الحق المسلوب … هشام عطاش

هشام عطاش: الدراسات الاسلامية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية – المغرب

مذ خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وانزله مكلفا إلى الأرض بعبادته قلبا وقالبا، ظهر في كل فترة من تاريخ البشرية نوع من الشرك الذي يسلب الله او ينازعه حقا من حقوقه، فيبعث الله نبيا يعيد الناس الى الجادة، ويزيل بدعوته أوتاد الباطل ويسترجع الحق الى المختص به وحده سبحانه.
شهد عهد نوح عليه السلام سلب حق العبودية لله واتخذوا مع الله آلهة أخرى، فبعث الله إليهم نوحا يسترجع ما نزع من حقه سبحانه ويعيد للناس عقولهم التي سلبتها اصنام من طين،وفي عهد موسى ظهر الشرك السياسي على يد فرعون و الشرك الاقتصادي بزعامة قارون الذي نسب المال لنفسه وسرق الحق من خالقه،وفي عهد ابراهيم عليه السلام ظهرت الاوثان من جديد غير ان منهج استرداد حق العبودية لله وحده اختلف، فقد كان منهج الخليل منهجا عقليا قام من خلالة بتفنيد عبادة غير الله…
واستمرت الحكاية بين سلب واسترجاع وانتزاع وإياب،حتى كان رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فجمع فيها ما تفرق في غيرها من حق وباطل واجتماع وفرقة ،وظهرت فيها كل أنواع الشرك التي خلت مع الأمم السابقة ،غير انها لم تجتمع يوما دفعة واحدة ولم تتنجس الامة بشكل كامل في يوم ما، فقد قيد الله لهذه الامة في كل انتكاسة طائفة قائمة بالحق لا يضرها من خذلها تجدد للامة مشارب دينها وتعيدها الى الاصل الاول الى ما كان عليه النبي واصحابه..
وسأستعرض أهم الحقوق المسلوبة على مر التاريخ الاسلامي مذكرا بالطائفة التي اعادت الحق ودحضت الشرك واهله.
وهي كالتالي:
1) الشرك الفلسفي:شهد العالم الإسلامي بعد حركة الترجمة في عهد العباسين وتمازج الأعراف والحضارات إبان الفتوحات الإسلامية والحركة التجارية للمسلمين هجوم الفكر الإغريقي واليوناني وثقافة الفرس والروم على العقلية الإسلامية بشكل قوي جدا فتداعى بنيان العقيدة في النفوس بسبب هذا الوافد الغريب وأصبح التقديس للنص الفلسفي ولقوة العقل الاثيني بدل استمرار القدسية للنص القرآني والحديثي فشكل ذلك تهديدا خطيرا للأمة الإسلامية ولعقيدتها،حتى هيأ الله لهذا الأمر الحركة الاعتزالية التي نجحت بفضل منهجها العقلي من دحض شبهات الفلسفة وتنكيس رايتها ومنح العقل المسلم الهيمنة من جديد وإعطاءه مفاتح الفلسفة الوافدة ،واستمرت الحركة الاعتزالية خلال هذه المعركة فطغى فيها العقل على حساب النقل،فكان لابد ان يتم تقليم اضفارها واخذ راية منها فانبرى الأشاعرة لهذه المهمة وضعفت المدرسة الاعتزالية ثم انسحبت من المشهد بعد أن أدت دورها التجديدي على أكمل وجه مخلفة ورائها تراثا علميا زاخرا ومنهجا عقليا قويا لصد أي غزو فكري آو ثقافي.
2)الشرك الصوري والباطني: بعد غروب شمس المعتزلة بقيت الراية مرفوعة بيد الاشاعرة وأهل الحديث يغلب عليها العقل والنقل،حيث أصبحت العقيدة أشبه ما تكون بالفلسفة لا تحرك قلبا ولا تقوي إيمانا، واضحي الفقه مجرد حركات وأشكال لا روح فيها ،وغلب المظهر الجوهر، وانتزع حق أخر من حقوق الله،فقيد الله لهذه المهمة الجديدة الحركة الصوفية الذين أعادوا للتدين جوهره وأحيوه بعد ذبوله ،وبتوا في قلب وروح الدين الحياة التي غابت عنه زمنا،وما لبثوا حتى وقعوا هم أنفسهم في المحظور وغلبوا الباطن على الظاهر وجعلوا الدين مجرد نيات لا خراج لها ومجرد تمثلات لا وقع لها في المجتمع والحياة…وسلبوا الله حق من حقوقه أيضا وهو حق الظهور والهيمنة باطنا وظاهرا.
واستمرت دورة الدين أو دورة فهم الناس للدين بين تجدد وتقادم،وأفول وبزوغ،وشروق وغروب…
الشرك الشعائري: بعد قرون من التقليد والجمود والاجترار وقع التدين من جديد في شباك الوثنية ،وأطبقت عليه البدع من كل الجهات حتى غدا غريبا لا نقل يحكمه ولا عقل يرشده،وكما بشر النبي صلى الله عليه وسلم بالمجددين يتعاقبون على هذه الأمة يحيونها بإرجاعها الى الأصل الأول والنبع النبوي الصافي ،ظهر المجدد محمد بن الوهاب ومن هم على شاكلته في أقطار الأمة وربوعها يحاربون الوثنية ويهدمون البدع ويحيون سنة المصطفى حتى ارجعوا الدين لمشربه الأول،واكتفت هذه الحركة التجديدية بهذا الجانب فقط رغم أن الواقع كان يتطلب أكثر من هذا .
4)الشرك السياسي: نجحت الحركة الوهابية في إرجاع التدين لحقيقته فيما يخص الجاني الشعائري غير أنها أولت بظهرها للجانب السياسي ،ولم تعد الحاكمية لله تعالى ،وثم التحاكم لقوانين وضعية مستوردة من الإستخراب الغربي.
و رغم أن الانحراف السياسي بدأ بعد نهاية الخلافة الراشدة وبداية الحكم العاض الذي الغى الشورى وجعلها ملكية وراثية،غير انه أبقى على هيمنة الشريعة إلا فيما يخص الأحكام السلطانية التي لم يوليها الفقهاء العناية المستحقة بسبب جور السلاطين في هذا الباب…
وعندما بلغ الانحراف أوجه واستبدلت الشريعة اغلبها أو كلها بالقوانين الوضعية، وتمت المنازعة في هذا الحق الإلهي ظهر المجدد أبو الأعلى المودودي رحمه الله الذي نادى باعادة الحاكمية لله تعالى وتابعه في هذه الدعوة رجال أفذاذ ابرزهم الشهيد المفسر سيد قطب رحمه الله ،وعملت الحركة الإسلامية بباكستان وحركة الإخوان المسلمين بمصر على هذا الهدف وغيرها من الحركات الإسلامية في شتى الأمصار الإسلامية حتى يعود الحق المنازع فيه لله سبحانه وتعالى وتعود الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وينزوي هذا الحكم الجبري القاتم على الأنفاس والصدور.

5)الشرك الاقتصادي:ان الاقتصاد علم اجتماعي يعبرعن هوية الأمة الإسلامية ويعطيها تميزها المعهود المتمثل في الإرشاد الرباني والعناية الإلهية ،ومن الحماقة أن نذوب في الرأسمالية تاركين الوحي خلف ظهورنا .
رغم انه من الأسباب الرئيسية لظهور الشرك الاقتصادي هو عدم تطور الفقه الإسلامي وعدم تلبيته مواكبته للمتغيرات الاقتصادية وجموده على اجتهادات فقهية قديمة لا تراعي تغير الواقع وتبدل الزمن .

6) شرك التحدث باسم الله: في كل الأديان استولت طائفة ما بعد وفاة نبيها على الدين وأصبحوا يتكلمون باسم الله وغدا الدين ميزة تميزهم ”رجال الدين”، ونفس الأمر وقع في الإسلام فحصروا الاجتهاد على ثلة من الفقهاء تتوفر فيهم شروط معينة يصعب ان يحققها اغلب المسلمين فصار المسلمون مجرد مقلدين للعلماء فسلبت عقولهم وسلبت منهم ملكة الاجتهاد والقدرة على الاختيار والمفاضلة بين الأقوال صالحها وطالحها.
وتحول إجماع المسلمين إلى إجماع مجتهدي الأمة،فعلى كل مسلم كما يتعلم الصلاة والصيام عليه ان يتعلم الحد الادنى من الدين الذي يجعله إنسانا يفكر ليس مجرد آلة يتبع غيره.

والأمة الإسلامية في حاضرنا جمعت فيها كل أصناف الشرك وتكالبت عليها قطعان الداخل والخارج لا بسبب قوتهم وانما بسبب ضعفها وجمودها قرونا طويلة، وتقديسها للرجال وابتعادها عن الأصلين وتحكيم أقوال الرجال بدل نصوص الوحي رغم ان الكل يدعي وصلا بليلى.
لقد أصبح من الواجب على الأمة اليوم أن تغترف من أصل النبع لا من سواقيه وان تعانق التجديد بكل مخاطره لا أن تركن للتقليد بإغراءاته.

شارك برأيك