منطقة وادي الحمص… واللجوء الثاني…

د. ايناس عيسى

الصباح الباكر وأصوات صياح في الحي وجرافات وسيارات جيش وشرطة، صراخ وعويل…، لم تشرق الشمس بعد على حي وادي الحمص، أحد الأحياء المهمشة والموجودة على مناطق ما يسمى (A,B,C) حسب التوزيع الذي تضعه الاتفاقيات حول مسميات الأراضي تبعاً لمكان وجودها وتبعيتها.

والحديث اليوم حول منطقة واد الحمص وبالتحديد تلك الموجودة ضمن المنطقة “A” التابعة للسلطة الفلسطينية، في الجنوب الشرقي من مدينة القدس، حيث يعيش في الحي ما يزيد على 5000 مواطن من حملة الهوية المقدسية (الزرقاء)، علماً أن الجزء من الحي والمستهدف بعملية الهدم يقع داخل جدار الفصل التوسعي، وبالتالي لا يفصله عن القدس أي حاجز عسكري.

عمل عدد من أهالي صور باهر، وهي القرية التي من ضمنها أراضي وادي الحمص على استصدار رخص بناء من السلطة الفلسطينية، باعتبارها مناطق خاضعة للسيطرة الفلسطينية.

في الحي ثلاث مدارس، هي: مدرسة أبو حامد الغزالي ابتدائية فيها صفوف خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة؛ ومدرسة أبن الهيثم، ثانوية للأولاد من الصف (7-10)؛ إضافة إلى مدرسة جمعية إمليسون. ويقام حالياً على أراضي الحي ذاته مدرسة بيان والتابعة للنظام الإسرائيلي “البجروت”. بلدية القدس تبني المدارس لنفس الأشخاص الذين تشردهم المحاكم العسكرية بقراراتها وتهدم بيوتهم ، وتشرد الأطفال وطلاب المدراس.

أما عن الوضع الاجتماعي للعائلات، فغالبيتهم من العائلات التي لا تقوى على امتلاك بيت مهما كان صغيراً داخل حدود القدس التابعة لبلدية القدس، نظراً لغلاء البيوت والتي تصل إلى مئات آلاف الدولارات وربما بضعة ملايين في عدد من المناطق. ومن تلك العائلات المتضررة بالهدم عائلة أبو طير والوحش وعميرة والأطرش، إذ لا يمكن لأي مساعدة أن تعوض تلك الأهالي عن فقدانهم الأمان.

وتجدر الإشارة إلى أن الشرطة الإسرائيلية تتواجد في منطقة واد الحمص بشكل مكثف وعلى مدار الساعة، وهي بالمرصاد لأي تجاوزات مهما كانت صغيرة، حتى أن عدداً من العائلات تم استدعائهم إلى مركز الشرطة بدعاوى مختلفة، مع التركيز على وجود عدد لا بأس به من الأطفال في أوضاع اجتماعية سيئة.

وفي أثناء انشغال المقدسين بالبناء والتوسع، أصدرت السلطات الإسرائيلية قرارها عام 2011 والقاضي بحظر البناء على مسافة بمتوسط يزيد على 200 متر من طرفي الجدار. وبعد 4 سنوات تقريبا، وتحديداً في العام 2015 أرسلت السلطات الإسرائيلية إخطارات بالهدم، وكان حجة الاحتلال بالهدم أن البيوت قريبة من الجدار الأمني المقام على أراضي المواطنين أنفسهم، وبذلك تهديد للأمن. مما دفع المواطنين إلى رفع التماس إلى المحكمة التي أصدرت قرارها في 11 حزيران برفض الدعوى وأصدرت أمر بإخلاء البيوت خلال شهر من تاريخه وهدمها على أن يدفع أصحاب المنازل أجرة الهدم.

بعد انتهاء المهلة التي حددتها المحكمة، يوم الاثنين الموافق 22 تموز 2019 وفي حوالي الساعة 2:00 صباحا، في ظلمة الليل والأطفال نيام يحلمون، قامت السلطات الاسرائيلية باخلاء البيوت من سكانها، وهدمتها بالمتفجرات والألغام وشردت وقتلت أحلام كثير من الأطفال والنساء، وأعلنت المنطقة منطقة عسكرية مغلقة يحظر الدخول أو الخروج منها، كما اعتدى الجنود على عدد من الأهالي والصحافيين المتواجدين في المنطقة واعتقلوا عددا من الشباب من أصحاب تلك البيوت تحسباً من قيامهم بأي نشاط أو تعبير عن الاحتجاج.

تم هدم جزء من البنايات والتي شملت 100 شقة سكنية منها عدد من الشقق المأهولة بالسكان. وكانت منها هدم بيت عائلة الأسير أبو هدوان الذي قضى ما يزيد على 15 عاماً داخل المعتقل وأفرج عنه في العام 2000 ليتم هدم بيته وتشريد أولاده وأحفاده جميعاً وتركهم دون مأوى.

يقول محمد ابن الخامسة عشرة هذا ما كان يقول عنه جدي حول التشريد واللجوء، ويضيف اليوم فهمت معنى أن تكون لاجئاً بلا مأوى، ولعله صادق فهو لربما التشريد الثاني لتلك العائلة المهجرة، ويضيف الأب أعتقد أنه لا يوجد لنا مأوى وسوف ننصب خياماً فوق بيوتنا التي هدمت.

أما الطفلة تالا والتي تعيش مع والديها وأخوتها والجد والجدة والأعمام وزوجاتهم في بيت واحد يضيق بهم جميعاً، ولا يحصل أي منهم على فرصة للتنفس والخصوصية، فتقول كنت أحلم واخوتي بغرفة فيها سرير بعد أن كنا ننام جميعاً في غرفة واحدة وفرشة على الأرض، ألا يحق لأطفال فلسطين أن يحلموا؟؟

وتضيف الأم جميعنا نعيش في بيت صغير جداً، ويعلم الله كيف جمعنا نقود البيت (قرش على قرش)، وعمل زوجي ليلا ونهارا لتوفير ثمنه، وحرمنا الأولاد من اللقمة وملابس العيد والرحلات والألعاب على أمل أن نعيش في بيت مستقل كعائلة واحدة، ويكون لكل منهم سريره الخاص، ويأتي الاحتلال بقرار عسكري يفجرون به البيت وينسفون معه احلامنا جميعاً.

وبالرغم من انتقاد الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي لعمليات الهدم واعتبارها سببا مباشرا لهدم عملية السلام برمتها، وانها جريمة حرب ضد الانسانية، الا أن هناك أيضاً عدد من إخطارات الهدم لعدد آخر من المنازل والتي يصل عددها إلى 100 منزل اخر، ولكن لم تنته المهلة المحددة لهدمها.

الاحتلال الذي يقتل الفلسطينيين لا يتوانى عن قتل أحلامهم، مهما كانت مشروعة وبسيطة، حتى أحلام الأطفال بامتلاك سرير خاص به في زاوية، لعلها واحدة من أفظع الممارسات الخاصة بالهدم والتشريد والتي تطبق بحق الفلسطينيين في القدس. وكل ما قامت به السلطة الفلسطينية هو عدد من الإشعارات والاحتجاجات والتغريدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي لم ترق حتى لحدود التصريحات الصحفية المباشرة والرافضة لما يحدث على تلك الأراضي، أو حتى التوجه للمحاكم الدولية بشكل فوري ورسمي معلن، علماً بأن البيوت موجودة ضمن حدود صلاحياتها وفي مناطق “A” والأهالي لديهم تصاريح بناء من السلطة.

ويسأل من كانوا في موقع الهدم، أين هي اتفاقيات أوسلو؟ أين حقوق الأطفال والشيوخ والناس الذين فقدوا المأوى؟ أين حل الدولتين ونحن لا نملك حق العيش في بيت مرخص من السلطة الفلسطينية على أراض تابعة لها؟؟

ويقول أحد المواطنين رأيت جنود الاحتلال يرقصون فرحيين بهذا الإنجاز، وقد انتشرت عدد من الفيديوهات وصور العناق والضحكات تعبيراً عن الفرح والانتصار على الانسانية، بهدم البيوت الفلسطينية وتشريد أهلها.

لعل هذه الحادثة هي أوسع عملية هدم تنفذها سلطات الاحتلال في القدس بعد عملية هدم مماثلة في قرية قلنديا شمالي القدس قبل ثلاثة أعوام.

إلى متى ستستمر عمليات الهدم في القدس وعزلها من محيطها وتكريس الاستيطان اليهودي في المدينة؟ إلى متى سيظل مسلسل التطهير العرقي والتهويد الذي يندرج في إطار تنفيذ ما يسمى بصفقة القرن لتصفية الوجود الفلسطيني وحقوق الفلسطينيين؟ إلى متى سيستمر الاسرائيليون بممارساتهم تحت غطاء قانوني من المحكمة العليا، دون الالتزام بالقوانين والدولية أو الانسانية؟

إذا كانت أحداث 911 تستدعي وقفة صمت وتفكير واعادة جدولة اولويات العالم في مكافحة الارهاب، فان ما يحدث للفلسطينيين في القرن ال21 بحاجة الى أن يصمت العالم ويتحرك لمكافحة الارهاب الذي يمارس على الفلسطيننين.

شارك برأيك