ثقافية حوار الأديان: دعوة لإعادة صياغتها

رسالة إلي الأزهر الشريف

ثقافية حوار الأديان: دعوة لإعادة صياغتها 

نظراً لتكرار مسلسل الإساءات لشخص الرسول محمد عليه السلام، والي الإسلام، وتزامن ذلك مع عولمة الاستهداف الغربي وثقافيته لدين ليبرالي ومتسامح، واعتدالي، يستوعب عائلة الإنسان، ويؤمن باديان الأخر بدون تفرقة، فأن المشكل إنما يرجع إلي طبيعة مسار حوار الأديان وخصوصا الحوار الإسلامي المسيحي و الذي ينبغي إعادة صياغته.

وتأتى الدعوة هنا إلي إعادة صياغة مسار ذلك الحوار المزعوم والمسكن لوعى المؤمنين والموحدين, وذلك من خلال رصدنا لطبيعة الخطاب الديني الدولي المعاصر والرافض للتعددية الثقافية الدينية والذي يعمل على خلط أوراق الأديان في بعضها دون احترام لطبيعة كل رسالة سماويه. نراقب كل ذلك في ثقافية الغرب الدينية وبطرق ذرعية خدمة لنظرية الوعي اليهودي من خلال تهويد الذهنية المسيحية، و بالتالي تهويد أديان بقية الأمم.

يخطيء الوعي الإسلامي، وفي ظل استمرار سلسلة الإساءات للرسول الرمز وثقافية الإسلام, عندما يقرر مشايخه الدخول في حوار الأديان بدون فهم واستيعاب للخلفية التهويديه التي تكتنف الذهنية والوعي المسيحي بشكل عام وكيفية تفكيرها ونظرتها إلى الإسلام؟

فحوار الأديان السائد الآن لا يستهدف التقارب بين الأديان، ولكنه حوار ينطلق من دور الأقوى، و الذي يرغب وباستمرار فرض رؤيته وتغليب المظالم على الحقائق. وفكرة حوار الأديان تذهب إلى وسط فترة الثمانينات من القرن الماضي وذلك بحدوث أول لقاء بين دولة الفاتيكان وشيخ جامعة الأزهر حيث كان شرط الأزهر آنذاك انه لا (حوار في عقيدة دين الإسلام ولكن فقط التباحث في القيم المشتركة بين العقائد). والمشكل الذي يواجهه الإسلام اليوم بدأ من هناك ومنذ ذلك التاريخ.

ومن الملفت للنظر إن مدبري فكرة حوار الأديان ترجع إلى جيم وليفسون رئيس البنك الدولي السابق والأسقف جورج كاري رئيس أساقفة كانتبرى في بريطانيا كعقول مدبرة للمؤتمرات والحوارات الدولية للأديان. وبعدها تطورت فكرة حوار الأديان إلى الاهتمام بالتنمية والحوار بديلا للمواجهة, فتكونت لجان مشتركه بين الفاتيكان والأزهر الشريف في غياب لمعظم دول العالم الإسلامي وهذا بدوره رتب مشكل أخر. وأخيرا بدلا من يكون حوارا مستقلا تحولت مؤسساته إلى الأمم المتحدة تحت مسمى ” المؤسسة الدولية لحوار الأديان السماوية وتعاليم ألسلام وبرغبة ذكيه انصبت مهمة هذه اللجنة على مراجعة الكتاب الدينى المدرسى في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط دون غيرها من مناطق العالم بحجة مكافحة ” الارهاب الذرعي “.

استلمت الولايات المتحدة الأمريكية ملف حوار الأديان لإدارته بطريقتها الخاصة. فتحول الحوار بين الأديان إلى جبهة دينيه غربيه بحيث انتقل الحوار من الإسلامي المسيحي ليشمل حاخامات اليهود بلباس الدين وكممثلين لدولة إسرائيل. ففي 28-6-2000 وبمدينة بتسبيرج انعقد مؤتمرا ضم 225 شخصا والتوقيع على وثيقة تتألف من 20بندا لتوحيد الأديان. ومن هنا اتضحت لعبة الحوار ي وأهدافه. وتوالت المؤتمرات والتي أخرها كان سنة 2002 بالأسكندريه ليخرج ( بإعلان التشاور بين الأديان ) والمرتبط بالحوار الإسلامي المسيحي.

فدلالات حوار الأديان لا تخرج عن كون منطلقاته تعبير عن القوة، وليس العدل والتفاهم بل تعدى ذلك باستعمال الأساليب الانتقائية لمن يتم التحاور معهم.

فاعتقد الوعي الإسلامي المحاور إن المحاورين المسيحيين ينطلقون من الفهم الإسلامي للمسيحية في الوقت إن الذي أمامهم مجرد قساوسة ورهبان وباباوات شكلا ومحتوى تهويدي تم إخضاعهم له منذ مئات السنين. وبالتالي هناك صعوبات جمة في الحد من التطاول الثقافي الديني الأتي من الغرب على رسولنا ورسالة الإسلام في ظل تشكل الذهنية المسيحية بالوعي التهويدى والذي تحول أخيرا إلى العقيدة الصهيونية المسيحية المعروفة اليوم بجبهة حوار الأديان.

متى بدأت القصة؟ لم تقام كنيسة للمسيحيين(التوراة) جنبالا بعد مضي ثلاثة مئة سنه من مجيء المسيح وفى هذه الأثناء كانت معابد التوراة هي المسيطرة , فتحول البناء الكنسي المسيحي إلى نسخة طبق الأصل للمعبد اليهودي. فوضع في كل مقام كنسي كتاب العهد القديم (التوراة) جنبا إلي جنب كتاب العهد الجديد والمتمثل في (الإنجيل) واستمرت هذه الوضعية إلي يومنا هذا. ففي كنائس اليوم والأمس لا يوجد كتاب اسمه الإنجيل ولكن هناك كتاب تحت مسمى ( الكتاب المقدس) ويحوى العهدين(القديم والجديد).

فالنصوص التوراتية عبارة عن تاريخ (بنى إسرائيل) ولا تحمل إلا معالم الحياة البدائية القبلية في إقامة مملكه أرضية وثنيه (وشعب مختار). وإذا كانت تلك النصوص صحيحة لماذا الزموا برسالة أخرى؟ وتستمر الأضاليل في الوعي المسيحي بان السيد المسيح يهودي وبالتالي فالمسيحية استمرار لليهودية كطريق ممهد لتهويد المسيحية. السيد المسيح رسول فلسطيني عربي كنعاني حنفي إبراهيمي , والرسول تأتيه نبؤه قدوم الرسل دون غيره. فهو الذي تنبأ برسول عربي قادم إلي البشرية وهو محمد بن عبد الله . فالتطاول الثقافي الديني, الأتي من الملعب المسيحي المتهود على الرمزية الإسلامية هو نتيجة للعبة خلط الأديان وأوراقها عبر مئات السنين.

فالمسيحي الذي ينشأ في قريته وعمله ومدرسته وجامعته وفى بيته وذهابه إلى كنسه يعرف عن قصص قبائل اليهود ونزاعاتهم ومزاميرهم وتلمودهم ( وحائط المبكى ) و (ارض الميعاد) ومعجزات أنبيائهم، هو أكثر مما يعرف عن سيرة المسيح ورسالته, ويتحول رجال دينهم إلى دعاة للأساطير التلمودية والمزمارية !!!

إذا بهذا التشكل التثاقف غير البريء لا ينبغي لنا إن نندهش من الرأي العام الديني الدولي وثقافية حواره مع الإسلام من مواقفه الباردة من الإساءات إلى رسول المحبة وعدم اكتراثه تجاه مجازر جنين وغزه وحصار الكنائس في فلسطين والعراق وهدم المساجد, فالأمر مرجعه إلى طبيعة وتركيبة جبهة حوار الأديان والحوار الإسلامي المسيحي وبداياته غير الصحيحة وفشله في إيجاد حوار تضامني بين الأديان وشرح حقيقتها.

فالخطاب الديني الدولي المعاصر هو انعكاس لحوارات جبهة الأديان والتي شكل الإسلام طرفا فيها من خلال ضعف ممثليه وغياب إدراكهم لطبيعة المواجهة . وذهب هذا الانعكاس إلي اتخاذ الإسلام ساحة للتطاول عليه من فترة إلى أخرى, من رسوم مسيئة للرسول و تفعيل مقولات “حوار الحضارات” و ” صدام الحضارات” و ” الإسلام السياسي” و “الإرهاب الإسلامي ” و “الإسلام الليبرالي” و تزوير آيات القرآن كما حصل في “كتاب الفرقان” والذي يتم تداوله في دول الخليج العربي.

نحن هنا مطالبون برصد التنشئة الدينية في ثقافية الغرب حتى تتحصل على خطاب عاقل وعادل نحو الإسلام , وعندما نتذكر التعبيرات المسيئة للإسلام لابد من أن نتذكر أن بؤر التوتر العالمية الآن هي بؤر إسلامية مثل (فلسطين, العراق, باكستان, أفغانستان, ليبيا، سوريا، كشمير, تركيا, كوسوفو, البوسنا, السودان, الجاليات المسلمة في أوروبا, وإيران, ولبنان، غزة، مصر وتونس وقبرص…). فهذه الخريطة غير المستقرة لم تأتى من فراغ، ولكن أتت من الاتحاد اللاهوتي التهويدى المسيحي واستهدافه للإسلام في مناطق تواجده.

وأخيرا نقول إذا كانت أدبيات حوار الأديان تشير وباستمرار إلي رغبتها في اشتداد حدة المواجهة غير العقلانية مع الإسلام , وان حضارة الغرب المسيحي هي أعلى مراتب الكمال الروحي والمادي وان نظرية “نهاية التاريخ” بانتصار الرأسمالية بمضمونها الاقتصادي والمسيحي، فأن نظرية الحتمية والقدرية تشير إلى عكس ذلك. فالنظرية القدرية والعلية هي في صالح المكون الروحي الديني للإسلام وذلك من منظور سيادة الأنقى والأصلح للبشرية.

إن مرحلة افتعال معارك إساءة المشاعر الدينية وتشويه أديان الأخر هي بداية الاعتراف الضمني بأن التاريخ هو تاريخ الدين الكامل والشامل وان الذي يفقد ذلك المعيار هو الذي يبدأ بالمواجهة وإرسال الإساءة إلى الأخر.

* قسم العلوم السياسية/ جامعة بنغازي

شارك برأيك