الأقصى بين وعد الآخرة وشجر الغرقد، قِرَاءةٌ فِي قِرَاءَاتٍ مَعْلُولُةٍ

د. طارق محمود محمد، أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية والعلوم الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود

من يوم أن ثبت لنا إدراك، ورشد لنا عقل، ونظرنا إلى الدنيا بعين البصيرة، اجتاح حواسنا جميعا قضية كبرى تشغل الكبير والصغير، ويتحدث فيها العلماء والعوام، ويحكي مآسيها الرجال والنساء؛ هي قضية فلسطين، فعرف الناس محنتها ورددوا اسم قائد من قوادها يسمى ياسر عرفات، فتتحدث نشرة السادسة والتاسعة عن القضية، وعن الاحتلال، وعن المهاجرين، وعن عرفات … ثم ما لبثنا أن سمعنا من فوق المنابر ذلك الشاب( وما أكثرهم) الذي شرع يحدثنا عن ذات القضية بمسمى آخر( القدس أو الأقصى) وبحس آخر (حس الدين أو العقيدة) ومن مصدر آخر هو( الكتاب والسنة) عشنا سنين طوال ونحن نوقن ونعتقد (من كثرة أحاديث ذلك الشاب وأمثاله) أن سورة الإسراء جاءت عارضت لقضية فلسطين بعد تأسيسها في ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف، وأن وعد الآخرة الذي نصت عليه أوائل السورة إنما يقصد به العباد المسلمون الذين يعودون فيحررون القدس تحقيقا لوعد الآية الكريمة، وأن تفسير( ثم رددنا الكرة عليهم) أي نصرناكم أيها المسلمون عليهم، ومكناكم من دخول المسجد ( الأقصى)! لم نراجع يوما تفسيرا، ولم نرجع يوما لكتاب في التاريخ؛ لنتبين صواب ما يقوله ذلك الشاب من خطئه، وأصبح الجميع يردد كلما جاءت المناسبة (وعد الآخرة) ونحن الموعودون، وأرض فلسطين هي أرض الوعد، وأننا سندخل المسجد كما دخلوه أول مرة! (وكل هذا باطل) كما سيأتي.
لم يكتف الشاب بتحريف نص الكتاب الكريم عن مقصده (وإن لم يكن قاصدا لكنه أخبر به فظل يردد) بل أتى بالسنة لتكون له سندا، وليكون نصها حجة قاطعة، وحتى يمعن في تضليله (وإن لم يقصد الضلال) ولكنه استهواه تزيين القضية بالنص الشريف، فظل على المنابر ينعق (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود…) ثم يفسر الحديث على أنها البشارة بتحرير فلسطين وتخليص المسجد من براثن اليهود، وأننا (أمة المسلمين ـ العرب خاصة ـ أيضا الموعودون بذلك، … إلى آخر ما نسمع من أن تحرير فلسطين وعد الله لعباده المؤمنين.
لم يكن الشاب وغيره فقط هم الذين صدروا لنا هذا التفسير الديني لقضية فلسطين، بل وقع فيه علماء كبار جرهم إليه زخم ما يعرف بالحركة الإسلامية في مصر، فالشعراوي والغزالي والقرضاوي وعبد الهادي والبوطي والصلابي… إلخ، يكيفون احتلال فلسطين على وعد الآخرة وشجر الغرقد! تسمع أحدهم في مقاطع منتشرة أننا في مرحلة (فإذا جاء وعد الآخرة) متجاهلا أن الخطاب كان لليهود وقد جاء وانتهى أمره! والتساؤل الذي يحتاج إلى بيان هل الخطاب القرآني في الآيات يشي بذلك؟ وهل نص آيات الاسراء تدل على ما يشيع؟ هل نص حديث الغرقد يدل على تحرير فلسطين؟ ولتحرير المسألة في النص القرآني أحيلك لعدد من كبار كتب التفسير للمراجعة وأنقل لك أقرب نص لزماننا ثم ندلف لحديث الغرقد، فقد راجعتُ تفسير الآيات فيما يأتي (» سورة الإسراء» قوله تعالى فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ص: 195، و تفسير الطبري جامع البيان ج 17 ص370، و تفسير البغوي(معالم التنزيل)ج 5 ص80،وتفسير البحر المحيط لأبي حيان ج6 ص8 وما بعدها، و فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية محمد بن علي بن محمد الشوكاني دار المعرفة سنة النشر: 1423هـ / 2004م، و تفسير القرآن التفسير الكبير الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل دار الكتب العلمية ببيروت سنة النشر: 2004م – 1425هـ.) كل هؤلاء وغيرهم انتهوا على أن تفسير الآية خطاب لبني إسرائيل فقط، (فإذا جاء وعد الآخرة) أي (يا بني إسرائيل)والآخرة (أي المرة الآخرة من الافساد ( وقد جاء) وأنقل لك نص الطاهر بن عاشور؛ إذ إنه قريب عهد بالقضية(الوفاة 12 /8 / 1973) يقول:” [ ص: 38 ] وبيان ذلك : أن اليهود بعد أن عادوا إلى أورشليم ، وجددوا ملكهم ومسجدهم في زمن داريوس ، وأطلق لهم التصرف في بلادهم التي غلبهم عليها البابليون ، وكانوا تحت نفوذ مملكة فارس ، فمكثوا على ذلك مائتي سنة من سنة 530 إلى سنة 330 قبل المسيح ، ثم أخذ ملكهم في الانحلال بهجوم البطالسة ملوك مصر على أورشليم ; فصاروا تحت سلطانهم إلى سنة 166 قبل المسيح ، إذ قام قائد من إسرائيل اسمه ( ميثيا ) وكان من اللاويين ، فانتصر لليهود ، وتولى الأمر عليهم ، وتسلسل الملك بعده في أبنائه في زمن مليء بالفتن إلى سنة أربعين قبل المسيح ، دخلت المملكة تحت نفوذ الرومانيين ، وأقاموا عليها أمراء من اليهود كان أشهرهم ( هيرودس ) ثم تمردوا للخروج على الرومانيين ، فأرسل قيصر رومية القائد سيسيانوس مع ابنه القائد طيطوس بالجيوش في حدود سنة أربعين بعد المسيح فخربت أورشليم واحترق المسجد ، وأسر طيطوس نيفا وتسعين ألفا من اليهود ، وقتل من اليهود في تلك الحروب نحو ألف ألف ، ثم استعادوا المدينة ، وبقي منهم شرذمة قليلة بها إلى أن وافاهم الإمبراطور الروماني أدريانوس ، فهدمها ، وخربها ، ورمى قناطير الملح على أرضها ; كيلا تعود صالحة للزراعة ، وذلك سنة 135 للمسيح ، وبذلك انتهى أمر اليهود وانقرض ، وتفرقوا في الأرض ولم تخرج أورشليم من حكم الرومان إلا حين فتحها المسلمون في زمن عمر بن الخطاب سنة 16 صلحا مع أهلها ، وهي تسمى يومئذ إيلياء .
نص البغوي: ( فإذا جاء وعد الآخرة ( أي : المرة الأخيرة من إفسادكم ، وذلك قصدهم قتل عيسى عليه السلام حين رفع ، وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام ، فسلط الله عليهم الفرس والروم خردوش وطيطوس حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم ، فذلك قوله تعالى ( ليسوءوا وجوهكم ( أي : تحزن وجوهكم وسوء الوجه بإدخال الغم والحزن ) ص80 وخلاصة ما يمكن أن يقرأه ذو البصر والبصيرة في كتب التفسير المختلفة والمتعددة أن الخطاب كله خارج عن سياق القضية محل النقاش، فتحرير فلسطين وتحرير الأقصى ليس له صلة بوعد في سورة أو بشرى في حديث، يمكن لفلسطين أن تتحرر من محتليها ويمكن أن تحتل من قوم آخرين ، كما يمكن أن يجري هذا على غيرها من أخواتها العربيات المسلمات .
أما حديث الغرقد فلا صلة له بالقضية من قريب أو بعيد، والاحتجاج به ضلال كبير، يضل به من في قلبه هوى، وفي عقله جهل، واعتادت نفسه على التبعية والتقليد الأعمى دون بصر أو روية، فهذه المعركة ستكون في آخر الزمان وقت نزول سيدنا عيسى عليه السلام، ولا صلة لها بفلسطين قولا واحدا دون أدنى خلاف، وإليك النصوص.
(1) النص المحتج به الذي يردده المرددون مع إخفاء غيره:” في صحيح مسلم (2922) من حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) وهذا النص مجمل، يأخذه الآخذ ويطير به منزلا إيه على الواقع، وذلك محال وإن لم توجد روايات مفسرة له، فنطق الحجر والشجر علامة كبرى على أن الدنيا لم تصبح الدنيا التي نعرفها، فنطق الجماد رفع للحجب، وتبديل للنواميس، أهل يعقل بعد نطق الحجر أن تستمر الدنيا ، وقد انتهى اختبار الايمان بالغيب؟ أيمكن لأحد أن يظل على كفره بعد هذه الآية الكبرى، ومع ذبك فللحديث ما يثبت أن هذا القتال قتال في وقت قيام الساعة ولا صلة له بفلسطين، بل بعض الروايات تنص على أن مكان القتال في المدينة. وإليك ما الرواية الآتية:
(2) روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يَنْزِلُ الدَّجَّالُ فِي هَذِهِ السَّبَخَةِ بِمَرِّ قَنَاةَ [واد في المدينة] ، فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ وَإِلَى أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ ، فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ يُسَلِّطُ اللهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ، فَيَقْتُلُونَهُ وَيَقْتُلُونَ شِيعَتَهُ ، حَتَّى إِنَّ الْيَهُودِيَّ لَيَخْتَبِئُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَوِ الْحَجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرَةُ لِلْمُسْلِمِ : هَذَا يَهُودِيٌّ تَحْتِي فَاقْتُلْهُ ) رواه الإمام أحمد في ” المسند ” (9/255) وقد أورده بشواهده الحافظ ابن حجر رحمه الله في ” فتح الباري ” (6/610) ، وحسَّن منها حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه ، ثم قال : ” فالمراد بقتال اليهود : وقوع ذلك إذا خرج الدجال ونزل عيسى ” انتهى.
وقال ابن الملقن: ” المراد بقوله (تقاتلون اليهود) إذا نزل عيسى، فإن المسلمين معه، واليهود مع الدجال” “التوضيح لشرح الجامع الصحيح” (17/663). وهو ما جزم به جمع من شراح الحديث، بل أخرج الإمام الترمذي (2236) حديث عبد الله بن عمر السابق في باب ” علامة الدجال “.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” اليهود إنما ينتظرون المسيح الدجال، فإنه الذي يتبعه اليهود، ويخرج معه سبعون ألف مطيلس من يهود أصبهان، ويقتلهم المسلمون معه، حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله ” انتهى من ” الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ” (2/ 30).
ما رأيكم يا من لا تلمون من ذكر الآيات والأحاديث !!!!!!!!!!!!!!!

شارك برأيك