كانت مشرقية أو من مخلفات الحضارة الأندلسية العريقة لتدرك هذه الحقيقة، فمن خلال الاطلاع الأولي سوف تتوقف عند قضايا لغوية في غاية الأهمية، وربما حديثة العهد في إطار اللسانيات الحديثة، بالنسبة لمن يوفقه الله للبحث في التراث الغني، أو ممن ابتلاهم الله بالتعصب للحضارة الغربية والانبهار بموروثها اللغوي الحديث.
لقد اخترنا تأكيدا للحقيقة التي أثرناها في هذه الصفحات المتواضعة، الوقوف عند كتاب (الورقات) لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن عبد الله الجويني الشافعي (419-478ه)، وقد سميت بهذا الاسم لما تحويه من ورقات في بعض فصول أصول الفقه، إلا أن ما يهمنا هنا، هو الوقوف عند الفوائد اللغوية في هذه الورقات، وغير خاف أن استمدادهم رحمهم الله من الوحي –كما سبق أن أشرنا- كان الدافع الأساس للاعتناء بالعربية التي شرفها الله لتكون لغة القرآن ولغة النبي الخاتم صلوات ربي وسلامه عليه، فلا عجب أن تكون كل العلوم بهذه اللغة العظيمة الخالدة بخلود النص القرآني، ثم غننا سوف نكتفي في هذا المقام بما نراه دليلا قاطعا على ما ذهبنا إليه، وإلا فالكتاب كله قضايا لغوية لا منيع من الاطلاع عليها وجردها، كما تجدر الإشارة إلى أن بعض القضايا قد لا نجدها في كتب اللغة ذاتها، بالحجم الذي نجدها في باقي التخصصات من فقه وأصول وتفسير وفلسفة وغيرها من العلوم الانسانية والدقيقة إن صح هذا التصنيف.
لقد قسم صاحب الكتاب الكلام إلى أقسام عديدة فقال: أقل ما يتركب منه الكلام اسمان أو اسم وفعل أو فعل وحرف أو اسم وحرف، كما ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار وتمنّ وعرض وقسم، وينقسم من وجه آخر إلى حقيقة ومجاز، ميز بين كل هذه الأنواع، فأعطى لكل نوع معناه، فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه، والمجاز ما تخوّز عن موضوعه، ثم فرق بين أنواع الحقيقة من لغوية وشرعية وعرفية والمجاز، حيث لا يكون إلا بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة.
ثم أعطى معنى للبيان في علاقته بالنص فقال: البيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيّز التجلّي، والمبين هو النص، والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحدا. كما تناول الاستثناء والشرط، فاعتبر الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في الكلام، وإنما يصح بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء، ومن شرطه أن يكون متصلا بالكلام، ويجوز تقديم الاستثناء من الجنس ومن غيره. كما أن الشرط يتأخر عن المشروط ويجوز أن يتقدم عن المشروط كذلك.
من جانب آخر تناول مجموعة من المصطلحات من حيث تحديد معانيها والتمييز بينها، خاصة بين بعض الأضداد ومن ذلك:
1- الأصل: ما يبنى عليه غيره. والفرع: ما يبنى على غيره، ومن شرط الفرع أن يكون مناسبا للأصل، كما أن من شرط الأصل أن يكون ثابتا بدليل متفق عليه بين الخصمين.
2- العلم: معرفة المعلوم على ما هو عليه في الواقع. والجهل: تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع، كما ميز بين العلم الضروري، باعتباره ما لم يقع عن نظر واستدلال، كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس. والعلم المكتسب وهو الوقوف على النظر والاستدلال.
3- الأمر: استدعاء الفعل بالقوة ممن هو دونه على سبيل الوجوب، ويكون بصيغة (أفعل). والنهي: استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، ويدل على فساد المنهي عنه
4- العام: هو ما عم شيئين فصاعدا، من قوله: عممت زيدا وعمرا بالعطاء، وعممت جميع الناس بالعطاء. والخاص يقابل العام، والتخصيص تمييز بعض الجملة.
كما أشار كذلك إلى معاني مصطلحات منها:
1- التقليد: قبول قول القائل بلا حجة، ومنهم من قال قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله.
2- الاجتهاد: بذل الوسع في بلوغ الغرض.
3- الخبر: ما يدخله الصدق والكذب.
4- الاجماع: هو اتفاق علماء العصر (الفقهاء) على حكم الحادثة الشرعية.
ومن ذلك كذلك تمييزه بين بعض المتشابهات كما هو الشأن بين الظن والشك:
1- الظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر. والشك تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.
تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن الوقوف عند الفوائد اللغوية في غير مظانها من الضروريات التي ينبغي العمل بها في سعينا للنهوض باللغة العربية، فكتب التفسير والفقه والأصول وعلوم القرآن والحديث وغيرها، أيقونات لغوية غنية لا غنى للباحث في القضايا اللغوية من الاطلاع عليها والرجوع إليها.

تعليقان (2) على “ القضايا اللغوية في غير مظانها (كتاب الورقات أنموذجا) … مصطفى العادل”

  1. سبحان الله عنوان الفعالية فيه خطأ خطير. كلمة (في غير مضانها) غيرت المعنى بالكامل. والصحيح (مظانها) وهناك فرق شاسع بين الضن والظن.

    1. أولا: هذا مقال رأي وليس فعالية.
      ثانيا: الخطأ المشار إليه – والمنسوب لصاحب المقال – تم تصحيحه مباشرة بعد النشر. أي قبل كتابة تعليقكم بساعات.
      شكرا لكم وبارك الله في حرصكم

شارك برأيك