تقرير مناقشة الدكتوراه: التهديدات الأمنية في منطقة غرب إفريقيا

ناقش الباحث أحمد صلحي أطروحة في القانون العام والعلوم السياسية في موضوع: “التهديدات الأمنية في منطقة غرب افريقيا”، يوم  الأربعاء 27 دجنبر 2017؛ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا – جامعة محمد الخامس الرباط، أمام لجنة علمية مكونة من السادة الأساتذة: الدكتور محمد بنحمو مشرفا، والدكتور المصطفى منار رئيسا، والدكتور ادريس لكريني عضوا، الدكتورة نوال بهدين عضوا، وبعد المداولة قررت لجنة المناقشة منح الباحث درجة الدكتوراه بميزة مشرف.

تحظى دراسة التهديدات الامنية بأهمية خاصة، تتجاوز راهنيتها وجديتها في عالم اليوم، بسبب التحولات التي شهدها مفاهيم الامن والانقلابات الهيكلية في العلاقات الدولية،  فلقد أفرز هذا التحوُّل توسُّعاً للمفهوم التقليدي للأمن المرتبط بالأمن الصلب، أي العسكري، فظهرت مفاهيم جديدة كالأمن البيئي، الاقتصادي، المجتمعي، الإنساني … فأضحت إطاراً بارزاً للدراسات الأمنية، كما أفرزت التحولات الهيكلية في البيئة الدولية مصادر جديدة للتهديدات الأمنية أفضت لتغييرات في مقاربة المشهد الأمني، وفنَّدت الدعوة للارتكاز على المفهوم التقليدي للأمن.

وعلى خلفية هذه التحولات، تميزت البيئة الأمنية العالمية بارتفاع مستوى التهديدات والمخاطر التي تُهدِّد أمن الدول والشعوب والأفراد، لذا كان من الطبيعيأن تحتل قضية تحقيق الأمن وتعزيزه، والحفاظ على السلام والقضاء على مصادر تهديده أولى الاولويات على الصعيد الدولي، وللمفارقة، أن حدَّتها أقوى في القارة الإفريقية؛ حيث تتميز المنطقة بانعدام الأمن وتنامي الصراعات.

 وبالتركيز على منطقة غرب إفريقيا موضوع دراستنا، يظهر حجم هذه التهديدات، فالمنطقة تتخبط في أزمات داخلية ناتجة عن انقلابات وحروب أهلية وتمردات وتصاعد للعنف الطائفي، ولا تنتهي بضعف وهشاشة الدولة، دون إغفال التدخلات الخارجية والإقليمية في المنطقة.

ومن اجل استنباط إشكالية الاطروحة، سنحاول في إطار تحليلنا لهذا الموضوع الوقوف على المفهوم التكاملي بين الأمن وتهديداته مع التركيز على دراسة الحالة بمنطقة غرب إفريقيا والتهديدات التي تؤثر على استقرارها وامنها، عبر التساؤل المركزي الاتي، الى أي حد يمكن اعتبار التنمية مدخلاً للتصدي للتهديدات الأمنية بمنطقة غرب إفريقيا ؟

وتنطلق هذه الأطروحة من ثلاث فرضيات أساسية لمقاربة التهديدات الأمنية بالمنطقة، ونوجزها فيما يلي:

الفرضية الاولى، تفترض أنَّ التهديدات الأمنية التي تُحيط بالمنطقة – على تعقيدها- تنعكس سلباً على المسار التنموي بها، إذ إن تحقيق تنمية حقيقية رهينٌ بتوفير بيئةٍ أمنيةٍ مستقرةٍ، وعليه، يمكن أن تُشَكِّلَ التنمية ركيزةً اساسيةً من ركائز تعزيز أمن منطقة غرب إفريقيا.

وتفترض الفرضية الثانية، أن طبيعة النزاعات بمنطقة غرب افريقيا وإشكالية عدم الاستقرار وحالة التهديدات التي تحيط بها تفرض مواجهتها عبر مقاربة بالأمن الانساني، حيث ان هذه المقاربة تمكن مهندسي الأمن من تحرير الانسان من الخوف والحاجة، أي التصدي للتهديدات الداخلية والخارجية وتأمين حياة الأفراد.

أما الفرضية الثالثة، فتنطلق من أن واقع الأمن الإقليمي بالمنطقة يُظْهِرُ أن حجم التهديدات الأمنية وطبيعتها العابرة للحدود الوطنية تُحتِّم على دول المنطقة التركيز على مقاربة جماعية لها عبر الاهتمام بالتعاون الإقليمي من أجل ضمان أمن المنطقة؛ عبر التعاون الاقليمي المشترك.

ولمعالجة هذا الموضوع فقد حاولنا مقاربته انطلاقا من حدود – الحدود الاطروحة- ، وعلى هذا الأساس يمكن تحديد الإطار الجغرافي والزمني لها وفق ما يلي:

الحدود الجغرافية: سنركِّز على منطقة غرب إفريقيا لتجاوز الاشكالات التي يطرحها مفهوم الساحل والصحراء؛ فالأخير يخضع للتمدد والاتساع، فيما المُتَّفَقَ عليه ان غرب افريقيا تشمل كل الدول المنتمية للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، والمكوَّنة من 15 دولة.

الإطار الزمني: يُحَّدد الإطار الزمني للأطروحة منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين إلى غاية التطورات الأخيرة، في حدود التدخل الفرنسي في مالي نتيجة سقوط نظام القذافي بليبيا وتداعياته الأمنية على المنطقة.

ولمحاولة الإجابة عن الإشكالية ومقاربة الموضوع، ارتأينا معالجته في قسمين:

  • القسم الاول: الواقع الأمني : تعدد التهديدات بمنطقة غرب إفريقيا

·       القسم الثاني: الروئ الاستراتيجية للأمن والاستقرار بالمنطقة

تطرق القسم الأول لطبيعة التهديدات التي تعاني منها المنطقة، حيث تتقاطع بغرب إفريقيا التهديدات الأمنية مع تنامي أدوار فواعل من غير الدول؛ تساهم في تعقيد الواقع الأمني بالمنطقة، وتكريس حالة الضعف وعدم الاستقرار التي لازمتها، كما تشهد المنطقة انقلابات عسكرية تنعكس سلبا على التداول السلمية للسلطة وتؤثر على علاقة العسكر بالسلطة المدنية، كما انها من عوامل عدم الاستقرار بالمنطقة وتكون مقدمة لتنامي تهديدات جديدة.

واخيرا، تميز الواقع الجديد بتنامي تهديدات لاتماثلية تشكل تهديداً حقيقياً لأمن المنطقة واستقرارها، في شكل صراعات عنيفة بين جيش نظامي ومجموعات غير رسمية، كشبكات التهريب والجريمة المنظمة والحركات الإرهابية، بالإضافة لشبكات التجارة غير الرسمية والتهجير وغيرها. وتقوم بتوظيف استراتيجيات وتكتيكات غير تقليدية، تقوم على تحالفات بين شبكات للجريمة المنظمة والإرهاب ومثيلاتها، بالإضافة، لتهديد هذه الجماعات منفردةً لاستقرار المنطقة. فماهي الاستراتيجيات الممكنة للقضاء عليها؟

أما القسم الثاني: فقد تطرق للروئ الاستراتيجية للأمن والاستقرار بالمنطقة

وقد كانت الترتيبات الأمنية الإقليمية تُعتبر ضمن الحلول التي تم التوافق عليها من أجل الحفاظ على استقرار المنطقة، عبر التركيز على توحيد جهود دول المنطقة وتكاملها في استراتيجية أمنية متوافق حولها تتيح لدولها التصدي الجماعي للتهديدات الداخلية والخارجية، ابرزها، الجماعة الاقتصادية لغرب افريقيا المعروفة اختصارا بسيدياو بالفرنسية أو بالايكواس بالانجليزية.

وقد ساهمت الجماعة في تسوية النزاعات والصراعات بالمنطقة وكانت الجماعة سبَّاقة إلى رفع لواء تعزيز الأمن الإقليمي، وتعزيز دورها في تسوية النزاعات بالمنطقة.

وفي سياق متصل،  تعمل الجماعة على توسيع اليات التنسيق المشترك خارج الاقليم، حيث أضحت التهديدات الأمنية تستلزم مقاربة تشاركية بين الدول الإقليمية مع باقي الأطراف الدولية، إما عبر التعاون المشترك مع الدول، أو من خلال تنسيق جهودها مع المنظمات الدولية.

ونظرا للتحديات التي تفرضها مقاربة التهديدات بالمنطقة تتطلب استراتيجيات جديدة، وقد حاولنا التطرق لبعض منها أبرزها:

أولا: مقاربة الأمن الإنساني: تتأسس هذه المقاربة على سعيها لتعزيز أمن الفرد-الإنسان فوق كل الاعتبارات الدولية والاقليمية، وعلى ربطها بين تنميته وأمنه.

ثانيا: نهج الأمن  المستدام:  ويتأسَّس على فكرة أن انعدام الأمن لا يمكن السيطرة عليه، إنما يجب حلُّه، أي معالجة أفضل لقضاياه بدلاً من التصدي لأعراضه، إنه يهدف لمعالجة الأسباب المؤدِّية له، أي تحليل متكامل للتهديدات الأمنية، وتبنِّي نهج وقائي

وختاماً، يتميز الواقع الأمني بمنطقة غرب إفريقيا بتعدد وتنوع التهديدات، حيث فشلت الدول الوطنية بالمنطقة في احتواء هذه التهديدات، كما ساهمت الانقلابات في تكريسها وتعزيز حالة عدم الاستقرار بالمنطقة، وثانيا، ارتبطت بتعزيز حدة هذه التهديدات بتنامي تهديدات أمنية غير متماثلة.

ومن خلال هذه الدراسة التفصيلية لموضوع التهديدات الامنية بمنطقة غرب افريقيا، يمكننا ان نستخلص عدة نتائج، نوردها كالتالي:

  • تعاني دول المنطقة من تهديدات متعددة الابعاد تتكامل ادوارها بين تهديدات تقليدية وجديدة ذات أبعاد داخلية وخارجية، لتساهم في عدم استقرارها وتؤثر على مؤشراتها التنموية؛
  • ساهمت العولمة والتحولات في النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة في تنامي التهديدات اللاتماثلية بالعالم وبغرب افريقيا، وتشكل تهديدا لأمنها واستقرارها، وتتنوع هذه التهديدات كالجريمة عبر الوطنية والإرهاب، وتزداد خطورتها في تحالف هذه العوامل، كتحالف شبكات الارهاب ومنظمات الجريمة العابرة للحدود، بالتوازي مع  التهديدات الناتجة عن انتشار الاسلحة الصغيرة والخفيفة
  • ارتبطت هشاشة الدولة بأزمتها-أزمة الدولة- بمنطقة غرب افريقيا، والتي تعود جذورها لمرحلة ما بعد الاستقلال وحضور القبيلة وتقاطعها مع الدولة، مفرزة صراعات عرقية وازمة الهوية وتأثيرا على الأمن المجتمعي؛
  • يحظى الامن الاقليمي المشترك بمنطقة غرب افريقيا بتقدير خاص، فقد ساهمت الجماعة الامنية للمنطقة عبر الياتها في مقاربة التهديدات الامنية، كما أضحى التعاون المشترك مع باقي الفاعلين خارج الاقليم محوريا لتنويع خياراتها الأمنية ؛

ومن خلال ما جاء في هذه الاستنتاجات فإنه يمكن اقتراح التوصيات التالية:

  • تعزيز تنمية مستدامة حقيقية بالمنطقة، وتطوير القدرات  الامنية والعسكرية للمنظمة الاقتصادية لمنطقة غرب افريقيا؛
  • تطوير اليات الأمن الاقليمي عبر تقوية الياتها الامنية وتعزيزها، لتطوير مقاربة جماعية للتصدي للتهديدات الأمنية بمختلف أبعادها، وتعزيز السلام ومواجهة الصراعات وازمات ما بعد النزاعات والحروب الأهلية؛
  • تطوير أليات للتعاون جنوب-جنوب بالانفتاح على الفاعلين الامنين كالاتحاد الافريقي او المنظمات الجهوية، وتعزيز الأمن الافريقي لإدارة الازمات الامنية بالمنطقة والتصدي للتهديدات الأمنية بمختلف أبعادها.
  • الانفتاح على المقاربات الجديدة بالتركيز على نهج الامن المستدام لكونه يقارب الأسباب الحقيقية للتهديدات الأمنية ومعالجتها بدل التصدي لها.

3 thoughts on “تقرير مناقشة الدكتوراه: التهديدات الأمنية في منطقة غرب إفريقيا”

اترك ردا