حلم العودة… ليوم واحد…

د. ايناس عيسى

ارتبط مصطلح “النكبة” بالفلسطينيين، ويعني المأساة الإنسانية التي كانت وراء عشرات المجازر والمذابح…. والسلب والنهب ضد الفلسطينيين، وتشريد ما يزيد على 750 ألف فلسطيني من بيوتهم، وهدم أكثر من 500 قرية فلسطينية.
أذكر قبل عشر سنوات عندما قررنا أخذ جدتي “رحمها الله” إلى زكريا القرية الوادعة على سفح تل قضاء الرملة، والمدمرة كغيرها من القرى الفلسطينية المجاورة مثل عجور، وبيت نتيف، ودير أبان، وتل الصافي، كذلك المدن التي تم تهويدها ومحو هويتها الفلسطينية من خلال طمس الأسماء العربية واستبدالها بأسماء عبرية، فأصبحت قريتنا زكريا تدعى “زخاريا”. وتم تحويلنا إلى لاجئين لصالح إقامة الدولة اليهودية.
ترجلنا من السيارة لنمشي على أقدامنا في القرية الصغيرة بناء على رغبة جدتي التي قالت عام 1948 قال لي جدكم: “يا حليمة لا تأخذي معك إلا القليل من الطعام، اسبوع وراجعين ، ولا تنسي أن تقفلي الباب والنوافذ جيداً، حتى لا يسرق الصهاينة البيت”. وتابعت “لم يكن يعلم أنهم سيسرقون البيت والأرض والعمر كله والأبناء، والمفتاح لا يزال يذكرني بالقصة”.
أكملنا المسير وجدتي تتحسس كل شجرة، وكل صخرة، رغم أن القرية تغيرت ملامحها كثيراً، إلا أن المسجد وبيت المختار لا تزال شواهداً على الاحتلال، وهناك توقفت جدتي وتنهدت تنهيدة طويلة وقالت “هنا كان يلتقى الرجال في القرية، يقرأون الكتب ويتبادلون المجلات التي تأتيهم من مصر، وبعد الظهر يذهبون إلى بيت المختار لسماع الأخبار في الراديو”.
تابعنا المسير لنصل المدرسة والتي تعتبر من أوائل المدارس في القرى الفلسطينية والمشيدة في عشرينيات القرن الماضي. وهناك، لم تستطع جدتي أن تحبس دموعها أكثر وبدأت تنشد قصيدة كانت ترددها كثيراً على مسامعنا منذ كنا صغاراً، تعلمتها وهي في مدرسة القرية، والتي ظلت حبيسة بداخلها عقوداً وحروباً… دون أن تخفي دموعها التي تنسكب من عينيها.
لعل آرثر. ج. بلفور رئيس وزراء بريطانيا عام 1917 والذي لا يملك الحق ولا الأرض، لم يفكر في جدتي صاحبة الأرض والحق عندما قرر أن يقدم فلسطين وكنائسها ومساجدها ومدارسها لليهود، الذين حضروا من كل أرجاء الكون ليقيموا وطناً قومياً على انقاض وأشلاء بيوت وذكريات أجدانا.
ففي الخامس عشر من أيار عام 1948 قررت بريطانيا إنهاء الانتداب على فلسطين، وأصدرت الأمم المتحدة قرار التقسيم، اعترض العرب شانين حرباً عسكرية لطرد المليشيات اليهودية المسلحة من فلسطين، واستمرت الحرب حتى آذار 1949، وهو يوم اعلان المجلس اليهودي في تل أبيب قيام دولة إسرائيل، باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بعد دقائق على لسان الرئيس الأمريكي هاري ترومان أنذاك، تلاه اعتراف الاتحاد السوفيتي بعد ثلاثة أيام فقط.
ولا يزال البعض على جهلهم وغفلتهم يعتقدون أن امريكا راعية للسلام، وهي أول الأعداء وأكثرهم عناية بالاحتلال، متجاهلين أن فوز ترامب ، ما هو إلا فوز لرجالات الأعمال المسيطرين على الاقتصاد وحلفائهم، مع وعود إجرائية بأن يعيد لهم وظائفهم ليسترجع “عظمة أمريكا”، على حساب قوتنا وقوت أولادنا وحروب تلتهم عالمنا العربي، وجوع وحصار وموت للنساء والأطفال والشيوخ في غزة.
وتابعنا المسير حتى وصلنا شجرة احتضنتها جدتي، وجلست تحتها تبكي بكاءً مسموعاً وبصوت مرتفع أقرب ما يكون إلى النحيب، لدرجة أصابنا الخوف من كثرة بكائها، ثم دقائق من الصمت لتهدأها… وبصوت خافت يتخلله بكاء خافت قالت “تحت هذه الشجرة عام 1948أنجبت عبد الفتاح، تحت القصف الإسرائيلي وأصوات الرصاص وسقوط الشهداء، وأخبار المجازر وبكاء الأطفال وعويل النساء الثكلى” وتابعت وكأنها تستعيد شريطاً يمتد لسبعين عاماً من البؤس والشقاء “وغادر طفلي عندما بلغ السابعة عشرة فلسطين ليلتحق بمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، آملاً استعادة الشجرة التي ولد تحتها، ولكن لم يعد طفلي ولم أره حتى اليوم… فلا عادت الأرض ولا عاد الولد!!!
ويحضرني السؤال ألا يحق لامرأة في التسعين من عمرها أن تحقق حلم العودة إلى بيتها ومسقط رأسها، إلى البيت الذي ما عرفت غيره، ولا حلمت بغيره، فيه تزوجت وأنجبت أطفالها، فيه رائحة عطرها، وأثواب عرسها التي تركتها، فيه صباها وشبابها؟؟
ماذا عن قرار مجلس الأمن 242 القاضي بعودة اللاجئين ؟؟ ألم يكن اسم جدتي مدرجاً ضمناً؟؟؟ أم أنها تشكل خطراً على أمن البلاد؟؟ ومن عليه تنفيذ قرارات مجلس الأمن؟؟ أم أن هذه القرارات تنفذ على دول مستضعفة ….. وحسب؟؟؟
حدثتنا جدتي عن شجرة الليمون التي زرعتها في فناء البيت وفي العام الذي هُجروا فيه من البلد كان الموعد المنتظر لاثمارها لأول مرة، ولكن قطفها مغتصبوها، حدثتنا عن أيام الحصاد وكيف كانت النساء تزرع وتعنى بها وتحبها كأنها الأم والأب والزوج والأولاد….. وتسائلت هل يحبون الأرض كما نحبها نحن، وأردفت يا ليت لو يكون لي قبر متر مربع فقط وأدفن هنا…….
غادرنا القرية ودخلت جدتي المشفى بسبب ألم في صدرها، تبين إصابتها بجلطة، أهو الحزن والألم الذي اعتصر قلبها يوم عودتها ليوم واحد إلى زكريا ورؤيتها لبيتها وأرضها المغتصبة؟؟
اللجوء الأول مدينة الرملة
وتصر جدتي إلا أن تسرد القصة الكاملة، عن النكبة وتقول مشينا على الأقدام والبعض على الدواب والمعظم كانوا من النساء والأطفال، فالرجال كانوا يحاربون، مشينا تحت القصف والرصاص والأخبار عن الشهداء، فتلك قتل زوجها واخرى والدها وثالثة أخوها وولديها، حتى وصل أهالي القرية إلى مدينة الرملة تحت أصوات الرصاص وأخبار المذابح وذبح الفلسطينين في القرى، وتستطرد قائلة…بعد فترة وجيزة توفي جدكم حزناً على بيته وأرضه وقهراً على تهجيره من زكريا واستشهاد ابنه البكر حسن في حرب 1948، مات جدي وهي تحمل في رحمها طفلها الرابع (علي) الذي ولد يتيم الأب والبيت والوطن!!!.
وتصف جدتي كيف أنها اضطرت لبيع كل ما تملك لتعتاش هي وأولادها الذين كانوا بدون معيل، وكيف بطيبتها أو سذاجتها سمحت لأرملة يهودية مشاركتها البيت لأشفاقها عليها، وفوجئت بالمرأة تخرج كل مقتنيات جدتي وأطفالها وترميها خارج البيت، وتحتل البيت لتصبح جدتي بلا مأوى هي وأطفالها الأربعة وللمرة الثانية..
اللجوء الثاني مخيم الدهيشة
هذه المرة جدتي بلا بيت يأويها وأورلادها الأربعة لا من حر الصيف ولا من برد الشتاء، ولا زوج ليرعاها وأولادها اليتامي والذي كان عمي محمد أكبرهم في العاشرة من عمره وأصغرهم عمي علي لم يتجاوز بضعة شهور…
لا تملك جدتي إلا مفتاح بيتها المغتصب في زكريا وكثير من الألم والذكريات ….. وغادرت الرملة تحمل ألماً مضاعفاً، هذه المرة إلى واحد من مخيمات اللاجئين التي أقامتها وكالة غوث اللاجئين وهو مخيم الدهيشة في بيت لحم، والتي ما لبثت أن تحولت من خيام إلى غرف صغيرة، وصار المخيم عنواناً للجوء، ولكن جدتي لم تنس زكريا وطنها الصغير، الذي ظل يكبر بداخلها وتتحدث عنه كلما سنحت لها الفرصة.
توفيت جدتي، ولا يزال حديثها عن العودة محمولا بالأمل، ولا يزال مفتاح بيتها معلقاً بانتظار أن نعود، وصندوقها الخشبي الذي خرجت به من زكريا وفيه بعض مقتنيات بيتها المغتصب في زكريا لا يزال موجوداً، وحلمها بالعودة لم يفارق تفكيرها ولا لسانها ولا دعائها…كلما نظرت إلى المفتاح المعلق في جدار الغرفة تقول” راجعين باذن الله راجعين” ولكن يبقى السؤال متى؟ وكيف يا جدتي؟.
مع كل هذا التخاذل والانهزامية والدمار والحروب والمجازر، وربع قرن على اتفاقية أوسلو وما تلاها من اتفاقيات، لا نملك شبراً من أرض ولا مزرعة أبقار، ولا شجرة زيتون، حتى لا نملك نهراً ولا شاطئ على البحر المتوسط أو الأحمر، ولا مطار ولا ميناء، متى سنعود يا جدتي؟؟؟
صداقاتنا مع الدول باتت تنحسر وتتدهور، وكأن العالم يقول لنا يا جدتي، ما عاد لكم من حلفاء….ناهيك عما أفرزته آخر عشر سنوات من عمر الفلسطينيين من انقسام في الصف الفلسطيني وثلاث اعتداءات على غزة والاف الشهداء والاف الإعاقات، وبيوت مهدمة قضى أهلها كل عمرهم في بناءها…متى سنعود يا جدتي؟؟؟
توفيت جدتي بعد عام واحد من زيارتها لزكريا… ولكن حلم جدتي لم يعد حلماً وحسب، بل هو ميراثنا وقضيتنا…

شارك برأيك