الحداثة واستحقاقات الثورات العربية المعاصرة

: Modernization Limits

An Arabic Equilibrium Perspective

إلى هذه اللحظة لم يتخط العقل العربي لغز الحداثة وحدودها عربياً ، ولم يتعامل مع تمظهرأتها من موقف العقل والعلم والتطور والتراث بشتى أنواعه، ولكنه استجاب لها من باب العلم بالشيء في محاوله لصنع مقاربه عربيه ضيقة الأفق من خلال دمج مستويات الحداثة في أتون معركة الاصاله والتجديد والتقليد، الأمر الأذى شكل بانو راما ثقافيه عربيه مجهولة الهوية والتوجه نحو ما يُعرف بالحداثة والأصالة والتجديد والتقليد.

والسؤال لماذا ينقسم الشارع الثقافي العربي إلى حزم من البؤس الثقافي تجاه الحداثة والتحديث ؟؟ والاسئله كثيرة . لماذا انهزم مشروع الحداثة العربي عموماً في ظل الأنظمة العربية الرسمية ؟ ولماذا الثورات العربية المعاصرة تتراوح مساعيها مابين الليبرالية، والإسلام الليبرالي، والعلمانية المتوحشة، ودولة مبادىء الإسلام السياسي؟ ولماذا تقهقرت لآءأت الأصالة والتجديد في ظل دعوات الحداثة وأنصارها في عموم الوطن العربي ؟؟ وهل الحداثة سلعه استيرادية تخضع لجمارك عبور المكان والزمان ؟ أم هي ثمرة لصراع وتعاقب الأجيال ؟؟ وهل مشروعات الحداثة والاصاله والتجديد والتقليد مهام مجتمعيه أم دولاتية في الوطن العربي ؟؟ ولماذا لم تتوحد الثقافة العربية في تعاملها مع الحداثة والأصالة والتجديد وخلق جينومها الحداثي والتجديدي المتمحور حول الأصالة ؟؟

ألدوله والمثقف العربي جزء من تخبط كل من مشروعي الحداثة والأصالة والتجديد لعدم الاختصاص لبناء “الوعي الخلاق” عربياً من خلال الإقصاء المجتمعي في مراحل التجديد والحداثة والأصالة. أولى عناصر التأزم استباق عمليات صنع ألدوله القطريه لصنع المجتمع القطري العربي في الحالة العربية، والحداثة وان وجدت في أقطار غير العربية فهي نتيجة لمرحلة عمليات استباق المجتمع وحراكه الطويل لوجود مؤسسة ألدوله وكيانها، ومشروع الحداثة هناك لم يُعبر عن أراده سياسيه، بقدر ما يعبر عن حراك مجتمعي طويل أنتج بدوره مؤسسة ألدوله واستمر المجتمع في خلق الحداثة. والمشهد الثقافي العربي أقحم نفسه في هذا السياق من خلال الاستهلاك المغاير للذات . الدولة هي التي تصنع المجتمع وتصنع المثقف وبالتالي هي المسؤله عن استيراد الحداثة بمعايير دولاتية وحتى في زمن ما يعرف بالعولمة.

بهذا يمكن القول إن إشكالية الحداثة في الحالة العربية ليست لها علاقة بمبادئ القبول أو الرفض ، وليست لها علاقة بالعقم أو التلاقح التثقافى وفشلها في ابتكار وسائل المُثاقفه مع الحداثة ، وليست لها علاقة بجدلية السلطة والديموقراطيه في الوطن العربي، ولكن التمشكل يكمن في العقلانيه الثقافية العربية التي سمحت للاستعمار ولاحقاً الأخر بأن يخلق فكرة ألدوله قبل إن يُخلق المجتمع ، فأسرعت ألدوله القطرية العربية بتركيب مفردات مجتمعيه لكل مرحله تمر بها ألدوله القطرية العربية لضمان وجودها وليس لضمان وجود مجتمعها، وتحولت ألدوله إلى صانع مجتمعي ، في حين كان ينبغي العكس.

مسارات التحضر والحداثة الاجتماعية والاقتصادية والابداعيه في الغرب تمت بصوره تدريجية ، والنتيجة الحداثيه التي افرزها كانت حصيلة التراكم الطويل للمعرفة وتتويجه لمؤسسة ألدوله بفعل التحولات المجتمعية، وبالتالي فالحداثة كانت عبارة عن حالة نضوج متواصل للمجتمعات هناك، بالرغم إن المجتمع هناك لم يلتحق بعربة الحداثة إلا في نهاية القرن التاسع عشر. فالحراك المجتمعي هو الأذى سبق ألدوله وأسس لها لكي تواكبه، إما في الحالة العربية ألدوله هي التي سبقت تأسيس المجتمع وهى التي تصوغه وتشكلهُ وفق منظورها التحولي.

لقد قُدمت الحداثة المشوهة باسم العصر وتُمارس بشكل اكراهى وقسري، وخلق تحضر ومدنيه فوضويه يغذيها الفقر والاقصاء والاميه الابجديه والمعرفية ، فكانت خطابات الحداثة في الوطن العربي ومنذ الاستقلال والى اليوم تعتمد على تغيير الشعارات مثل ” المقاومة” و ” مكافحة الامبريالية” و الاستعمار ” و ” التبعية” و”الاستعمار الجديد” إلى شعارات ” الرقى ” و ” التقدم” و ” التنمية” و ” التطور” و ” المشاركة” و ” التعددية” و ” الحكم الرشيد” و ” الانتخابات النزيهة” و “الديموقراطيه” و ” حقوق ألإنسان وكأن الاختيار الأذى صنعتهُ الحداثة الغربية هو الطريق الوحيد لخلق الحداثة والتمدن والتنمية عربياً. وبالنتيجة ارتبطت مشروعات التجديد والاصاله هي الأخرى بالحداثة وبالإكراه الكسرى عندما أخذت حكومات الاستقلال وما بعدها في الوطن العربي تحديث أبنيتها التقليدية والتي لم تفرز إلا المزيد من المفارقات القطرية المجتمعية في صورة إخفاقات متوالية للحداثة عندما انتهى ” مشروع ألدوله القومية” إلى عكس ما قام عليه. فلم تتمخض عمليات الحداثة المشوهة عنها إلا عن نتائج كوارثيه لا تهىء القوى النخبوية المثقفة العربية والمسؤله عن الحداثة واستيرادها إلى أقطارها التي قام باسمها مشروع الحداثة والتقدم منذ الاستقلال حتى ألان للعب دورها التاريخي المفترض ودفع الوطن العربي باتجاه تقدمه وتوازنه الحداثى.

إن إخفاقات الحداثة ومشاريعها في الوطن العربي أتت كنتيجة لخيارات ألدوله القطرية ونخبها وقادة الاستقلال لهذا المسار والتوجه لارتباطه للوهلة الأولى بأزمة منوال حداثى عربي يستمد معطياته المفاهيميه والعقائدية من تجارب تاريخيه نشأت أصلا في تربة غير ألتربه العربية.

وبهذه النتيجة ألدوله القطرية العربية هي التي تخلق وتصنع المجتمع وهى التي تصنع ثقافته ومثقفيه وهى أيضا مسؤله عن استيراد الحداثة وخيارات وتوجهات مجتمعها. فالحداثة في الغرب لم تكن حرفه أو صنعه دولاتية بقدر ما تُعبر عن عقلانيه مجتمعيه من خلال حراكها الطويل نحو الحداثة ، لأن المجتمع هناك هو الأذى صنع ألدوله فكان قادراً على ابتكار ثقافته وحداثته وتعميمها على الكون الثقافي. التمشكل الثقافي العربي في الحالة الحداثيه العربية ومشروعها نحو الاصاله والتجديد ليس له علاقة بمفردات الاستعمار والامبريالية أو الصهيونية بقدر علاقته بسؤال السلطة وسؤال ألدوله وسؤال المجتمع ، إضافة إلى القراءة الثقافية العربية لسؤال الحداثة والمغايرة لطبيعة التفكير العقلاني . وللخروج من مظلة التأزم العربي للتمشكل الحداثى والتجديد والأصالة يحتاج الأمر إلى إعادة صياغة مشروع التفكير العربي وكيفية قراءة المد الجنوني اللامحدود لافرازات العصر والحداثة وكيفية مقابلة ذلك للمشروع التجديدي والاصالى العربي.

هذا التحليل والاسئله والنتائج تقودنا إلى تقديم مطالعه مغايرة لاستهلاك الذات نحو الحداثة وقضاياها ألخمسه التي رشحتها هذه المطالعة من خلال حدودها وبمنظور عربي متوازن.

الحداثة ليست إيديولوجيه 

الحداثة ليست عقيدة، ولا أيديولوجيه ،والبحثُ فيها لا يتعدى مستوى الأسئلة والقضايا، ومحاولة استجلائها من خلال رفع النقاب عن كل أشكال الثوابت والمنطلقات بنظرة عقليه ومعرفيه . لأن موضوعها ليس بظاهرة مُوحدة المُنطلقات، بسبب افتقاره للمذهبية المُحكمة البنيان.

وهناك أبعاد عديدة للحداثة، تأخذ عدة تمظهرات مختلفة، منها “الاتصال” ثم “ألانفصال والتواصل إلا أنها في حركيه تجديدية دائمة، وبالتالي فالحداثة عبارة عن اصطدام وهيجان وتقاطع وصراع بين “الاصاله والتجديد والتقليد.

ونحن هنا، في الوطن العربي، علينا فهم طبيعة ذلك الصراع مع ذاتنا باءنهُ صراع بين ثلاثية “التجديد، بمعنى الحداثة، والاصاله والتقليد وهو ليس صراعاً اختياريا، بقدر ما هو إلا صراع يُجسد لنا كيفية جوهر الحياة . بمعنى كيف تكون عليه حياتُنا، ماديه أو روحيه، أو امتزاج الاثنين معاً . كيف كل ذلك يتمظهرُ لنا؟؟

الحداثة لها بُعد لا نستطيع ملامسته ، فهي تُبرهنُ من جانب على عبقرية الإنسان المعاصر ومنجزاتهِ وتوظيفها بما يُحققُ نموهُ وتطورهُ، إلا أنها، في نفس الوقتِ ، تعملُ على سلب حقوقنا في التأمل والانتظار لمعرفة فوائد تلك الانجازات، وتنقيح رغباتنا والتمسك بايجابياتها ومدى ضررها على خصوصياتنا الثقافية، من جانب أخر. فهي تُطوع عقولنا لغزوها وتُرغمنا عن وعى، أو تبعية لناموسها المُتجه نحو التجديد الأتي من المستقبل بحيث تُصبح مزايا الحاضر جزءاً من الماضي !!

ومن هنا فانء الحداثة عبارة عن حركه “اتصاليه وتواصليه وانفصاليه” في نفس الوقت ، بحيث كل قادم جديد وحديث يُولد من رحم الماضي للامه ، فيسعى لتطويرهِ وتحديثهِ ودمجهِ نسبياً أو كلياً في ظل إمكانية التخلي عنهُ. والحداثة، أيضاً، قطيعه واعية ومُدركه بزمنها ومكانها وهدفيتها مع التقليدي والتراثي رغبة في إعادة البناء، إلا أن الحداثة تُمارس نفس ألمنهاجيه على ذاتها. ومن هنا فانء للحداثة مفهوم هلامي مُركب ، لكنهُ يُلامسنا في كياننا، من خلال الاتصال والتواصل، وحيناً من خلال الانفصال، وهى ليست بأيديولوجيه “دوغماتيه” ، وبالعقل تُتكتشف.

سؤال العقل والحداثة

سؤال الحداثة يعنى سؤال العقل. فالعلوم ألمعاصره وثورتها المستمرة تُفيد بأنها علوم نسبيه وأن ثورة المعلوماتية والرقمية أيضاً نسبيه , وبالتالي فانء الحداثة لأبد لها وأن تكون نسبيه. فانء أية تحولات تمس الإنسان عبر زمانهِ ومكانهِ في اتجاه التغيير تُرافقها سِماتها وخصائصها المعرفية والمفاهيميه والأبداعيه، وكل أشكال التمثُل المختلفة. ولكن ثورة الحدثويه قد تُعبر لنا عن ثورة العقل الأنسانى على ذاتهِ، والتي أفرزها تطور العلم والتقنية والمعلوماتية والرقمية و ثورة النانو- تكنولوجي.

فالمعلوماتية والنانو -تكنولوجي و”عصر ما بعد ألكتابه” وهو ما يعرف بخلق المعرفة أو تقديمها أو الحصول عليها عن طريق اللمس وعن بعد، بالا صافه إلى تغيير نظرة الإنسان إلى ذاتهِ أدت بهِ إلى إعادة إكتشاف نفسهِ، واستخراج قواهُ، وإعادة نظرتهِ إلى الوجود. وليس باء مكاننا تفسير الكون المادي والمعنوي” بعقل ما قبل الطبيعة” ، بل حوّل الإنسان عقلهُ من العالم اللأمرئى إلى الواقع . هذا الواقع الجديد أسهمت فيه ثورة المعلوماتية والتقنية، وكذلك العلوم الأنسانيه، حتى أصبح العلم نسبى، وتحول العقل إلى مجرد أله اصطناعية. إلا أن كل ذلك أنتجهُ العقل الأنسانى. ويظل المُثير في هذه التجاذبيه في أن الحداثة مرحليه وانتقاليه ومفتوحة على كل الأسئلة . فهي صياغة كونيه وإنسانيه تفرضُها رِهانات ثورة المعلوماتية والثورة الرقمية والنانو- تكنولوجي .

فالحداثة تُرغمنا على شق الطريق عبر التراكم لكل ما يُنتجه العقل. فهي توجه اللاءرادى، ومد جُنونى يغذيه العقل، وتُقدم لنا إكراهات تُطوقنا ثقافياً، وتُطوق وجودنا فيها، ليس ذلك فقط، ولكن تُلزمنا بالتفاعل معها رُغم إرادتنا. فهي من منظور أخر ممارسه عقليه لقوة الانتشار العقلاني، عبر المكان والزمان، مخترقةً كل ما هو تقليدي وتراثي غير قابل للانتقال إلى عربة المستقبل.

الحداثة وحضارة القلق 

للحداثة موجات عرفها التاريخ الأنسانى وهى سارية المفعول، وهذه الموجات لا تخضع لاى تشخيص معرفي، اوثقافى، أو حتى مفاهيمي، وإمكانية وصف البداية والنهاية لها، لأنها تستمدُ مشروعها من العقل والحتمية العقلانية . فهي موجات عقلانيه تعتمدُ على إحداث الصدمات المتوالية، وتقول لنا عدم الأستكانه لمِا نحن فيه، وما نحن عليه الآن، فهي طارده لكل ما هو آني . إنها حضارة القلق . فهي تجعلنا نعيش القلق دائماً حول مصيرنا ومتى البداية ومتى النهاية ومتى ألاستقرار ويبدأ السؤال تلو السؤال.

الحداثة هي كيفية صُنع حضارة القلق، بمعنى كيف يكون الإنسان مستعدًا باستمرار لفهم ذاتهِ ومحيطه، ولأنها تستهدف خصوصياته الثقافية، فتكون بذلك بمثابة النزعات الجديدة تقودهُ من جديد لتفكيك خصوصياته الثقافية بحثاً عن أُخرى أكثر منفعةً لعلها تُمكنهُ من تجاوز ظرفيه بنيوية سببها العقلنه والتطوير.

وحضارة القلقة سببها الحداثة، لأن خصوصياتها تعتمدُ على الصراع. فالصراع بين الأصالة والتجديد والتقليد ليس اختياريا , إنهُ صراع مفتوح لا يخضعُ للقانون الدولي الأنسانى، ولا حتى للقوانين المحلية . فهو صراع بين الأجيال وعقولها وهو لاستثنى أحدًا. لعل ذلك يتعزز من خلال فهمنا من أن كل مرحله تحوليه مجتمعيه تحتاج إلى الدخول في مخاضات جديدة. فالحداثة تُجبر الإنسان دائماً على إثارة الأسئلة المستجدة لاستشراف المستقبل لصنع حضارة القلق.

فالحداثة المعاصرة تغزونا كل يوم، بل كل ثانيه، وتحاول أن تُقلقُنا في كيفية التعامل مع الزمن والسرعة والتاريخ، وكيفية التعامل مع التقليد ومعانيه. وإذا ذهبنا إلى مظاهرها ودلالاتها، وجدناها فعلاً أنها تُعبر عن قضايانا. وبهذه المعاني فالحداثة هي كيفية صنع المسافة العقلانية لصنع الإنسان العقلاني الأذى يختزل الماضي والحاضر للوصول إلى ألمستقبل.

قضايا في مفاهيمية الحداثة

القضيه الأولى: وهى تكمن في التركيز على العوالم الطبيعية المادية دون غيرها من القضايا المعنوية والروحية، بمعنى التركيز على المحسوس المادي، ولذلك أنصرف العقل إليه وبعلومه وتقنياتهِ ومن ثم تحقيق رغباته المادية في تجاهليه تامة للشق الروحي. فهل الحداثة مثلاً سوف تمُدنا بأسباب التوازن النفسي والسعادة المعنوية والروحية ؟؟ لأن السعادة المنشودة في زمننا الحاضر تستدعى التعامل مع العالم المادي، من خلال الصراع مع الذات والعقل والطبيعة معاً، لاستكشاف القانون لتحقيق السعادة. لأن الحداثة، ومشروعها الأطلاقى المُتحرر من القيود، تُعطى الأولوية للقيم الأرضية الدنيوية عن الاخرويه، وبالتالي فهي تُحول اهتمام الإنسان وعقله من الاهتمام الروحي إلى الاهتمام بمنافع الأرض المادية. وبذلك وقعت الثقافة العربية في استشكال مع عناصر ومكونات الحداثة أو ألمعاصره من خلال تصادم عقلها الروحي وعقلها المادي.

القضية الثانية: تُعتبر الحداثة أن الإنسان جوهر الوجود، وهو معيار الأشياء، وبالتالي هو الغاية والوسيلة للحداثة. فهي تهدف إلى تحرير الإنسان من كوابح نفسه ومحيطه، لأنه صانع التطور والتاريخ عبر عقله. وتستمر الحداثة في تمجيد الإنسان وعقله، فهو القوى بعقلانيته لا ” بمعتقداته وأمنياته الروحية الخالدة” !!!!!. “فالدين جزء من التراث والتقليد وهو يخضع أيضا لمسلمات الحداثة أو ألمعاصره !!!؟؟ مرة أخرى تتمشكل الحداثة مع عناصر الثقافة والمثقف العربي .

القضية الثالثة: ليس هناك مجال للأيمان إلا بالعقل. فالإنسان عنوان مجده العقل، وليس التراث والقيم الروحية، لأنه بفعل الحداثة داس على المنهج الاستدلالي واستعماله لمنهج الاستقراء العقلاني الأخت بارى لتحقيق الحداثة. فهي لم تُعطى الأهمية لأي تشكيلات إنسانيه أخرى، مثل الأسرة والعائلة والعشيرة والقبيلة والمجتمع والطائفة أو ألنخبه ،تُمجد الفر دانيه على حساب الجمعويه. وهى تفصلُ بين القيم والواقع من أجل الجمع بينهما مستقبلاً !!! وهنا شكل العقل الثقافي العربي حالة انفصاليه عن الحداثة من خلال استغراقه وتمسكه بمنهجى الاستدلال والاستقراء العقلي في أن واحد.

القضية الرابعة: فلسفة الصراع في ظل الحداثة, فالحداثة ينبغي أن تخلق فينا الصراع مع الذات، بمعنى كيف ننظر إلى ذواتنا ؟ وكيف ننظر إلى ألأخر؟ وكيف نختار؟ وكيف نتعامل مع المد الجنون آللأمحدود وآللامتناهى لثورة العلم والفجوة الرقمية التي تحدثها فينا ؟ وكيف تتم عملية التسابق مع الذات من خلال إقصاء الصراع مع الأخر؟ وهنا ترفضثة التي تنتج حضارة القلق الانسانى !! وهنا ترفض ثقافية الحداثة العربية فكرة الصراع كعامل من عوامل قيام الحداثة لأن ألدوله هي المُمسك بعصا الحداثة. فأين نحن في الوطن العربي من هذه التمظهرات ؟؟؟

القضية الخامسة: حدود ألمعاصره ، بمعنى الحداثة والتزامات والاصاله والتجديد، فالغرب قبل إن يصنع حداثته وعصرنته المجتمع سبق في خلق دولته وأسس لسؤال السلطة والهوية أولا ثم تحول إلى سؤال الحداثة وصياغة توجهها ، فحدد بذلك حدود الحداثة ولم يحولها إلى توجه صراعي مع ذاته ، بمعنى مؤسسة ألدوله أو سؤال السلطة وخياره كان في خلق مجتمعه أولا. وفى الحالة العربية تحولت الحداثة إلى مشروع ارمه وتأزم حول أسئلة السلطة والدولة والمجتمع من خلال نداءات والاصاله والتجديد وبآليات الأنا السياسي والنخبوي والطائفي والقبلي والانا الديني وثقافة الكاريزمه في مقابل الأخر.

أخيرا ، إن أقصى ما طمحت إليه هذه المطالعة هو ضرورة الانتباه إلى حتمية انتقال الخطاب الثقافي العربي من طور التردد في استلهام مضامين والاصاله والمعاصرة معاً إلى مرحلة الفعل الايجابي ، ومن هوة الاستهلاك المعرفى والمفاهيم واستيرادهما وجهل إسرارها إلى مجال إنتاجها وتوطينها عربياً مدخلاً إلى عالم الحداثة، بمعنى ألمعاصره، أنها مرحلة توطين العلم والتراث التقني والمعرفي المفقودة. إن مجتمع ثقافية الحداثة المعرفية الأذى يتوجب قيامة في الوطن العربي سوف لن يكون بديلاً مقنعاً لأجيالنا القادمة إذا لم ينطلق من رحم الامه وصياغته عربياً . هذه المطالعة تقر بأهمية تجاوز العقل الثقافي العربي لمرحلة الصراع مع الهوية ولا يمكن ضمان حصانتها من خارج أسوارها، وان الوعي بها لا ينبع من الفكرة الدولاتيه العربية أو القطرية بقدر انبعاثها مجتمعياً، وأن مظلة الأخر غير قادرة مهما اتسعت رقعتها وتوغلها على حمايتها من أعاصير الحداثة وتداعياتها.

إن حدود ألمعاصره الملتزمة بالأصالة تحتاج إلى قضبان تتناسب مع عربات الحداثة والمعاصرة . ليس ذلك فقط ولكن الفصل بين أزمة المثقف العربي وأزمة الواقع العربي ، باعتبار إن أزمة المثقف العربي وليدة صراعه مع واقعه وهويته ونظامه الداخلي، وان أزمة الواقع العربي وليدة لعوامل خارجية وداخليه معاً ، وتظل تداعيات الحداثة والعولمه إحدى أوجه أزمة المثقف والواقع العربي. ولفك الاشتباك بين الأزمتين يتوجب حضور مثقف عربي قادر على تفكيك رموز أزمة الامه وصنع الدور وتقديم المسؤليه، مثقف عربي لا ينحاز إلى تيار التغريب أو تيار ألدوله أو تيار السلطة، بل مثقف عربي منحاز إلى التيار المجتمعي قادر على حمل لواء رهان ألمعاصره والعصرنه بعيداً عن الحداثة المشوهة لفقدانها للمنوال وانكسار اتجاهات بوصلتها.

وأخيراَ، لإن الحداثة هي سؤال الحاضر والمستقبل للمجتمع العربي، وهي مربط الفرس ، والثورات العربية المعاصرة معنية بأسئلتها وفك رموزها، وهى معنية بتوفير الإجابات الفكرية كاستحقاقات لها.

* كلية الاقتصاد / قسم العلوم السياسية/ جامعة قاريونس

والمدير التنفيذي للمركز العام للبحوث والاستشارات والتدريب

جامعة قاريونس

شارك برأيك