المذهب المالكي في عهد الدولة الإدريسية .. مطارحات نقدية .. عبد الله الجباري

د. عبد الله الجباري: باحث في الفقه والأصول – جامعة محمد الخامس (المغرب)

أجمع مؤرخو المذهب المالكي ومدارسِه، أنه لم يظهر للمذهب أثر في المغرب إلا مع دراس بن إسماعيل (تـ : 357 هـ)، لكن علماء المغرب وإن وافقوا المؤرخين في إجماعهم السابق، إلا أنهم يضيفون إليه مسألة أخرى، وهي أن إدريس بن إدريس كان مالكيا، وأنه حصّل الموطأ، وحفظه. فتميز علماء المغرب بذكر معلومتين متناقضتين، أولية إدريس، وأولية دراس. فأي الأوليتين أصح ؟

أثار هذه المسألة جماعة من العلماء والباحثين، وفق مقاربتين اثنتين :

المقاربة الأولى : طريقة تقليد اللاحق للسابق، حيث رددوا الأوّلِيّتين معا، وطرزوا بهما مصنفاتهم ورسائلهم، ولتنظر في ذلك مكتوبات محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي وعبد الحي الكتاني وسيدي محمد بن جعفر الكتاني وغيرهم، ممن رددوا مقولات ابن أبي زرع الفاسي والمقري التلمساني وغيرهما، من دون حس نقدي، ولا تحقيق علمي.

المقاربة الثانية : طريقة التحقيق، التي تعتمد على ضرورة وضع مقولات السابق تحت مبضع التشريح العلمي، وتميز بهذه الطريقة الحافظ أحمد بن الصديق الغماري الطنجي، وقد تفرد بهذا عن سائر علماء المغرب، ذكره في الاستئناس بتراجم فضلاء فاس، والدكتور المؤرخ المحقق محمود إسماعيل في كتابه الأدارسة في المغرب الأقصى، حقائق جديدة. والعلامة الدكتور محمود سعيد ممدوح في كتابه الماتع طي القرطاس، بتعيين مذهب الإمام إدريس بن إدريس ساكن فاس. والأخيران مصريان.

وللأستاذ محمد المنتصر الكتاني رحمه الله تعالى كلمة دقيقة في الموضوع، حيث قال في جملة عابرة في إحدى محاضراته في السعودية : “رأيت لمالكية المغرب قولا بمالكية المولى إدريس”، وهي كلمة وإن كانت عابرة وعرضية، إلا أنها ذكية جدا، وفيها مغمز لمالكية المغرب، إذ كيف انفردوا بها دون سواهم، ولم يذكرها مؤرخو المذهب من مالكية العراق والحجاز ومصر وإفريقية والأندلس ؟

وقد أورد صاحب الأدارسة في المغرب نُقولا واقتباسات لمؤرخين وجغرافيين دالة على زيدية المغاربة آنئذ، أما صاحب طي القرطاس فاقتبس وجمع، وناقش وحاجج، وانتقد وأمتع، وعزز سِفرَه بمسكوكات إدريسية، دالة بوضوح على زيدية الدولة. وبعد قراءتي لكتابه الصادر سنة 2014، ظننت أنه حسم النقاش، ولم يبق بعد قوله قول، إلا إن ظهرت وثائق مادية تفيد عكس ما قال.

للاطلاع على الورقة البحثية

 

اترك ردا