تقرير عن مناقشة أطروحة الدكتوراه: الأساليب النبوية وعلاج قضايا الأسرة في ضوء بعض مصادر السيرة النبوية

نوقشت مساء  يوم الخميس 18/01/2018 الموافق ل 01 جمادى الاولى 1439 ه  على الساعة الرابعة مساء برحاب كلية الآداب والعلوم الانسانية جامعة القاضي عياض بمراكش أطروحة جامعية في بنية مدارك الاجتهاد في المستجدات الإنسانية المعاصرة تأهيل الأسرة و اَفاق التنمية.

أعدها الطالب الباحث سعيد شرفي في موضوع : الأساليب النبوية وعلاج قضايا الأسرة في ضوء بعض مصادر  السيرة النبوية تحت إشراف الاستاذ الدكتور المنصف الكريسي

وناقشتها لجنة من الأساتذة الدكاترة تتكون من :

ـ الاستاذ الدكتور المنصف الكريسي .

ـ الأستاذ الدكتور فتح الله السطيري.

ـ الأستاذ الدكتور ميمون بريش.

ـ الأستاذ الدكتور عبد الرحمن العمراني.

وبعد دفاع الطالب عن أطروحته التي جاءت في أكثر من 360 صفحة ومناقشة اللجنة له في الموضوع والشكل والعنوان والخطة والمنهج والمصادر، امتدت لساعات طوال منحت اللجنة للطالب سعيد شرفي درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية تخصص الفقه والأصول بميزة مشرف جدا .

وتقدم الطالب الباحث بتقرير موجزعن الرسالة العلمية المعروضة للمناقشة أمام هذه اللجنة العلمية وبحضور ثلة من الأساتذة داخل وخارج الجامعة وطلاب العلم وزملاء الباحث وأسرته الكبيرة والصغيرة .

هذا نصها الكامل :

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم دائما أبدا.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ”.[1]

بداية، أقف وقفة إجلال وتقدير وشكر لأستاذي الفاضل الدكتور المنصف الكريسي، الذي أكرمني بالإشراف على هذا البحث، كما أنه كان السببَ المباشرَ في اختياري لهذا الموضوع، وقدم لي من النصائح العلمية والتوجيهات المنهجية ما يسّر لي سبل البحث والتنقيب عن خباياه، فجزاه الله عني أحسن الجزاء.

 كما أني أحمد الله الكريم، من قبل ومن بعد، حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه أن يسر لي، بفضله ومَنِّه، المثولَ بَيْنَ يَدَي هذه اللجنة العلمية الكريمة المكونة من ثلة من الأساتذة الأفاضل المتمكنين، والباحثين الأماثل المقتدرين ممن تمرسوا في البحث العلمي الأكاديمي الرصين، وأسهموا في إرساء دعائمه  بالجامعة المغربية ، للنظر في هذا البحث وتقويمه وتصحيح ما فيه من هِنَات، وفق المعهود في أساتذتي الأكارم من الغيرة العلمية الصادقة والحرص النبيل على إفادة طلبتهم:

ـ الأستاذ الدكتور المنصف الكريسي

ـ الأستاذ الدكتور فتح الله السطيري.

ـ الأستاذ الدكتور ميمون بريش.

ـ الأستاذ الدكتور عبد الرحمن العمراني.

والشكر موصول لكافة أساتذة شعبة الدراسات الإسلامية بالكلية، وكذا أطرها التربوية والتقنية، وللسيد العميد الأستاذ الدكتور عبد الرحيم بنعلي، وللسيد مدير مركز الكتوراه،  ثم لكل قريب وبعيد له يد علي مساعدةً ونصحا وتآزرا حتى أتى البحث اليوم على حلته وحالته التي بين أيديكم.

       1 – موضوع البحث

 إن المتأمل في الشريعة الإسلامية ليجد أنها أولت أهمية بالغة للأسرة باعتبارها النواةَ الأساسية لقيام المجتمعات، وحيث كان هَمُّ الشرع صلاحَ المجتمع ؛ إذ قوته من قوة الدولة، فقد أخذ مأخذ العناية أركانَ الأسرة: زوجا و زوجة وأبناءً، فنطقت بذلك نصوص القراَن و السنة .

ثم إن المتأمل ثانيةً في واقع الأمة الإسلامية، يجد كثيرا من الخلل والتناقضات، خاصة في مجال الأسرة، و سبب ذلك راجعٌ لابتعاد هذه المجتمعات عن الالتزام بمقتضيات الهدي النبوي، مع الجهل بخبايا السيرة النبوية وما تحويه من أساليب متنوعة، خاصة فــيــما يــتعـــلــق بكــيــفيــة الــتعــامــل مع الناشــئـــة والشــبـــاب مــن جــهــة، وكـــذا كيــفية مــواجــهــة الحيــــاة الـــزوجــية، مـــن أجـــل تـــفــادي الخــلافــات الــزوجــية، وتحــقيق السعــادة الدنـيـويــة والأخـروية من جهة أخرى.

ولهذا جاء هذا البحث تحت عنوان :«الأساليب النبوية وعلاج قضايا الأسرة في ضوء بعض مصادر السيرة النبوية»، وقد ركزت فيه على عرض المادة التربوية، مع التدليل بالفقه كلما استدعى الأمر ذلك، على سبيل التوضيح والترجيح، فهو بحث تربوي بالدرجة الأولى غير فقهي محض، أسعى من خلاله إلى جرد الأساليب النبوية من بعض مصادر السيرة النبوية، التي هي التطبيق العملي للإسلام كما جسده الرسول صلى الله عليه وسلم، وربى عليه صحابتَه الكرام.

 2 – دوافــــــع اخـتــيـــار المــــوضـــوع :

من البديهي أن لكل عمل علميٍّ دوافعَ وأسبابا وأهدافا، ومن جملة الدوافع التي شجعتني على هذا الاختيار:

  • كــونُ قــضايــا الأســرة من أهـــم القضايــا الكــبرى المعــاصرة، التي تــشــوبــها كــثرةُ الخــلافات الزوجــيــة، والتي تــسجـــل ارتــفــاعا مــتـــزايـــدا في نسبة الطلاق، بسبب عدم إدراك الأســالــيب الناجــعــة لإنجاح العــمــليــة التــربويـــة للأطفـــال، مع محاولة توجــيه الشــبـــاب التـــوجـــيهَ الصحيح، إضافة إلى التــنــقــيـــب عن حلــــول فعــالة تحد من ظاهرة العـــنوســة وعــــزوف الشباب عن الزواج، مما يســـتدعي إيجادَ حلول جذرية تــهـــدف إلى تحــقــيـــق ســعــــادة الــفـــرد والمجــتـــمع، لأن الأســرة هي نـواتــه، فإن صَلَحَت صَلَحَ المجتمع كله .
  • إبـــراز دور الســــيرة النــبــويـــة، كــمــصدر مــن مصادر المعرفة الإسلامية، واعــتـــبارها مــن أهـــم المـنــابــع الشــرعـيــة التي يـتـجـاذبها ما هـو تــاريــخيٌّ وما هــــو حــديــثيٌّ مــــع وجــــود اخـــتـــلاف بيــن المجــالــيـــن مــن حــيــث الــمــرجــعــيــةُ، وكـــذا مــن حــيــث التــوثـــيــقُ وما يــتــرتــب علــيــه مــن أثـــر في الـفـقـه والتـــشـــريــع.
  • إبــراز صور الجمال الــمشــرقــة لــسيــرة رســول الله صلى الله عليه وسلم ومنهـجـه الــقــويـــم، فحــياتُـه صلى الله عليه وسلم شاملــة لــكل الــنــواحي الإنــسانــيــة والاجــتماعــية، فــهي تــقـــدم لنـا نماذجَ مثالـيــةً عــن الشاب المتخـلــق، والأمين الصادق، والأب الحنون، والزوج المثالي في حسن معاشرته لأهله وأبنائه و مجتمعه.

3 – الدراسات السابقة في المــــوضـــوع :

بعد عملية البحث والتنقيب والتتبع، ثبت عندي أن هذا الموضوع يعتبر من أهم الموضوعاتِ الأساسية والضـرورية للأمة الإسلامية، سيما في وقتنا المعاصر والتي تندر فيها الدراسات والأبحاث الجادة والقاصدة لهدف الرسالة وموضوعها، الذي يتمثل في استنباط الأساليب النبوية ومحاولة استثمارها في كل المجالات الإنسانية، بعد التقسيم والتصنيف، فمن الباحثين من حاول تلخيص أحداث السيرة وعرضها بأسلوب سهل دون العناية والاهتمام بتوثيق المرويات وردها إلى أصولها المعتمدة، مما يجعل بعضَ الشكوك تعتري تلك الأحداثَ، ومنهم من حاول استنباط بعض الفوائد والعبر من خلال أحداث السيرة النبوية قصد الاستفادة منها، ككتاب «استخراج العبر والأحكام من حياة محمد صلى الله عليه وسلم» للدكتور عبد الكريم الجزائري، ومنهم من حاول استخراج بعض فقهيات السيرة من كتبها ومصادرها، ككتاب «فقه السيرة» لمحمد الغزالي وكتاب «فقه السيرة» للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وكذلك «فقه السيرة من زاد المعاد في هدي خير العباد» للدكتور السيد الجملي .

ومنهم من حاول قصر الدراسة والبحث في مجال تربية الأبناء دون التركيز على الجانب التوجيهي للشباب ومعرفة طرق إدارة الخلافات الزوجية، وتتمثل هذه الدراسات في المؤلفات التالية :

  • تربية الأولاد في الإسلام للدكتور عبد الله ناصح علوان ،دار السلام للطباعة و النشر ،الطبعة الأولى 1396هـ / 1976 م.
  • فن تربية الأولاد في الإسلام لمحمد سعيد مرسي ، دار التوزيع و النشر ،ط 2001 م.
  • فقه تربية الأبناء وطائفة من النصائح الطبية لمصطفى عدوي ،دار ماجد عسيري ،الطبعة الأولى 1419هـ / 1998 م .
  • الطفل بين الوراثة و التربية لمحمد فلسفي ، دار التعاون و المطبوعات بيروت الطبعة الثالثة 1403 هـ / 1983 م .

ولقائل أن يقول ما وجه الجدة في البحث وموضوعه ،أقول حينها: في تبويبه ووضع فصوله ومباحثه، معزوةً  إلى مناحيها المنتسبةِ إليها، بارتباطٍ موضوعيٍّ أو مَلْمَحٍ دلالي، ظهر لي من خلال فوائد النصوص السِّيريَّةِ والتوجيهات النبوية، ويأتي بيان الفصول والأبواب وما تحتها من مباحثَ ومطالب بعد قليل، وهذا مما أفادنيه  النظرُ في كتب الحديث، وعلى وجه أخص البخاري ومسلم، حين يضعون النقول تحت باب معين، اختاروا ألفاظه لغاية دلالية تَظهر لهم، وغرضٍ مقصود يلوح بين ألفاظ النصوص.

وليس في هذا قصرٌ للحديث النبوي الشريف ولا لفعله الكريم على الباب الذي وضعتُه فيه، فرب حَدَثٍ ورب حديث ينفع في غير موضع واحد و لمعالجة أكثرَ من مشكل، وذلك من إعجاز نبوته صلى الله عليه وسلم وعظيم تأييد ربه له،كإيراد خبر عائشةَ عند ظنها برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج إلى إحدى زوجاته تحت مطلبٍ سميته «أسلوب النهي عن الضرب المبرح»، وهو في أصله عند مسلم في كتاب الجنائز في باب ما يقال عند دخول القبور، ومثل ذلك كثيرٌ، مما يبرز الجدةَ المنهجيةَ.

أما عن الجدةِ الموضوعيةِ، فالقول باستخلاص منهج نبوي واضح الأساليب في التعامل مع الطفل، تأديبا وتهذيبا، مراوحةً بين الترغيب والترهيب، والزجر والتحبيب، ومناسَبةً لمختلف الأطوارِ العمريةِ، والظروف الاجتماعية، التي لا تُستحضر في لفظ الخبر، وإنما تستنبط بسياقات خارجية عن النص وداخلية فيه، ومن ذلك: جوازُ استعمالِ التخويف بدءا من سن الثامنة، وليس قبله، وهو قول أهلِ الطب الحديث اليومَ أيضا، وهو حكمٌ مستنبطٌ لمن تأملَ خبرَ قولِ رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة: «يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك من الله شيئا»، فهذا الخطاب الجليل الثقيل، لطفلة في الثامنة من عمرها، باعتبار توجُّهِ رسول الله بالدعوة جهرا لقومه، امتثالا لقول ربه تعالى «وأنذر عشيرتك الأقربين»، في السنة الثالثة بعد نزول الوحي، فكان عمر رسول الله يومها ثلاثا وأربعين، وقد وُلدت فاطمة عام بناء الكعبة، وعمرُه صلى الله عليه وسلم آنذاك خمسٌ وثلاثون، فعُلِمَ أنها يومَ خاطبها بقوله: «يا فاطمة أنقذي نفسك» كانت ذاتَ ثماني سنوات.

ومن ذلك وضع خبرٍ تحت مطلب التصديق؛ مساعدةً للطفل على اكتساب ثقته في نفسه، تكوينا لشخصيةٍ تنفع الأمة، كما تنفع صاحبها، والخبر في مظانه مندرجٌ في المغازي والسرايا، أعني أخْذَ رسول الله لأذن زيد بن الأرقم، وهو صغير، مداعبةً له، وانتصارا لموقفه، وتصديقا لقوله، في مقابل موقفِ منافقين أكبر منه سنا، وأظهر منه في المجتمع مكانا، ثم يُشْفِع مداعبته لأذنه قائلا « أبشرْ، فقد صدق الله حديثك»، فأثر مثل هذا التصريح على الطفل، إعلاما له بثقةِ الكبير فيه، وتصديقه له، مما يسهم لاشك في ثقته في نفسه وتقويةِ شخصيته، قال زيد بن الأرقم: «فما كان يسرني أن لي بها الخلدَ في الدنيا».

فهذا بعضُ التمثيلِ الـمُنْتَقَى من صُنُوفِ الأساليب النبوية في التربية :

  • تقييدُ استعمالِ التخويفِ لِـذَوِي الثَّمَانِي سنواتٍ و ما فوق، ومنعُه دونَ ذلك .
  • التصديقُ والإعلامُ به، تقويةً للثقة في الذات، وتكوينًا للشخصية الناجحة.
  • النهيُ عن الضرب المبرح ، وتفعيلُ الضرب لردِّ الفِعل ، لا لعقابِ الفاعل وتعذيبِه، وإنما لتأديبِه وتهذيبِه .

هذه وغيرُها نماذجُ مبثوتَةٌ ضمن مباحثِ و فصولِ رسالتي، على تفصيل وتأصيل، لم أُسبقْ إليه على حدِّ مبلغِ علمي .

4 – المنهج العام المتبع في البحث :

إن أبرز الخطوات التي سرت عليها  هي كما يلي :

  • أولا : تتبع أخبار وسير الصحابة الصغار رضوان الله عليهم، ممن كانت لهم علاقة وطيدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال بعض كتب السير والتراجم والطبقات والحديث خاصة مسند الإمام أحمد ، لما له من خَصِيصَة في توزيع الأخبار حسب الفئات العمرية .
  • ثانيا : تتبع حياة شباب الصحابة رضوان الله عليهم مع الاطلاع على مراحل  سيرتهم وحياتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،
  • ثالثا: الاطلاع على سيرة أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم للوقوف على بعض طرق تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهن واستنباطِ الأساليب النبوية التي عالج من خلالها عليه الصلاة و السلام قضايا الخلافات الزوجية، و تصرُّفِه عندما تغار احداهن رضوان الله عليهن .
  • رابعا: جمع المادة المطلوبة والمحتاجِ إليها من مظانها المتنوعة والمتعددة باعتماد منهج الاستقراء.
  • خامسا : الاستفادة من مناهج أصحاب الصحاح وغيرهم، كالإمام البخاري والإمام مسلم والإمام أحمد في توزيع النصوص وتبويب الأبواب، وقد أشرب بحثي بأهم سمات منهجهم.
  • سادسا: عزو النصوص المتضمنة للأساليب التربوية النبوية إلى أصل واحد يجمع المشترك منها، كما يَظهَر مفصلا من خلال المباحث والمطالب، التي اشتملت عليها فصول البحث.

و تفصيل كلِّ هذا مُثْبَتٌ في مقدمة المبحث، ومُتَّبع في كل أقسامه.

5 – خـــطـــــة الـبـــحـــــث:

قسمت هذا البحث إلى مقدمة وبابين وخاتمة :

خصصت المقدمةَ لذكر دوافع وأسباب اختياري للموضوع، مع ذكر صعوبة البحث، كما تحدثت عن المنهج العام الذي يقارب إشكاليات هذا الموضوع، ثم بعد ذلك تناولت في الباب الأول: “الأساليبُ النبوية وأثرها في تربية الأبناء وتوجيه الشباب في ضوء بعض مصادر السيرة النبوية”، وقسمته إلى ثلاثة فصولٍ : الأولُ: الأساليبُ النبوية وأثرها في تربية الأبناء، والثاني خصصته للأساليب النبويـة وأثرها في توجيه الشباب، والثالـثُ خاصٌّ بالأساليب النبوية وعلاج قضية العنوسة.

أما الباب الثاني:« الأساليبُ النبوية ودورها في إدارة الحياة الزوجية في ضوء بعض مصادر السيرة النبوية»، وقد قسمته إلى فصلين: الأولُ لدراسةِ الأساليب النبوية ودورِها في علاج الخلافات الزوجية، والثاني للأساليب النبوية ودورِها في علاج قضية الغيرةِ عند النساء.

وضمَّنت في الخاتمة أهمَّ ما توصلت إليه من خلاصات واستنتاجات وطموحات وتوصيات .

  • صعوبات البحث

أما بخصوص الصعوبات المتعلقة بالبحث فيمكن إجمالها فيما يلي :

  • كون الموضوع المقترح من الموضوعات المعاصرة، وأظن حسب اطلاعي، أنه لم يتطرق أحد من الباحثين إلى محاولة إبراز الأساليب النبوية وأثرها الفعال في علاج قضايا الأسرة من خلال السيرة النبوية ومصادرها، كما أن المادة العلمية ـ الأحاديثَ و الوقائعَ النبويةَ الخاصــةَ بـــقضايــا الأســـرة ـ التي يــمكن الاعـتـماد عليها لاستنباط هذه الأساليب متناثرةٌ ومتفرقة بين كتب مصادر السيرة النبوية.
  • صعوبة تحديد أسباب ورود الأحاديث ، فقد اضطرني البحث ، الى جمع النقول والنصوص السِّيريَّة والحديثية، إلى الاطلاع إلزاما على أسباب ورود الأحداث والأحاديث، والمصادرُ في ذلك لم تسعفني بكل المطلوب، مما أحوجني إلى مطالعة كتب فقه الحديث وشروحه، وكذا بعض كتب التفسير، كلُّ ذلك كشف لي عن جوانبَ مطويةٍ لم تُـحْكَ في متن الحديث، ولا في تفاصيل سنده.
  • صعوبة تحديد السن على وجه الدقة، الذي خاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فئة الصغار والشباب، باعتبار أن الطفل عنصر من عناصر الأسرة، غير أن عباراتِ النصوص لم تكن بالدقة التَّعْيِينيّةِ لسن المخاطَبين، مما شكل صعوبةً خلال تصنيف النصوص والنقول حسب الفئات العمرية.
  • خلاصات و استنتاجات

       لقد هدفت من خلال هذه الدراسة إلى جمع ما أمكنني من اَياتٍ قراَنيةٍ وأحاديثَ نبويةٍ في موضوع علاج قضايا الأسرة، من بعض مصادر السيرة النبوية، مع ترتيبها ورسم معالمها واستقرائها واستنباط الأساليب النبوية منها، من أجل معرفة الطريقة المثلى للتعامل مع كافة الفئات العمرية، من أطفال وشباب ونساء، مُقرَّا أنها لا تزال في حاجة ماسة إلى التنقيب والتعميق والتحقيق، فالتربية عبارة عن أفقاهٍ، لم تنل القيمة المعتبرة لها بحثا ودراسة وانتهاجا تطبيقيا .

ومن خلال هذه الدراسة خَلُصْت إلى نتائجَ ، هذه بعضها :

  • إن السيرة أعم وأشمل للسنة، التي هي الأصل الثاني في التشريع الإسلامي، الذي يجب الاهتمام به والحفاظ عليه.
  • إن الاستفادة الناجعة والمرجوة من السيرة النبوية في علاج القضايا الأسرية، أمر يتطلب التوفر على أبواب واضحةِ الصياغةِ غنيةِ الـمُـضَمَّنِ، لاستنباط الأحكام، ولاستخراج الأساليب النبوية التربوية المقصودةِ في بابنا هذا، ولا أحسب ـ على ما خلصتُ إليه ـ أن ذلك يتأتى إلا باعتماد منهج المحدثين في ضبط النصوص وعزوها إلى أبوابها، ولاشك أن تنزيلها يقتضي مرونة وحكمة، حتى لا يتصادم النص مع ظروف تنزيله على الواقع.
  • وجوب التركيز على أمرين مهمين لتنشئة جيل قوي :
  • الحرص على الجانب التأديبي للأطفال، كمرحلة أولى وأساسية .
  • الاهتمام بالجانب التعليمي في المرحلة الثانية بالتوازي مع تكوين شخصية متزنة قادرة على تحمل المسؤوليات الكبرى في المستقبل .
  • إن أفضل الأساليب التي استعملها رسول الله في تربية الناشئة أوالأطفال الذين لم يتجاوزوا سِنَّ العاشرة: هما أسلوبُ الدعاء والتحصين وأسلوبُ التحبيب.
  • لا يجوز استعمال أسلوب التخويف إلا بعد سن الثامنة.
  • يجب التركيز على الأساليب النبوية التي نهجها رسول الله في باب التأديب، لأهميتها القصوى لاسيما في الوقت المعاصر.
  • إن تجريدَ الأحاديث النبوية الواردة في بعض مصادر السيرة النبوية من سياقها التاريخي وعدمَ الاهتمام بأسباب ورودها، وكذا غيابَ الرابط الذي يجمعها ويضعها في سياقها التاريخي من أجل معرفة الأحداث والوقائع، التي لازمت هذه الأحاديث، وغيابَ ظروف الخطاب النبوي للصحابة رضوان الله عليهم، لا يعطينا صورة متكاملة عن السيرة النبوية، من أجل فهم كل أبعادها، وكذا إدراكِ إعجازها في حلِّ كل القضايا المعاصرة.
  • إن التربية وعلومَها المختلطةَ وتطبيقاتِـها الواقعيةَ لم تنل القيمةَ المعتبرةَ لها، بحثا ودراسة.
  • إن التوتر الجنسي الدائم عند الشباب بسبب الفتن وموجات الميوع اللاأخلاقي الناتج عن العُرْيِ الفاحش، لا يمكن تهذيبه والتخفيف من حدته إلا عن طريق الاهتمام بفقه التهذيب الجنسي، الذي يسعى الشرع من خلاله الى حث الشباب على التحلي بالقيم والأخلاق وتعويدهم على فضائل الأعمال .
  • إن من أفضل الأساليب التي استعملها رسول الله لعلاج معضلة العنوسة: أسلوبَ النهي عن التبرج، لما لهذا الأخير من أثر واضح في تخريب أخلاق الشباب وانزلاقهم في دواليب الفاحشة، وفي التأديب النبوي بدائلٌ من الطرق الشرعية التي تسعى لتحصينهم من أخطار الفساد بدل المناهج الغربية التي تزج بهم في ما نشهدُه رَأْيَ العين من مخاطر على الذات والأسرة والمجتمع.
  • إن اختلاف أساليب رسول الله صلى الله عليه و سلم في علاج قضية الغيرة بين الضرائر يدل على أمرين أساسين :
  • أولا: تنويعُ أساليب التوجيه التربوي لأحوال الغيرة وتشكلاتها المفاجئة لدى النساء، تنويعٌ يتسم باللين واللطف والمداراة وغض الطرف عن جملة من التصرفات الطائشة الناتجة عن الغيرة المفرطة، في غالب الأحيان، وفيه أيضا شيءٌ من الحزم و الصرامة التي تصل إلى درجة الهجر، للحد من تلك التصرفات التي قد تخدش مشاعر بعض النساء أو الضرائر أو تنقص من كرامتهن.
  • ثانيا: في هذا الأمر توجيهٌ للمرشدين التربويين أن ينتقوا من كل صنف ما يناسب من أنواع المعالجة، لا سيما أن منع الغيرة و دفعَها عن سلوك النساء مستحيلٌ، لأن الغيرة مركبة في نفس المرأة بحيث لا يُقدر على دفعها، بل يجب إضعافها و توجيهها ومحاولةُ التلطيف من حدتها كما كان رسول الله يفعل ذلك.
  • إن للأحاديث الواردة في باب الغيرة عند أزواج الرسول أهميةً في تشريع الأحكام،كسقوطِ حد القذف عن الزوجة عند اتهامها لزوجها بالفاحشة، وجوازِ دعاء الغيرى على نفسها، إذا وقع خلاف بينها وبين الضرائر، والنهيِ عن الغيرة المذمومة التي قد تدفع الزوجةُ الزوجَ إلى تطليق ضرتها، وجوازِ ميل الزوج لبعض زوجاته، إذا ثبت الحب المعنوي لها، والاعتراضِ على التعدد خشية الافتتان في الدين، والدعاءِ للزوجة الغيرى بأن يخفف عنها الله تعالى الغيرة، وجوازِ تلفظ الغيرى ببعض الكلمات التي قد تسيء إلى الزوج أو ارتكاب ما لا يليق بحالها.

هذا، ومما رَغِبْتُ فيه بعد البحث وتلخيص خلاصاته، أن أذكر بعض التوصيات:

  • تعميمُ فكرة إنشاء المراكزِ للوساطة الأسرية، التي تسعى لحل مشاكل الخلافات الزوجية   قبل تفاقمها، حرصا منها على تخفيض نسبة الطلاق بالمغرب، مع ضرورة تكوين أطر مختصة لتسيير مثل هذه المراكز .
  • وجوبُ تضافر الجهود من أجل إنقاذِ الشباب المدمن، وذلك عن طريق إنشاء مراكز طب الإدمان مع تكوين أطر مختصة في هذا المجال .
  • وجوب إنشاء مراكز طبية لتحليل الظواهر النفسية الاجتماعية عند مختلف الفئات العمرية، مع ضرورة إخضاعها للأصول الشرعية، لا إلى مجرد النظريات الغربية التى يسعى بعضها إلى تسكين الألم فقط، دون إزالته من جذوره ومعالجة أسبابه.
  • إنشاء مراكز خاصة بدراسة السيرة النبوية باعتبارها مصدرا مرجعيا للعديد من المجالات الحياتية سواء منها المتعلق بالفرد أو الجماعة، أسرة كانت أو دولة.

هذا، وإني لا أدعي لعملي الكمالَ، ولا أنزهه عن الخطأ والزلل، لأن النقص لازم لبني البشر خصوصا في باب التحرير و التصنيف.

واليوم، إذ أضع هذا العملَ بين يدي السادةِ الأساتذةِ العلماءِ، أعضاءَ لجنة المناقشة، ليأخد نصيبه من التصحيح و التقويم، منهجا و موضوعا، فكلي رجاءٌ أن أستدرك ما شابَهُ من الانحراف والخلل، شاكرا إياهم لجهودهم وتخصيص نفيس أعمارِهم  لتقييم عملي.

فإن كنتُ وُفِّقِتُ في عملي  فإن ذلك من توفيق الله، وإن أخطأت فمني والشيطان.

   و لوْ أني أوتيتُ كلَّ بلاغةٍ                                و أفنيتُ بحرَ النُّطْق في النَّظْمِ والنَّثْرِ

    لَمَا كنتُ بعد القول إلا مُقصِّـرا                           ومعترفًا بالعجز عن واجبِ الشكرِ

وفي الختام أسأل الله تعالى العليَّ القديرَ أن يجعل هذا العملَ خالصا لوجهه الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

والحمد لله رب العالمين.

[1] مسند الإمام أحمد، مسند أبي هريرة،الحديث إسناده صحيح على شرط مسلم، ورجاله ثقات رجال ج 13/323.

اترك ردا