جماليات الحذف في القرآن

دكتور ربيع عبد العزيز- أستاذ النقد والبلاغة والأدب المقارن، كلية دار العلوم، جامعة الفيوم
تتنوع أشكال العدول بالحذف في القرآن الكريم؛ إذ يقع الحذف على الحرف والكلمة والجملة؛ فأما حذف الحرف فمنه حذف حرف العلة من الفعل يسري في قوله تعالى:( والليل إذا يسر) (الفجر: آية 4) ورغم أن المضارع لم يسبقه جازم ولا وقع جوابا فإن انحياز الصوغ القرآني إلى جمالية الأداء والحرص على تواتر فاصلة الراء يقفان وراء الحذف.
ومنه حذف حرف الاستفهام؛ كما في قوله تعالى:(يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)( البقرة:آية 217) بالرفع، والتقدير:( أقتال فيه؟).
ومنه قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا ربي )( الأنعام:آية78) فقد حذف حرف الاستفهام، والتقدير:( أهذا ربي؟).
ومن حذف الكلمة قوله تعالى:( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا)(يونس: آية67) فقد حذف مفعول الفعل جعل والتقدير:( جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه) والقرينة الدالة على المحذوف هي المفعول( مبصرا) في قوله تعالى:( والنهار مبصرا).
ومنه قوله تعالى:( فيغفر لمن يشاء)(البقرة:آية284) والتقدير:( فيغفر الذنوب لمن يشاء).ومن حذف الكلمة قوله تعالى:( لترون الجحيم)( التكاثر:آية6) والمحذوف هو المضاف( عذاب) لأن الوعيد لا ينصب على الرؤية بل على العذاب، وبعد رد المحذوف إلى موقعه يصبح الكلام في غير القرآن:( لترون عذاب الجحيم).
ومنه قوله تعالى:( وحرمنا عليه المراضع)(القصص:آية12) فالتحريم وقع على أثداء المراضع لا على كل المراضع، بدليل أن أمه أرضعته، وقد أنتج الحذف دلالات وفيرة إذ شمل انتفاء الإنس بالمراضع والسكينة إليهن حتى يتحقق وعد الله لأم موسى- عليه السلام- بقوله:(وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ)( القصص:آية7) .
ومنه حذف الموصوف اكتفاء بالصفة؛ كما في قوله تعالى:( ولا تكونوا أول كافر به)(البقرة:آية41) فضمير الجماعة في تكونوا لا يلائم إفراد كلمة كافر، والموصوف المحذوف تقديره فريق، وبعد رد المحذوف إلى موقعه يصبح الكلام في غير القرآن:( ولا تكونوا أول فريق كافر به).
وأما حذف الجملة فمنه قوله:( ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا والله شديد العذاب)(البقرة:آية 165) فأنت إذا فتشت عن جواب لو فلن تجده، وتقدير جملة الجواب المحذوفة: ( لكان منهم ما لا حصر له من الإحساس بالحسرة والندم على ما فرطوا في حق الله وحق أنفسهم) وجمالية الحذف هنا أن المتلقي يسهم في إنتاج الدلالة إذ يذهب في التأويل كل مذهب، ولو ذكر جواب لو لكان محدودا بحيث لم يعد ثمة مجال لكي تتعدد مذاهب التأويل بتعدد المتلقين وتفاوت قدراتهم على تخيل صنوف العذاب.
ومنه قوله تعالى:(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ )(الزمر: آية73) فأنت إذا فتشت عن جواب إذا فلن تجده، وإنما حذفت جملة الجواب حتى تذهب نفوس المتلقين في التأويل كل مذهب، والتقدير: ( لرأوا ما لا حصر له من صنوف النعيم) ولو ذكرت جملة الجواب لتحددت بها صنوف النعيم، ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكل هذا يحققه الحذف وهيهات أن تحققه جملة الجواب حال ذكرها.
وعلى أية حال فأجمل جماليات الحذف أنه يحرر المتلقي من الاسترخاء المذموم حال تلقيه النصوص، ويجعله مشاركا في إنتاج الدلالة، وهذا إنما يدل على مكانة العقل في الإسلام.

One thought on “جماليات الحذف في القرآن”

اترك ردا