سورة الإسراء ووعد المرة الآخرة بالانتصار على بني اسرائيل … محمد احميمد

محمد احميمد: باحث – المغرب

سورة الإسراء، وتسمى بسورة بني إسرائيل أيضا، فيها ذكر الله تعالى إسراء النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وذكر إفسادين في الأرض يقوم بهما بنو إسرائيل، ولم تكن حادثة الإسراء عبثا، بل كانت تعبيرا عن قضية الصراع بين المسلمين وبني إسرائيل حول المسجد الأقصى، وأن هذا الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى هو رابطة وصل روحية بين المسجدين؛ للدلالة على أنهما قضية واحدة، وهي قضية الإسلام، فمن فرط في المسجد الأقصى، فقد فرط في المسجد الحرام، وبالتالي فقد فرط في الإسلام كله.

وقد ربطت السورة في أولها بين موضوعين اثنين، هما حادثة إسراء النبي (صلى الله عليه وسلم) من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بإيلياء؛ وهي القدس حاليا، وإفساد بني إسرائيل في الأرض، مما يفيد أن هناك صراع بين الإسلام والديانة اليهودية المتمثلة في الصهيونية، وهو في حقيقته صراع بين الحق والباطل، بين العدالة والظلم، بين السلام والإرجاف اليهودي الإسرائيلي.

سورة الإسراء؛ سورة محورية في قضية الصراع الإسلامي الإسرائيلي حول المسجد الأقصى، فهذه القضية مثارة بقوة في هذه السورة لمن تدبرها، وأنها تحذر المسلمين من خطر بني إسرائيل الكبير، وهي السورة التي يجب أن تؤطر تفكير المسلمين في صراعهم التاريخي مع بني إسرائيل؛ وهذا الصراع ليس وليد العصر الحديث كما يعتقد الكثيرون، بل ولد مع بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، عندما تصدى يهود المدينة وهم من بني إسرائيل لدعوة النبي، وفعلوا كل ما بوسعهم لإيقاف هذه الدعوة حتى لا تكون عالمية، لأنهم كانوا يرون أفضليتهم على سائر الناس، وأنهم سيحكمون العالم يوما ما ببعثة نبي منهم، فلما خاب أملهم ببعثة نبي من العرب، كادوا للإسلام والمسلمين كيودا.

منذ بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم يكيدون للمسلمين، ويشعلون الحروب ضدهم، ويحاربونهم بالواسطة أو بالمواجهة المباشرة، من أجل التعجيل بالقضاء على دعوة الإسلام، ويفسدون في الأرض ولا يصلحون، وقد ذكر الله تعالى إفسادين لهم في سورة الإسراء، فمتى وقعا هذان الإفسادان، هل كان قبل الإسلام، أم أن الإفسادين سيقعا في الإسلام؟

قال الله تعالى في سورة الإسراء: ((وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)))[الإسراء:4-8]. في تفسير هذه الآيات من سورة الإسراء، نجد أن التفسير القديمة تذكر أن الإفسادين قد حدثا قبل الإسلام، وبالرجوع إلى تلك التفاسير نرى أنهم ذكروا إفسادات كثيرة ومتعددة، فلم يتفقوا على إفسادين اثنين بعينهما، فمنهم من جعل الإفساد الأول بقتل النبي زكرياء، وإفساد المرة الآخرة قتل يحيى، فقالوا إن أوّل الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يُدعى صحابين فبعث الجنود، وكان أساورته من أهل فارس، فهم أولو بأس شديد، وأما إفسادهم في الأرض المرّة الآخرة، فكان قتلهم يحيى بن زكريا، وقد اختلفوا في الذي سلَّطه الله عليهم منتقما به منهم عند ذلك، وقالوا كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين: قتل زكريا ويحيى بن زكريا، سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف ملكا من ملوك فارس، من قتل زكريا، وسلَّط عليهم بختنصر من قتل يحيى.

وقالوا أيضا إنه جالوت الجزري وجنوده، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك، وقتل داود جالوت ولهذا قال “ثم رددنا لكم الكرة عليهم”[تفسير ابن كثير]

وقالوا كذلك عن الإفساد في المرة الأولى، إن معنى ((بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد)) هم أهل بابل، وكان عليهم بختنصر في المرة الأولى، وقالو أيضا: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وذكروا كذلك أنه جاءهم بختنصر فهزمه بنو إسرائيل، ثم جاءهم ثانية فقتلهم ودمرهم تدميرا”[تفسير القرطبي]

ومنهم من قال إن الإفساد في المرة الأولى كان قبل الإسلام، والإفساد في المرة الآخرة كان في الإسلام، فبعث بختنصر كان أولا، حيث ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، وأخذ معه خلقا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وأن المرة الآخرة كانت في عهد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): قد عاد بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم محمد (صلى الله عليه وسلم وأصحابه) يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون”[تفسير ابن كثير]

ومن المفسرين المحذَثين، الطاهر بن عاشور في تفسيره، جاء برأي جديد غير الآراء التي ذكرها الأقدمون، فقال إن هذه الآيات تشير إلى حوادث عظيمة بين بني إسرائيل وأعدائهم من أمتين عظيمتين: حوادث بينهم وبين البابليين، وحوادث بينهم وبين الرومانيين”[تفسير الطاهر بن عاشور]

فالمرة الأولى هي مجموع حوادث متسلسلة تسمى في التاريخ بالأسر البابلي وهي غزوات (بختنصر) مَلِك بابل وأشور بلاَد أورشليم. والغزو الأول كان سنة 606 قبل المسيح، أسَر جماعات كثيرة من اليهود ويسمى الأسر الأول. ثم غزاهم أيضاً غزواً يسمى الأسر الثاني، وهو أعظم من الأول، كان سنة 598 قبل المسيح، وأسَرَ ملكَ يهوذا وجمعاً غفيراً من الإسرائيليين وأخذ الذهب الذي في هيكل سليمان وما فيه من الآنية النفيسة.

والأسر الثالث المُبير سنة 588 قبل المسيح غزاهم «بختنصر» وسبى كل شعب يهوذا، وأحرق هيكل سليمان، وبقيت أورشليم خراباً يباباً. وفي قوله تعالى: ((ثم رددنا لكم الكرة)) قال إن رجوع بني إسرائيل إلى أورشليم كان بتغلب ملك فارس على ملك بابل، فقد أدخل هنا طرفا ثالثا في الصراع، سأبين هذا في ردي على هذا التفسير.

وقال عن المرة الثانية والآخرة إنها سلسلة غزوات الرومانيين بلادَ أورشليم، وذلك أن بني إسرائيل بعد أن قضوا نيفاً وأربعين سنة في أسر البابليين وتابوا إلى الله وندموا على ما فرط منهم سَلط الله ملوكَ فارس على ملوك بابل الأشوريين؛ فإن الملك (كُورش) ملك فارس حارب البابليين وهزمهم فضعُف سلطانهم، ثم نزل بهم ( دَاريوس ) ملك فارس وفتح بابل سنة 538 قبل المسيح ، وأذن لليهود في سنة 530 قبل المسيح أن يرجعوا إلى أورشليم ويجددوا دولتهم . وذلك نصر انتصروه على البابليين إذ كانوا أعواناً للفرس عليهم.

والمرة الآخرة هو ما اقترفه اليهود من المفاسد والتمرد وقتل الأنبياء والصالحين والاعتداء على عيسى وأتباعه، وقد أنذرهم النبي مَلاّخي في الإصحاحين الثالث والرابع من كتابه، وأنذرهم زكرياء ويحيى وعيسى فلم يرعووا فضربهم الله الضربة القاضية بيد الرومان”[تفسير الطاهر بن عاشور]

رأيي حول هذه التفسيرات

في التفاسير القديمة كما رأينا؛ وجدنا أقوالا متضاربة، نقضت نفسها بنفسها، فلا يصح اعتبار واقعة من تلك الوقائع أنه هو الإفساد الأول أو الآخر لبني إسرائيل في الأرض، ولا من تسلطوا عليهم وقاتلوهم هم من ينطبق عليهم وصف تلك الآيات الواردة في سورة الإسراء، فكلها آراء متضاربة لا يمكن التعويل عليها لمعرفة حقيقة الإفسادين لبني إسرائيل كما لاحظنا، ولا تسلم من الدس والحشو، ومن  الأحديث الإسرائيلية الدخيلة على كتب التفاسير، ولم يسلم منها من الناحية التاريخية إلا قتال بختنصر الملك البابلي لبني إسرائيل وسبيهم، وقد اتفق على هذا جميع المفسرين، وكذلك ما ذكره بعضهم فيما يخص الإفساد الثاني، أنه كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا التفسير يمكن اعتباره للرد عليه.

وهذا ما سأبينه في حديثي عن معنى الإفسادين في الأرض لبني إسرائيل، في المرتين الأولى والآخرة.

وأما من المفسرين المحدثين فقد وجدنا الطاهر بن عاشور قد جاء بتفسير جديد لمعنى الإفسادين، ويعتبر هذا التفسير تفسيرا مقبولا بعض الشئ من الناحية العلمية، وبعيدا عن الإسرائيليات، فهو يعتمد وقائع تاريخية قد حدثت فعلا، وإن كان قد اتفق مع الأقدمين في اعتبار غزو بختنصر لبني إسرائيل، وجعله في المرة الأولى، فقد خالفهم في معنى الإفساد الثاني، وقال هي سلسلة غزوات الرومانيين بلادَ أورشليم.

لكن هل يعتبر هذا هو المعنى الصحيح للإفسادين؟ هذا ما سنراه عند النظر في هذه الوقائع كلها، وعلاقاتها بما جاء في سورة الإسراء.

1- الإفساد الأول:

قال الله تعالى: ((وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا))[الإسراء:4-5]، سأبين هنا معنى الإفساد الأول الذي أحدثه بنوا إسرائيل في الأرض، أو سيحدثونه كما ذكرت الآية، ومتى حصلت هذه المرة، ومن بعث الله عليهم من عباده ليجوسوا خلال الديار، فهل كان هذا قبل الإسلام، أم في عهد الإسلام.

قوله تعالى: ((وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ)) بمعنى حكمنا وقطعنا في الكتاب الذي هو القرآن، وليس التوراة؛ لأن قضاء الله هنا يفيد الإفسادين الذين سيقعا في عهد الإسلام، وأما ذكر الكتاب قبل هذه الآية في قوله تعالى: ((وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا))[الإسراء:2] فهنا معنى التوراة، أما في الآية الثانية فمعناه القرآن، فالله تبارك وتعالى لما أخبر عن بني إسرائيل في عهد موسى (عليه السلام) التفت إلى بني إسرائيل في عهد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وخاطبهم وأخبرهم بما قضى في القرآن، وقد ورد ذكر القرآن في سورة الإسراء في موضع أخر عند ذكر الإفساد الثاني والمرة الآخرة؛ كما سأبين عند الحديث عن ذلك، مما يدل على أن المقصود بالكتاب في الآية الثانية هو القرآن.

ولا يمكن أن يكون الكتاب الذي ذكر الإفسادين في الآية الثانية هو التوراة؛ لأن بين زمن نزول التوراة وزمن نزول القرآن إفسادات كثيرة لبني إسرائيل، فتاريخ بني إسرائيل من زمن موسى (عليه السلا) إلى زمن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كله فساد، باختلاف التواريخ والأحداث، فهم بمجرد ما عبروا البحر، ووجدوا قوما يعكفون على أصنام لهم، قالوا لموسى إجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال الله تعالى مخبرا عنهم: ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ))[الأعراف:138]، وأفسدوا بأن طلبوا من موسى رؤية الله ((فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ))[النساء:153]، وأفسدوا بعبادتهم العجل من دون الله، قال تعالى: ((وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ))[البقرة:92]، وأفسدوا بتعديهم في السبت، وأفسدوا بنقضهم الميثاق، وأفسدوا بكفرهم بآيات الله، وأفسدوا بقتلهم الأنبياء، وأفسدوا بإعراضهم عن ما ذُكروا به، وتحريفهم الكتاب، وأفسدوا بكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما، وأفسدوا بقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، كما أخبر تعالى عن ذلك كله فقال: ((وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)))[النساء:154-158]، وأفسدوا بحرب بعضهم بعضا، وقتل غيرهم، فهناك إفسادات كثيرة متفرقة في الزمن، منذ بعثة موسى (عليع السلام) إلى بعثة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأي الإفسادين من هذه الإفسادات ذكرهما الله في سورة الإسراء، فلا يمكن أن يكون هذان الإفسادان قبل الإسلام، لأن الله حدد في السورة عدد الإفسادات بمرتين، فقال: ((لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ)) فتبين من خلال ذلك، أن المقصود بقضينا في الكتاب، هنا هو القرآن، وأن الإفسادين، سيقعا في عهد الإسلام.

وقوله تعالى: ((عُلُوًّا كَبِيرًا))، بمعنى لتستكبرن استكبارا شديدا، قد يكون بأفعالهم وقد يكون بأقوالهم، وقد جمعوا الإثنين معا، وهو ليس علوا مجازيا بمعنى الاستيلاء والغلب كما ذكروا، فحتى في القول يكون العلو، كما قال تعالى في نفس السورة: ((قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43)))[الإسراء:42-43].

وقوله تعالى: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا))[الإسراء:5]، (إذا) في الآية تفيد حدثا في المستقبل، ولم تتحدث الآية عن مظاهر هذا الإفساد أوتحدد طبيعته، بل ذكرت فقط بعثَ عباد لله للقضاء على هذا الفساد، ولما كانت السورة مكية، وكان ذلك قبل ظهور فساد يهود المدينة من بني إسرائيل، علمنا أن المقصود من الآية  بالمرة الأولى والإفساد الأول، هو الإفساد الذي أحدثه اليهود في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن عباد الله أولي البأس الشديد الذين بعثهم الله عليهم، هم المسلمون، وهم النبي وأصحابه، واستعمال فعل (بعث) مسندا إلى الله لا يفيد إلا التكريم، وهذا لا يمكن أن يكون إلا في حق المؤمنين، مع كونهم عبادا لله كما ذكر في الآية، وليس كما قال المفسرون القدامى، إن الإفسادين كانا قبل الإسلام فبعث الله عليهم جالوت، وبعث عليهم مرة أخرى بختنصر، فاليهود في زمن جالوت كانوا مستضعفين ولم يكون لهم قوة وشوكة ليفسدوا في الأرض، كما قال تعالى في حقهم: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا))[البقرة:246]، وجالوت كان جبارا في الأرض، وقد قتله داوود (عليه السلام، تحت راية الملك طالوت الذي بعثه الله ملكا على بني إسرائيل، في نفس تلك الحرب التي كان يخوضها بنو إسرائيل مع جالوت وجنوده، قال الله تعالى: ((فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ))[البقرة:249-251]، فبنوا إسرائيل كما تبينه الآيات كانوا في عهد جالوت مستضعفين إلى أن مكنهم الله فانتصروا عليه، وقتل داود جالوت، ثم إذا كانت هذه هي المرة الأولى فكيف تكون المرة الآخرة من قبل بختنصر ملك البابليين، لأن سياق الآية يؤكد أن الصراع في المرة الأولى والثانية يكون بين طائفتين، كما في قوله تعالى: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا))[الإسراء:7]، أي هم نفسهم من يجب أن يسوء وجوه بني إسرائيل ويدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، ويتبروا ما علوا، وليس بختنصر، ولا الفرس ولا الرومان، كما ذكرت التفاسير القديمة، وبعض الآراء المحدثة.

وقد ذكروا أن الله بعث عليهم بختنصر في المرة الأولى، قال الطاهر بن عاشور:”المرة الأولى هي مجموع حوادث متسلسلة تسمى في التاريخ بالأسر البابلي وهي غزوات (بختنصر) مَلِك بابل وأشور بلاَد أورشليم. والغزو الأول كان سنة 606 قبل المسيح، أسَر جماعات كثيرة من اليهود ويسمى الأسر الأول. ثم غزاهم أيضاً غزواً يسمى الأسر الثاني، وهو أعظم من الأول، كان سنة 598 قبل المسيح، وأسَرَ ملكَ يهوذا وجمعاً غفيراً من الإسرائيليين وأخذ الذهب الذي في هيكل سليمان وما فيه من الآنية النفيسة.

والأسر الثالث المُبير سنة 588 قبل المسيح غزاهم (بختنصر) وسبى كل شعب يهوذا، وأحرق هيكل سليمان، وبقيت أورشليم خراباً يباباً”، وهذا كما يرى القارئ هي مرات عديدة، وسلسلة حوادث وغزوات متقطعة عبر تاريخ مملكة بابل واحتلالها لبيت المقدس، وهي وحدها يمكن لأحد أن يأتي ويجعل منها المرة الأولى والمرة الآخرة وإن كان في جملة هذه الأحداث مرة ثالثة كما في كلام الطاهر بن عاشور، فتبين أن تفسيره غير صحيح.

وكذلك في زمن بختنصر كان بنو إسرائيل مستضعفين أيضا، ولم يعلوا علوا كبيرا كما ذكرت الآية، وكانوا أصلا تحت حكم البابليين، ولم يكن لهم كيان مستقل، ولم يكروا على البابليين ولم يكونوا أكثر نفيرا، ولو حصل ذلك لما كان إرادة التخلص من حكم البابليين فسادا في الأرض وعلوا، وقد حاول دبيكيا الحاكم اليهودي الانقلاب على حكمهم، فهاجمه الملك البابلي بختنصر، وهدم أسوار القدس ومنازل أورشليم وقام بسبي اليهود، وهو ما يعرف بـالسبي البابلي، وهدم القدس وما فيها من معابد، وأخذ منهم التابوت، وذلك في عام 586 ق.م. ثم إن الآية تقول: ((بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا)) ولم يكن بختنصر وجنوده مؤمنين حتى ينطبق عليهم وصف (عبادا لنا) لأن كلمة (عباد) لا تطلق إلا على المؤمنين، كما في قوله تعالى: ((قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ))[الزمر:10]، وقوله: ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ))[الأنبياء:26]، وقوله: ((قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)))[ص:82-83]، وغير ذلك من الآيات التي وردت فيها كلمة (عباد) تقريبا مائة مرة، كلها في مقام المدح، بخلاف كلمة (عبيد) إذا أطلقت فلا تفيد المدح، بل قد تفيد الذم، وفي قوله تعالى: ((مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ))[فصبت:46]، وكيف يكون جالوت وجنوده وبختنصر وجنوده عبادا لله؟ فجالوت وجنوده كانوا وثنيين، كما أن الديانة البابلية كما هو معلوم في التاريخ، ديانة وثنية تعتمد على تعدد الآليهة، ولها طقوس خاصة في العبادة، بعيدة كل البعد عن الديانات التوحيدية، فلا يصح القول إن بختنصر كان مؤمنا، أو أنه من عباد الله الصالحين، فمثل بختنصر وجنوده الذين هدموا أسوار القدس ومنازل أورشليم وقاموا بسبي اليهود، وهدموا القدس وما فيها من معابد، وأخذوا منهم التابوت، قال الله في حقهم: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ))[البقرة:114]، فهم هم الظالمون وليسوا عباد الله، فعباد الله هم الذين يمشون على الأرض هونا ويقولون سلاما، كما قال تعالى: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا))[الفرقان:63].

وأما من رأى أن كلمة (عباد) وكلمة (عبيد) لهما نفس المعنى، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ((وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)))[المائدة:116-118]، وقالوا لقد جاء ذكر (عبادك) في الآية ((إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ)) في حق الكفار، واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ((وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ))[الفرقان:17]، وقالوا إن كلمة (عباد) هنا أيضا وردت في حق الكفار، والصواب أن هذا الأمر يوم الحساب عند الله، فهناك يكون الكل خاضعا لله، فينطبق عليهم كلمة (عباد)، فمن كانوا في الدنيا خاضعين لله فهم (عباد)، ومن كانوا خاضعين لأنفسهم وللطواغيب فهم (عبيد)، وإن كان الكل عبادا لله وعبيدا له بالجملة، وذلك يوم الحساب عند الله، فمن هنا جاءت حكمة التفرقة بين كلمة (عباد) وكلمة (عبيد) في الدنيا، لأنها تفيد التكليف وما يقابله من مدح وثناء.

فهذه الصفات في قوله تعالى: ((بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ)) لا تنطبق إلا على المسلمين، وهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، فهم الذين بعثهم الله فجاسوا خلال ديار اليهود في المدينة، وقوله ((أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)) بمعنى أنهم كانوا ذا قوة وشوكة ومناعة كما تبين ذلك الوقائع والأحداث التي عاشها المسلمون في حروبهم مع قريش، لذلك وصفهم الله بالبأس الشديد، باعتبار ما هم عليه قبل بعثهم على اليهود.

وهذا الإفساد الأول كما ذكرت بدأت ملامحه الأولى مع بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) بمكة، وكان قبل ذلك اليهود في المدينة، ينتظرون بعثة نبي منهم ليحكموا العالم ويسودوا الشعوب، لأنهم يرون أنفسهم شعب الله المختار، وأن الله فضلهم على العالمين، لكن لما بعث الله نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) وكان من العرب، رأوا مشروعهم العالمي سينقض، وأن الإسلام هو الدين العالمي، وأن محمدا بعث للناس جميعا، أظهروا له وللإسلام العداء، وكان الإسلام ما يزال في مكة قبل الهجرة إلى المدينة، وكانوا يبعثون إليه وهو في مكة من يسأله ويعجزه، ويحرضون عليه كفار قريش، ويغرونهم بقتله والقضاء على دعوته، فكل الشواهد تدل على أن عداء اليهود للنبي بدأت من مكة، يقول إسرائيل ولفنسون في كتابه تاريخ اليهود في بلاد العرب: “ونرجح أن اليهود لم يغفلوا عن الحركة الإسلامية؛ لأنها متصلة بمصالحهم، السياسية والتجارية والاجتماعية، خصوصا إذا لاحظنا اتجاه الدعوة الإسلامية صوب المدينة أواخر سنوات مكة”.

 وهذه هي بداية الإفساد الأول، فسورة الإسراء سورة مكية تتحدث عن مستقبل الصراع بين المسلمين وبني إسرائيل، وتوجه الخطاب إلى بني إسرائيل الموجودين في المدينة، فهم من بني إسرائيل الذين استوطنوا المدينة (يثرب) سابقا، هروبا من الاضطهاد الروماني الذي وقع لهم في الشام، وعندما استقروا في يثرب، أسسوا مجتمعهم هناك بما يحمله من طابع فكري واجتماعي واقتصادي، وهم ثلاث قبائل كبيرة، بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ويهود خيبر، وكانوا أكثر علما ومالا من العرب، حيث كانوا يقومون بعدة أنشطة فكرية واقتصادية، فعلى المستوى الاقتصادي أقاموا نشاطاتهم على الزراعية والصناعية والتجارة، وتمكنوا من السيطرة على اقتصاد يثرب وما حولها، واستغلوا حاجة العرب إلى المال والقوت والأدوات الزراعية والحربية، فكانوا يقرضونهم بالربا مما جعل العرب يخضعون لليهود، وكانوا يترفعون على العرب وينظرون إليهم نظرة احتقار، حتى إنهم كانوا يسمون العرب بالأميين، لأنهم لا كتاب لهم، وهم لهم النبوؤة والكتاب، وكانوا يستفتحون على العرب بمبعث نبي منهم يحكمون به العرب والعجم، قال تعالى: ((وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ))[البقرة:89]، فهم من البداية كانوا يريدون إخضاع العرب لسيطرتهم، والاستيلاء على أراضيهم، والتحكم في مصيرهم، بكل الوسائل الاقتصادية والدينية.

ولما هاجر النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة حاربوه بكل ما أوتوا من قوة ومن وسائل وحيل؛ للقضاء على دعوته، وتقويض دين الإسلام، وتحزبوا مع القبائل العربية المشركة من أجل هذا الغرض، وكل مرة كانوا يخونون العهد مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان هذا هو إفسادهم الأول فبعث الله عليهم المسلمين بقيادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهؤلاء اليهود هم:

 بنو قينقاع: الذين نقضوا العهد بفعلهم الفاحش في حق امرأة مسلمة جاءت لقضاء حاجتها في سوقهم، واجتماعهم على قتل رجل مسلم، فنقضوا العهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك فأجلاهم عن المدينة.

بنو النضير: خانوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحاولوا الغدر به وقتله، فحاربهم وأجلاهم خارج المدينة.

بنو قربظة: وكانوا على عهد وميثاق مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع المسلمين، فخانوا العهد والميثاق، وراسلوا الأحزاب في غزوة الخندق، لغزو المدينة، وإرادتهم القتال مع المشركين ضد المسلمين، وكانت خيانة من داخل دولة المسلمين، والاستعانة بالعدو الخارجي المتمثل في الأحزاب القبلية التي اجتمعت للقضاء على المسلمين ومحو دولتهم ووجودهم، والقضاء على دعوة الإسلام، فلما صرف الله عن المسلمين شر الأحزاب بعد أن قذف في قلوبهم الرعب، وسخر ضدهم الريح العاتية اقتلعت خيامهم فتفرقوا، توجه النبي إلى قتال بني قريظة فأنزل بهم عقابا شديدا.

يهود خيبر: كانوا أقوى قبائل اليهود، وخيبر وحدها تعتبر مدينة في الحجاز، كانت خيبر تشتمل على سبعة حصون، وكان عدد جيشهم عشرة آلاف مقاتل، قاموا بدور كبير في دعوة الأحزاب إلى قتال المسلمين، ودعوا إلى اجتماع اليهود والاتحاد لقتال المسلمين، تفرغ إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد قيامه بصلح الحذيبية مع قريش، فخلت الساحة للمسلمين، فحاربهم وحاصرهم حصارا شديدا، ثم دخل حصونهم ومم معه من المسلمين فانتصروا عليهم، وكان بذلك فتح خيبر من قِبَل المسلمين.

وهذه الأحداث هي التي ينطبق عليها قوله تعالى: ((فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ))، وجاسوا الديار، بمعنى دخلوها وتخللوها، وساروا في طرقها، وبين البيوت، بحثا عن اليهود المفسدين، كما قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ))[الحشر:2]، وفي الآية التي ذكرت هذا الإفساد، وما سيقع فيه من أحداث، لم تذكر المسجد وذكرت الديار فقط، لأنها تتحدث عن الإفساد الأول والمرة الأولى، وقد بعث الله عليهم المسلمين في المدينة، وأما دخول المسجد المرة الأولى فباعتبار ما سيقع بعد ذلك، كما سأذكر عندما أتناول اللآيات التي تحدثت عن الإفساد الثاني والمرة اللآخرة.

وقوله تعالى: ((وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا)) بمعنى صادقا ومتحققا، وليس معناه وقع قبل، فكان هنا لا تفيد الماضي، بل تفيد الاستقبال، وأن ذلك متحققا، كقوله تعالى: في نفس السورة عند الحديث عن القرآن: ((وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108)))[الإسراء:106-108]، فهذه الآيات مناسبة لأول سورة الإسراء، ومعززة لبيان معنى الكتاب، وبيان معنى (كان وعدا مفعولا) وهذا ما يفيد في تفسير الآيات التي تحدثت عن الإفسادين، في المرتين الأولى والآخرة، فالراجح إذن أن الإفساد الأول كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم، وأن المقصود بالعباد أولي البأش الشديد كما في الآية، هم المسلمون.

2- الإفساد الثاني:

بعد أن ذكر الله تعالى في آيات الإسراء إفساد بني إسرائيل في المرة الأولى، وبعثه عليهم عباده من المسلمين فجاسوا خلال ديارهم، ذكر بهدها رجوع كرّة اليهود على المسلمين، وسيحدثون بذلك الإفساد الثاني وهو المرة الآخرة، قال الله تعالى: ((ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7))[الإسراء:6-7]، وهذا الإفساد هو المرة الآخرة، وهي التي حصلت في هذا العصر، ونحن نعيشها اليوم، وقد ابتدأت مع استقواء بني إسرائيل -وهم اليهود المشتتون في العالم- بالمال والنفوذ والنفير، فكرّوا بذلك على المسلمين، واستولوا على المسجد الأقصى، كما في قوله تعالى: ((ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ)) الخطاب هنا موجه لبني إسرائيل الذين كانوا في عهد النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم يهود المدينة، وليس لبني إسرائيل الذين عاشوا قبل الإسلام منذ بعثة موسى (عليه السلام)، وأغلب الآيات في القرآن التي ذكر الله فيها بني إسرائيل وقصتهم مع موسى، والأنبياء من بعده، وعصيانهم الله تبارك وتعالى، إنما هو خطاب موجه لبني إسرائيل في عهد النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدرجة الأولى ليعتبروا، وكذلك ليحذر المسلمين منهم ومن إفسادهم في الأرض، فهذه هي الحكمة من كثرة ذكر أخبار بني إسرائيل في القرآن الكريم.

واستعمال (ثم) في الآية، وهو حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي، وليس حرف الفاء مثل فرددنا، الذي يفيد الترتيب مع التعقيب، للدلالة على أن بين الإفسادين والمرتين الأولى والآخرة زمن طويل، والكرّة في اللغة معناها: الرجعة، والحملة في الحرب، والدولة والغلبة، والكرّ الرجوع، وكرر الشئ أعاده مرة بعد أخرى، مما يفيد أن معنى الكرة في الآية الرجوع والحملة والغلبة، وهذه الكرّة لن تكون إلا على نفس الطائفة التي بعثها الله على بني إسرائيل فجاسوا خلال ديارهم، وهم المسلمون، فلا يصح أن يكون غيرهم، بسياق الآيات من سورة الإسراء، وهو انقلاب يهود بني إسرائيل على المسلمين، وليس كما ذكر بعض المفسرين المعاصرين بأن الكرة كانت عند حملة ملك فارس (كورش) على البابلين، وحرر بذلك اليهود من الأسر، فهذا بعيد، لأن الآية تخبر أن الكرة ستكون من بني إسرائيل وليس من غيرهم، ولا يمكن القول أيضا أن اليهود هم الذين استنفروا الملك الفارسي (كورش) فقام بحملته على البابليين، فهذا لا يصح، ولا تفيده الآية.

وقوله: ((وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا))، فمعنى الإمداد بالأموال والبنين، هو أن اليهود هم أصحاب المال، وهم المسيرون للنظام الرأسمالي، والمدبرون للبنوك والشركات الدولية الكبرى، وهم المتحكمون في الاقتصاد العالمي، ويفرضون على الدول الدخول في هذه المعاملات المالية، إما عن طريق القروض أو بالابتزاز، وكل هذه الأموال توجه لتنمية الدول الرأسمالية الكبرى التي ترأسها حكومات خاضعة للطائفة اليهودية، وذلك لخدمة المشروع اليهودي الصهيوني ليحكم العالم.

والنفير من الاستنفار، فهم يستنفرون القوى الدولية لخدمة مشروعهم والانتصار بهم، فهم منذ بداية العصر الحديث، وتأسيسهم منظمة الصهيونية العالمية، وهم يوزعون شبكتهم للإفساد في الأرض، ويتسللون إلى الحكومات، ويؤسسون المنظمات العالمية لتحقيق مشورعهم، وتكوين وطن لهم على أرض فلسطين، لذلك نجد كل الحكومات والمنظمات الدولية في خدمة القضية الصهيونية.

وقوله تعالى: ((إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)) معناها سواء أحسنتم أم أسأتم فكل ذلك لأنفسكم، كما قال تعالى: ((مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا))[فصلت:46]، و قد استعملت (إن) الشرطية بدل إذا الشرطية، وهناك فرق بينهما فـ (إن) تفيد التشكيك في حصول الفعل، بخلاف (إذا) التي تفيد القطع في حصوله.

وقوله تعالى: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ))، هذا هو الإفساد الثاني، والمرة الآخرة، وهي التي نعيشها اليوم في العصر الحيث، فلو كان الإفساد الثاني والمرة الآخرة قد حصل قبل الإسلام لما وصف الله تعالى هذه المرة الثانية بــ (الآخرة)، لأنها تعني أن ليس بعدها مرة أخرى بخلاف إذا قلنا (الأخيرة) فيمكن وجود مرة أخرى بعدها، لذلك سمى الله الحياة الأخرى التي هي مقابل الحياة الدنيا، بالحياة الآخرة؛ لأنها ليس بعدها موت وحياة أخرى بعدها، فلو كانت المرة الآخرة هي غزوة بختنصر أو غزو الرومان لما كان هناك إفساد لليهود اليوم، فتبين أن المرة الآخرة هي التي نعيشها اليوم.

وقد وردت كلمة (الآخرة) في سورة الإسراء أربع مرات، مرتان بمعنى الإفساد الآخر لبني إسرائيل وبعث عباد الله عليهم، وقد ذكرت واحدة سابقا، وهي: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا))، وواحدة أخرى في قوله تعالى: ((وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا))[الإسراء:104]، فوعد الآخرة هنا معناها كما ذكر سابقا في الآية، وليس كما فسروها بأنه يوم القيامة، بل معناه المرة الثانية والآخرة من الإفساد في الأرض، والناس يوم القيامة يأتون فرادى، كما قال تعالى: ((وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ))[الأنعام:94]. ومعنى ((جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا))، اللفيف في اللغة جماعات من الشئ يضم بعضه إلى بعض، وهو هنا جماعات من اليهود يجيؤون من كل أرجاء الأرض، للاستيطان في أرض فلسطين، وذلك بعد الشتات وتفرق بني إسرائيل في الأرض من بعد موسى (عليه السلام)، وهذا هو معنى اسكنوا الأرض، ولم يحدد الله لهم أي أرض يسكنونها، مما يفيد الأرض كلها، كما قال تعالى: ((وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا))[الأعراف:168]، وهذا ما حدث فعلا لبني إسرائيل، فهم كانوا مشتتين في الأرض، ليس لهم وطن يجمعهم، ثم جاؤوا إلى أرض فلسطين جماعات تلو الأخرى، عن طريق الهجرات، بعد وعد بلفور سنة 1917، لإنشاء وطن قومي لليهود الصهاينة في أرض فلسطين، فدل ذلك أن معنى الآخرة، هو الإفساد في المرة الآخرة، وأن في هذه ستكون نهايتهم، وسينتصر المسلمون ويملكون المسجد الأقصى.

وأما المرتان التي وردت فيهما كلمة (الآخرة) بمعنى يوم الحساب عند الله، فهذا في قوله تعالى: ((وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا))[الإسراء:45]، وقوله: تعالى: ((وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا))[الإسراء:72].

والمرة الآخرة لم تكن في زمن بختنصر كما ذكر المفسرون، للأمور التي ذكرتها من قبل في حديثي عن إفساد بني إسرائيل في المرة الأولى، وذكرت أن غزوات بختنصر لم تكن لا هي الأولى ولا هي الآخرة، ولا هي غزوات الرومان كما ذكر في بعض التفاسير المعاصرة، ومنهم الطاهر بن عاشور، فقد ذكر أن إفساد بني إسرائيل في المرة الآخرة، هو ما اقترفه اليهود من المفاسد والتمرد وقتل الأنبياء والصالحين والاعتداء على عيسى وأتباعه، وقد أنذرهم النبي مَلاّخي في الإصحاحين الثالث والرابع من كتابه وأنذرهم زكرياء ويحيى وعيسى فلم يرعووا فضربهم الله الضربة القاضية بيد الرومان، فكيف يكون الرومان هم المعنيين بالأمر في حين الآية تذكر أن بني إسرائيل سيعيدون الكرة على نفس الطائفة التي جاست خلال ديارهم، وهم ليسو الرومان قطعا، فهذا تفسير بعيد كل البعد عن ما ذكره الله في الآيات الواردة في سورة الإسراء.

وقوله تعالى: ((لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ))، أي ليسوؤكم، وإسناد الإساءة إلى الوجه، لأن أثر الإساءة التي في النفس، يظهر على الوجه، وهذا من شدة ما سينالهم من عباد الله سينتصرون عليهم في المرة الآخرة.

ومعنى: ((وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ)) أي سيدخل المسلمون المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة ويستردوه، وكانت أول مرة دخل المسلمون المسجد الأقصى واستردوه، في عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عندما جاء بنفسه من المدينة إلى القدس، وكانت تسمى إيلياء في ذلك العهد، فاستلم مفاتيحه من النصارى، واشترط عليهم اخراج الروم خلال ثلاثة أيام، وعقد صلحا مع أهل القدس، وأعطاهم الأمان، ولم يعط ذلك اليهود، وكان الصراع بين اليهود والنصارى حول المسجد الأقصى قد بلغ أشده في ذلك العهد، ودخل المسجد الأقصى، وسأل عن مكان الصخرة، فدلوه على المكان، وقد اتخذه النصارى مزبلة، فأزالها بنفسه، وكان دخول عمر القدس في رجب عام 16هـ.

قد يقول قائل: ولكن المسجد في عهد عمر كان في يد الرومان، وليس في يد اليهود؟ للرد على ذلك أقول: ليس بالضرورة أن يكون المسجد في يد اليهود، لأن قوله تعالى: ((كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ)) جاء في الآيات التي تحدثت عن الإفساد في المرة الآخرة، لأن بعث عباد الله الأول على بني إسرائيل كما في قوله تعالى: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا))[الإسراء:5] لم يأت بذكر المسجد، وإنما ذكر الدخول إلى ديار بني إسرائيل فقط، وكانت في المدينة، وأما دخول المسجد فباعتبار أن هؤلاء القوم، وهم المسلمون الذين جاسوا خلال ديار اليهود بعد إفسادهم في المرة الأولى، ودخولهم أول مرة المسجد الذي في يد الرومان، سينتصرون على اليهود في المرة الآخرة ويدخلون المسجد كما دخلوه أول مرة، فأولى الدخولين إلى المسجد، مفصولة عن أولى الانتصارين على يهود بني إسرائيل، كما بينت الآيات التي تحدثت عن الإفسادين في المرة الأولى والآخرة، مما يدل على أن صراع المسلمين مع اليهود في المرة الآخرة هو على المسجد الأقصى بالدرجة الأولى، لذلك جاء بذكر المسجد في الآية التي تحدثت عن إفساد بني إسرائيل في المرة الآخرة، فلا إشكال في ذلك.

وقوله تعالى: ((وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا))، معناه سيحطمون ما سيطر عليه هؤلاء المسلمون، وهي معنى (ما علوا)، وسيدمون ما أحدثه اليهود وما شيدوه من بنايات داخل ساحة المسجد الأقصى وتحته، حسب ما نفهم من الآية، ومنها بناؤهم للهيكل اليهودي، وهذا هو أكبر مشروع للصهيونية العالمية، فهذا الهيكل مهيأ بكل تفاصيله، في أي لحظة يمكن أن يقيموه على أنقاض المسجد الأقصى، وليس معنى الأية أن هولاء الذين سيدخلون المسجد سيدمرونه كما فهم المعترضون، وهذا التتبير سيكون في المرة الآخرة، ولم يكن في المرة الأولى التي دخل فيها عمر بن الخطاب المسجد الأقصى، لأن الآية: ((كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ)) جاء بعدها واو العطف، في ((وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)) وهي للمغايرة، وتعني أن في هذه المرة سيكون هناك تتبير لما شيده وبناه بنوا إسرائيل في المسجد الأقصى.

وهذا الدخول في المرة الآخرة، صفات الداخلين له مثل صفات الذين جاسوا خلال ديار اليهود في المرة الأولى، ودخلوا المسجد أول مرة، فلابد أن يكونوا حقا عبادا لله أولي بأس شديد.

ثم يقول الله تعالى: بعد ذلك: ((عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ))[الإسراء:8]، فـ(عسى) تدل على الرجاء، وقد جاء ذكر الرحمة بعدها، مما يفيد أن المسلمين لن يمارسوا التقتيل في حق بني إسرائيل المنهزمين عند انتصارهم عليهم، لأن الله قال في نفس الآية: ((لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ)) وهو أثر نفسي لا بدني، مما يفسر لنا معنى ذكر الرحمة في الآية، وهذا يعني أن اليهود سيعودون إلى الذل والمسكنة، ولن يكون لهم إفساد وعلو بعد ذلك، وسيبقون تحت سيطرة المسلمين، وفي حضن دولة فلسطين، متعايشين مع المسلمين، كما عاشوا في حضن دولة الإسلام في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) في المدينة، لكن هذه المرة لن يعيدوا إفسادهم من بعد القضاء على دولتهم الظالمة، المفسدة في الأرض.

وقوله تعالى: ((وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا))[الإسراء:8]، فقوله: ((وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا)) إن كان معناه العودة إلى الإفساد؛ فإما أن يكون بمعنى العصيان، فيطبق العقاب الدنيوي عليهم، ويتلوه بعده الجزاء الأخروي؛ كحال عصاة المسلمين المفسدين، فطبيعة الإفساد بهذا المعنى لا تنتهي في عالم الإنسان، سواءا كان اليهود أو المسلمون أو غيرهم، وإما أنهم إن أرادوا أن يعودوا إلى الإفساد، عاد عليهم العقاب، فلا يتحقق لهم ذلك الإفساد، وقد استعملت (إن) الشرطية بدل (إذا) الشرطية، وهناك فرق بينهما، فــ (إن) تفيد التشكيك في حصول الفعل، بخلاف (إذا) التي تفيد القطع في حصوله. وإما أن يكون تفسير الآية بمعنى وإن عدتم إلى الدار الآخرة يوم الحساب، عدنا لكم بالعقاب، جزاء إفسادهم في الأرض، وما ذكر بعدها ((وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)) يعزز ذلك، فلا يُفهم من قوله: ((وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا)) أنها تفتح باب العودة للإفساد والعلو في الأرض في المستقبل، مما قد يدل على أن الإفسادين وقعا قبل الإسلام، فهذا قصور في الفهم والتدبر في هذه المسألة، وقد رددت على ذلك وبينته، ومن خلال الآية نفسها التي تعلقوا بها.

ثم بعد هذه الآيات التي تحدثت عن الإفسادين في المرة الأولى والآخرة لبني إسرائيل في الأرض، جاء الحديث عن القرآن، فقال تبارك وتعالى: ((إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا))[الإسراء:9]، مما يفيد أن معنى الكتاب في قوله تعالى: ((وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا))[الإسراء:4]، هو القرآن، وليس هو التوراة، والقرآن هو الذي ذكر هذين الإفسادين، وهما في عهد الإسلام، لأن السورة مكية وتخبر عن المستقبل، فكان الإفسادان في المرة الأولى والمرة الآخرة، فأولاهما في عهد النبي وقد بعث الله عليهم عبادا له من المسلمين، وهم النبي وأصحابه، والآخرة هو ما نعيشه اليوم وسيبعث الله عليهم عباده من المسلمين ليسوءوا وجوهم وليدخلوا المجسد الأقصى كما دخلوه أول مرة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فالسورة إذن تتحدث عن الإفسادين اللذيْن سيقعا في عهد الإسلام، وليس قبله كما ذكر كثير من المفسرين، ولا يمكن أن يخبر الله تعالى عن إفساد بني إسرائيل في الأرض ولا يذكر أكبر فساد وقع في الأرض، وهو هذا الذي نعيشه اليوم في عصرنا هذا.

احتلال الأرض المباركة، ومعها المسجد الأقصى من قبل يهود بني إسرائيل الصهاينة؛ هي بداية نهاية الحركة الصهيونية في العالم، والقضاء على دولة إسرائيل، وهذا وعد للمسلمين ووعيد ليهود بني إسرائيل المعتدين، كما نستفيد من هذه السورة.

اترك ردا