الإعلام الإسلامي تنظير تراثي تواكلي … رقية بوسنان

د. رقية بوسنان: جامعة الأمير عبد القادر – قسنطينة – الجزائر

ترجع فكرة الإعلام الاسلامي إلى عبد اللطيف حمزة، عبر مؤلفه الإعلام في صدر الإسلام، وقد وضح ذلك يقوله:” إنني أقدمت على هذا البحث بشيئ غير قليل من التردد والخوف، لأن الذي يبحث في تاريخ الإعلام في الإسلام لابد أن تكون له أصالة حقيقية في الثقافة الاسلامية والتاريخ الاسلامي، والمذاهب الاسلامية، ولا بد أن تكون في نفسه أصالة حقيقة في علم الاتصال الذي يشتمل على فنون كثيرة…وأين من يدعي لنفسه الإحاطة الكاملة بهاتين الثقافتين، في دقة وعمق معا”.
وقد أقدم الباحث على ذلك لتحقيق أغراض ثلاثة :
_هذا الاتجاه الجديد في بحوث الاتصال والاعلام الاسلامي سيغري الباحثون بالدخول إلى هذا الميدان، وولوج شعاب بحوثه على طول الطريق من أول الاسلام حتى العصر الذي نعيشه.
_الدفاع عن كرامة المؤلفين المسلمين الذين لا يليق بهم أن يظلوا في مواقع التبعية للمؤلفين الأجانب، فلا ينبغي الانتظار حتى يأتي المرلف الاجنبي ويؤلف في مجال الاعلام الاسلامي وقد سبق إلى التأليف في نواح كثيرة.
_لفت الشباب إلى الثقافة الاسلامية، إذ ينصرف معظمهم إلى التراث الأجنبي وهو مفتتن به ويعرف عنه أكثر مما يعرف عن التراث الاسلامي، وتلك ظاهرة ملمة بهذا الشباب.
إن فكرة عبد اللطيف حمزة لاقت استجابة كبيرة من طرف الباحثين المسلمين، وتعددت مؤلفاتهم في هذا المجال إلى ما يقارب أربعين مؤلف ويزيد، وعشرات المقالات بمجلات علمية محكمة وغير محكمة في مختلف الجامعات الاسلامية، وعشرات الرسائل بين ماجيستير ودكتوراه، وقد تطورت هذه الأبحاث بشكل واضح في القرن الماضي وهذا القرن.
لكن ما يمكن ملاحظته أن جل الابحاث تعاني من فلسفة المصطلح وأبعاده، ويضطرب فيه المؤلفين في الحديث عن خصائصه ووظائفه ومواضيعه، فمنهم من يوسع المصطلح ليشمل مفاهيم متعددة ومتنوعة كمفهوم الاتصال، والاعلام العام، والدعوة الاسلامية ومنه من يجعل منه مفهوما تراثيا ينحصر في فترة تاريخية معينة، مع التوضيح أن مساءلة التراث، معول يحفر انفصالنا عن زماننا، فلا يجب المغالاة في اختزال تاريخ الاعلام الإسلامي في التراث العربي الإسلامي فيتحول هذا التاريخ إلى سلطة مركزية لانتاج كل عناصر العملية الاعلامية في الزمن الحاضر، فالأمر يستدعي الحصافة وتوحيد الجهود لفرز ذلك التاريخ وتمحيصه، ومنهم من يجزء المفهوم فيحصره في نشاطات فقهية تشمل العبادات والمعاملات وبعض القضايا الدينية، ومنهم من يطرحه كمصطلح يمكن التمكين له في المستقبل.
هذا الاضراب في المفهوم جعل معظم المؤلفات أشبه بمؤلفات في التاريخ الإسلامي، أو السيرة النبوية، أو في العقيدة، وحتى في فقه العبادات، أو في الاعلام والاتصال وصبغهما بالصبغة الاسلامية، فما تنفك بعض المراجع تتحدث عن الدعاية الاسلامية، والاعلان الاسلامي، والعلاقات العامة الاسلامية، والرأي العام الاسلامي،والوسائل الاسلامية…مما يندر بفوضى التأليف في هذا المجال.
تعاني أيضا مؤلفات الإعلام الإسلامي من الاضراب في المحتوى والمادة المقدمة، فما يلبث بعض الباحثين في بعض الفصول يطيلون في التعريف بالاعلام العام والعملية الإعلامية وعناصرها المختلفة معتمدين كليا على المؤلفات الاعلامية العامة، والحديث عن الفنون الاعلامية والنشاطات الاتصالية من وحتى النظريات الاعلامية من المنظور العام أيضا، والبحث لها عن تلوين معرفي قد يؤدي إلى الخلل الواضح في فهم هذا المجال وما ينبغي أن يكون عليه.
وقد نجد لتلك المطبات أو الخلط وعدم وضوح الرؤية لفكرة أو نظرية الاعلام الإسلامي مبررات ينطلق منها المؤصلون للإعلام الإسلامي يمكن أن تتلخص في:
_يجب أن يستفيد الإعلام الإسلامي مما توصل إليه علم الإعلام (باعتباره علما عالميا متاحا للجميع) سواء في الغرب أو الشرق، من نظريات وأسس ومفاهيم، وتطبيقها علىيه بحيث يسير هذا الأخير وفق الأسس العامة لعلم الإعلام، ويطبق المفاهيم العامة له، لكن في الوقت نفسه مع المحافظة على ضرورة ألّا يعيش عالة على الإعلام الغربي ينقل من فتات مائدته أخبارًا ملوثةً بالدعاية المسمومة، أو مسرحيات متشائمة، أو فنونًا منحرفة، وآدابًا شاذة باسم التحضر والرقي والتقدم.
_إن القرآن الكريم “ضربًا رائعًا من ضروب الإعلام …، بما أتى به من قيم ومفاهيم جديدة تختلف كل الاختلاف عن القيم والمفاهيم في عصر الجاهلية، بل كان من أنجح وسائل الإعلام في الإسلام على وجه الإطلاق”،
_إن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام حقق”منجزات مذهلة في حقل الدعوة الإسلامية استجابة لنداء ربه وتحقيقًا للمهمة التي كلفه بها، وهي مهمة إعلامية بالدرجة الأولى”.
_ليس هناك إطار فلسفي أو فكري أو عقدي “أكثر وضوحًا وثباتًا من الإسلام، فعندما نقارن الإسلام بالفكر السلطوي، أو الحر، أو بفكر المسؤولية الاجتماعية، أو الشيوعي، نجد أنه لا وجه للمقارنة بينه وبين غيره في الوضوح والثبات”، لأن تلك الأفكار البشرية انطلقت من أشخاص حاولوا معالجة مشكلات الحياة من منطلق تصوراتهم ومبادئهم، وقد تباينت هذه الأفكار من شخص إلى آخر تباينًا شديدًا، في حين يعتمد الإسلام على دستور إلهي واضح، صالح لكل زمان ومكان، ولم تطله يد التحريف، أو التغيير، أو التبديل.
_لا يمكن أن نغفل وجود حراك إسلامي يواكب المنجزات الاعلامية التي تمثلت وتتمثل في شكل صحف ومجلات ومحطات إذاعية ومشاريع طموحة من أبرزها إطلاق قمر صناعي مشترك بين الدول الإسلامية والذي أوصى بأهميته المؤتمر الثاني لوزراء إعلام الدول الإسلامية الذي عقد في القاهرة في 17جانفي1991، حيث صرح وزير الإعلام المصري صفوت الشريف أنه:” لا بديل أمامنا اليوم عن ضرورة الاعتماد كاملا وذلك من خلال تدعيم الأجهزة الإعلامية التي تنشر الخبر الإسلامي والمعلومات الأساسية عن كل النشاطات الإسلامية داخل العالم الإسلامي، وعلى متابعة أخباره ونشاطاته من خلال أجهزة إعلام موحدة قوية تغنيه عن الاعتماد على الأخبار العالمية التي تأكد لنا أنها لا تولي هذه الأخبار الاهتمام المطلوب إعلاميا، أو التي قد تلجأ إلى تشويهها أو تلوينها عند تناولها خدمة لأهدافها الاستراتيجية”.
_تنامي وانفجار تكنلوجيا المعلومات، ومحاولة البعض إيجاد مساحات جادة عبر هذه التكنولوجيا لصناعة خطاب إسلامي في كل المجالات، فقد أنشأت الفضائيات الاسلامي، والصحف الاسلامية، والإذاعات الاسلامية، والمواقع الإسلامية، وأصبحا واقعا ملموسا في حياة الناس وغيرت عادات الكثير من المشاهدين ولا قت قبولا من شريحة حماهيرية واسع بالرغم من السلبيات التي تعتريها.
وتعترض الباحثة على جملة معاني وردت في سياق البعض من هذه المبررات وهي تتكرر في بعض المؤلفات من غير انتباه، كالقول بأن القرآن كتاب إعلامي، هذا الطرح الرائج في بعض المؤلفات أعتبره ضربا من المبالغة فالقرآن الكريم ليس كتابا إعلامي، بل هو كتاب مقدس وهو كلام الله، وإنما يمكن القول أن الإعلام الاسلامي يمكن أن يتخلق بما ذكر في القرىن الكريم من أخلاق وضوابط في شتى الممارسات، كما ترى أن للدعوة مفاهيمها وحقولها وخصائصها، فهي ليس الإعلام الإسلامي وإنما الإعلام الإسلامي هو أحد أساليبها أو مناهجها للرقي بها والدفاع عنها، وتؤكد الباحثة ان الإسلام دين سماوي خاتم لجميع الاديان، وتنفي عنه انه القول بأنه إطار فكري أو فلسفي، ولا مجال لمقارنته بأطر أو أنظمة وضعية يعتريها التحريف والنقص.
إن الخطأ الذي يقع فيه الكثير من الباحثين والغير المتعمد، إنما هو ناتج عن التراكمات المعرفية والإيديلوجيا المسيطرة على الفكر، فلا تكاد تخلو بئة أو مجتمع عربي وإسلامي من سيطرة المذاهب الوضعية والفلسفات الحديثة التي تنتشر في كل المجالات وخاصة المجال الاعلامي.
إن هذه القراءة السريعة لبعض مضامين الكتب وتبيين بعض أوجه القصور في فكرة الاعلام الإسلامي، لا تنقص من قيمة بعض الجهود التي تتجه إلى تحريرها وإفرادها بالعناية والدراسة المركزة، حيث كثر الحديث عن الخطاب الاسلامي الذي يعتبر جوهر العملية الاعلامية وتقييمه وترشيده بما يحفظ للفرد والمجتمع والأمة كرامتهم ومقدراتهم وضرورة التموقع لا التقوقع.
ترى الباحثة أن الكتابة في هذا المجال الخصب _الإعلام الإسلامي_ ليس ضربا من فنون الكتابة إنما هو مسؤولية كبيرة تحتم على الباحثين الخوض فيه بدقة متناهية، فلا نرجع للتاريخ الإسلامي او السيرة النبوية، والتراثية بهدف التبجيل والتوقير والتعظيم، ومحاكمة والحكم على الآخر المخالف في المذهب والعقيدة والتاريخ، إنما لا بد من ذلك بهدف الاستفادة والتوجيه والاستشراف.
إن الاستمرار في التأليف عن الاعلام الإسلامي بالطرق والمناهج والأساليب الأولى، – وهذا ما أصفه باستمرارية التقليد- يحول دون صياغة نظرية خاصة به، لاعتبارات علمية وموضوعية، مع أن الفكرة المنطلق منها وأهدافها كانت صحيحة إلا أنها وقعت في مطب الانغماس وأسرت نفسها في الماضي اللامع، وفي الحاضر المتوتر.

شارك برأيك