حل النزاعات الدولية : بين إستخدام الطرق السلمية وفرض الحلول جبراً – صفقة القرن نموذجاً

بسم الله الرحمن الرحيم
حل النزاعات الدولية : بين إستخدام الطرق السلمية وفرض الحلول جبراً
صفقة القرن نموذجاً

د. يوسف الطيب محمدتوم
أستاذ مساعد / القانون الدولى العام
قسم الشريعة والقانون كلية – الإمام الهادى الجامعية – أمدرمان – السودان

من المتعارف عليه أن قواعد القانون الدولى التقليدية،كانت تعترف بالحرب كوسيلة مشروعة لفض المنازعات االتى تنشأ بين الدول ،وقد بذلت المجموعة الدولية جهوداً كبيرة لتحريم الحرب دولياً ونبذها كوسيلة للتسوية المنازعات الدولية التى تنشأ بين الدول،ولعل من أبرز هذه الجهود ماورد فى ميثاق الأمم المتحدة فيما يتعلق بالأمن الجماعى كوسيلة لحفظ السلم والأمن الدوليين،ولفكرة الأمن الجماعى مظهران:يتمثل الأول فى تحريم الحرب وحظر الإتجاه إليها،أما المظهر الأخر،فيتعلق بإتخاذ الإجراءات الجماعية للتصدى للعدوان وعقاب المعتدى من منطلق أن الإعتداء على إحدى الدول هو بمثابة العدوان على الجماعة الدولية بأسرها(1)،وأبرز مثال على ذلك هو ردع المجموعة الدولية للعراق عقب إحتلاله للكويت فى أغسطس1990م. الإن النزاعات والخلافات من أساسيات الحياة فهي تحدث بين الأفراد وبين الجماعات وببن الدول أيضا، وتحدث النزاعات والخلافات بسبب الاختلاف في التفكير والاختلاف في وجهات النظر، أما فيما يخص النزاعات الدولية فإنها تكون على مستوى دول، بين دولتان أو أكثر، ويتم حل النزاعات الدولية بطرق مختلفة منها الطرق الودية أو بالإكراه، وسنعرض في هذا المقال استراتيجية الطرق المتبعة في حل النزاعات الدولية وعم السلام.
نصت المادة (33/1)-الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة:(يجب على أطراف أى نزاع من شأن إستمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولى للخطر أن يلتمسوا حله بادىء ذى بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية،وأن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التى يقع عليها إختيارها)وتتدخل الأمم المتحدة بهدف إعادة السلم الدولي في حال امتدت آثار النزاع الداخلي إلى خارج الدول المتنازعةحيث أن المبدأ الأساسي فيها هو تسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية وتحريم استخدام القوة المسلحة أو التهديد بها.
ويتم حل النزاعات الدولية من خلال اتباع بعض الطرق التي تتبعها العديد من الدول حول العالم، منها ما يلي:-
أولاً:اللجوء إلى المفاوضات الدبوماسية:-Diplomatic Negotiations
بهذه الطريقة يتم إيجاد تسوية سلمية من خلال تبادل الرأي بين الدولتين اللتان حدث النزاع بينهما،أما من
يتولى المفاوضة فهو المبعوث الدبلوماسي، ويكون ذلك عن طريق الاتصال بوزير الخارجية في الدولة الأخرى،وأيضاَ يقصد بها تبادل الأراء بين متنازعين بقصد الوصول إلى حل للخلاف القائم بينهما(2).ويتوقف نجاح المفاوضات على التكافؤ فى المكانية السياسية للدول للدول المتنازعة(3)
أما فيما يخص أسلوب المفاوضة فقد تكون كتابية أو شفوية.
ثانياً:عن طريق المساعي الحميدةSettlement by good offices: :-
وتعرف أيضاً بالمساعى الودية،ويتم اعتماد هذه الطريقة عندما تزداد الصعوبات القانونية أو السياسية بين الدولتين اللواتي حدث بينهما النزاع، بحيث يكون الاتصال المباشر بينهما صعبا للغاية.
في هذه الحالة تدخل دولة أخرى بينهما تكون طرفا محايدا، هدفها تقريب وجهات النظر فقط.
بحيث أن هذه الدولة المحايدة لا تقوم بالمشاركة في المفاوضات بين الدولتين الواتي حدث بينهما نزاع.

————————————–
(1)د.محمد عزيز شكرى –المدخلإلى القانون الدولى العام وقت السلم(1973)ص146.
(2)د.محمود سامى جنينة-القانون الدولى العام-ص634.
(3)أ.د.عبدالعزيز سرحان-القانون الدولى-نظرية الدولة1986م-ص396.

(1من5)
ثالثاً:باستخدام الوساطةMediation::-
وهى درجة متقدمة من المساعى الودية،تكفل للوسيط إقتراح الحلول للخلاف المطروح والمشاركة فى المفاوضات كطرف ثالث وتقريب وجهات نظر الدول فى المفاوضات لحل النزاع القائم، ،ومن أمثلة قبول الوساطة،قبول وساطة الولايات المتحدة الأمريكية فى حل نزاع طابا بين مصر وإسرائيل،فى 25/أبريل/1985م،ومن أمثلة رفض الوساطة رفض حكومة المغرب وساطة مصر فى النزاع بينها والزائر فى عام 1963م وتتم الوساطة من خلال مشاركة دولة أخرى لا علاقة لها بالنزاع في المفاوضات بين هاتين الدولتين المتنازعتين بشكل مباشر.
رابعاً:التحقيق:Enquiry:-
ويقصد به أن يعهد إلى لجنة تتكون من شخصين أو أكثر لتقصى الحقائق المتعلقة بنزاع قائم بين دولتين دون إبداء ملاحطات يمكن أن تؤثر فى تحديد الطرف الذى تقع عليه مسئولية قيام النزاع بل تقتصر مهمة اللجنة على جمع الحقائق ووضعها تحت تصرف الطرفين كى يتصرفا بقصد حل النزاع أو عرضه على التحكيم الدولى(1).
وهذه اللجنة هدفها تحديد وحصر أسباب النزاع الحاصل، وبعدها تقوم بتقديم تقرير يهدف إلى تسهيل حل النزاع.ويختلف التحقيق عن الوسائل العادية فى صفة إجراء التحقيقات والتحريات،وهى صفة شبه قضائية لا تتوفر فى حالات المساعى الودية والوساطة.
خامساً:اللجوء إلى التوفيقConciliation::-
يتم إحالة ملف النزاع إلى جهة محايدة،ويتمثل ذلك فى تولى لجنة مشكلة من أشخاص سواء أكانوا خبراء دبلوماسيين أو سياسيي أو قانونيين لهم خبرة دولية لبحث الخلاف موضوع التوفيق بين الأطراف ووضع تقرير يتضمن كل إقتراح مفيد لحل هذا الخلاف،ويتم اللجوء إلى هذه الطريقة عن طريق الإتفاق بين أطراف النزاع.
ويختلف عمل لجنة التوفيق عن لجنة التحقيق فى أن لجان التوفيق تقوم بتقديم إقتراحات لحل النزاع القائم للأطراف دون أن يتمتع هذا الإقتراح بصفة الإلزام،على حين أن لجان التحقيق يقتصر عملها على سرد الوقائع المطلوب التحقيق فيها فقط(2).
اللجوء إلى التوفيق يكون إلزامياً إذا طلبه أحد أطراف النزاع،وهنا تكمن الصفة التى تجعل التوفيق شبيهاً بالطرق القانونية لتسوية المنازعات الدولية،وهذا الإلزام لا يتعدى قيام المجتمع بإجبار الطرق الطرف الأخر على اللجوء للتوفيق،ولكن التقرير الذى يتضمن مقترحات لجنة التوفيق لا يكون ملزماً للأطراف سواء تعلق ذلك بالحقائق أو الوقائع التى يشتمل عليها التقرير(3)

—————————————————-
(1)أ.د.عبدالعزيز سرحان-القانون الدولى العام-مرجع سابق-ص398.
(2)راجع:د.محمود سامى جنينة-مرجع سابق-ص641.
(3)أنظرر:شارل روسو-القانون الدولى العام-ترجمة شكرالله خليفة وعبدالمحسن سعد-بيروت1982م.

-2-

تتولى هذه الجهة مهمة فحص أسباب النزاع، واقتراح الحلول والتسوية المناسبة.
إلا أن قرار هذه الجهة يكون غير ملزم للأطراف
سادساً:التسوية القضائية:-Judicial settlement
نصت المادة:(92)من الميثاق على أن محكمة العدل الدولية هي الأداة القضائية الرئيسة للأمم المتحدة، ويعتبر جميع اعضاء الأمم المتحدة أطراف في النظام الأساسي للمحكمة،ولكن يجوز للدول غير الأعضاء الإنضمام للنظام الأساسى للمحكمة.
وترجع أهمية الطرق القضائية فى تسوية المنازعات الدولية إلى عدة إعتبارات بعضها قانونى والبعض الأخر سياسى،ويقوم كل طرف تلقائياً بتقديم مايستند إليه قانونياً للتمسك بحقه فى السيادة على الموضوع المتنازع عليه،وعليه أن يقدم أدلة الإثبات التى تؤكد هذا الحق(1).
ولذلك فإن الطرق القضائية لتسوية النزاعات تكون نزاعات ذات طبيعة قانونية ،يتصدى للفصل فيها من هو مؤهل للترجيح بين الحجج القانونية المتباينة التى يتمسك بها كل طرف من الأطراف(2).

(1)أ.د.عبدالونيس شتا-International liability Torininguries caused by Technological Activities.
(2) (1)أ.د.عبدالونيس شتا-القيمة الإستدلالية لأدلة الإثبات فى منازعات الحدود دراسة لبعض لبعض الأدلة مع التطبيق على تحكيم قضية طابا12-مجلد الإدارة المصرية لأزمة طابا-جامعة القاهرة1990-ص173.

-3-

صفقة القرن 2020م أو خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائليين:-
صدر عن المجلس القومي للترجمة ـ القاهرة، النسخة العربية من كتاب “إسرائيل وفلسطين: إعادة تقييم وتنقيح وتفنيد” (ط1، 2013)، للكاتب الإسرائيلي آفي شليم، نقله إلى العربية ناصر عفيفي. يقع الكتاب في 524 صفحة من الحجم المتوسط، ويتألف من تقديم المترجم، ومقدمة، وثلاثة أبواب، وثلاثون فصل.
يستعرض الكتاب كل كتابات آفي شليم عن القضية الفلسطينية “على مدى الربع الأخير من القرن الماضي، وباستثناء الفصل الخاص بوعد بلفور 1917، تبدأ الفترة الزمنية لهذا الكتاب بحرب فلسطين 1948، وتنتهي بالحرب الهمجية التي شنتها إسرائيل على غزة في كانون أول (ديسمبر) 2008، وتقع في هذه الفترة السوداوية، تقريباً، كل الأحداث المناقشة عبر الصفحات التالية”، (ص 23)
وفى. 28 من شهر يناير، من عام 2020، دعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كل من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه بيني غانتز ولم يدع أي مسؤولين فلسطينيين إلى واشنطن لإطلاق خطته للسلام من أجل حل الصراع القائم منذ عقود؛ حيث اجتمع بهما من أجل مناقشات منفصلة بشأن صفقة القرن؛ فيما بعد، أعلن الرئيس ترامب خطة السلام بين إسرائيل والفلسطينيين المعروفة بـ”صفقة القرن” بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أكّد بدوره أن الخطة تقدم “طريقًا واقعيًا” لتحقيق سلام دائم في المنطقة.ونصت صفقة القرن على وجود مرحلة انتقالية من أربعة أعوام، وذلك انتظاراً لمتغيرات سياسية ستدفع السلطة الفلسطينية إلى التخلي عن موقفها الرافض للخطة حالياً، وإعلان سيطرة إسرائيل على 30 في المئة من الضفة الغربية ضمن المناطق التي تعرف باسم “ج”، وفق تصنيفات اتفاق أوسلو المبرم عام 1993، وستبقى مدينة القدس موحّدة تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة؛ بضم جميع مستوطنات الضفة الغربية التي يزيد عددها عن 100 مستوطنة بهدف منع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضي فلسطين المحتلة.وتعتبر هذه الخطة “الاقتراح الأكثر سخاء” الذي تمَّ تقديمه إلى إسرائيل، كما وأنها تتضمن كذلك إقامة دولة فلسطينية رمزية” لا يمكن لأي زعيم فلسطيني أن يقبلها.
وتسألت بعض الصحف العربية عن هذه الصفقة:هل هى حل للنزاع ؟أم تصفية للقضية الفلسطينية؟
جاء فى صحيفة الحياة الجديدة الفلسطينية، قال يحيى رباح: “نحن فلسطينياً في حالة مواجهة كبرى مع صفقة القرن التي لا يوجد أمامها سوى الفشل، شرعيتنا الفلسطينية جعلت إسقاط هذه الصفقة على رأس أولوياتنا الوطنية لأن العقل السياسي الأمريكي الإسرائيلي الذي نتجت عنه هذه الصفقة هو عقل عنصري واستعماري، تعامل مع شعبنا كما لو أنه غير موجود إطلاقاً وانه مجرد فرضية ليس إلا
وانتقدت افتتاحية الشرق القطرية الإدارة الأمريكية التي “اعتبرت تنفيذ ‘صفقة القرن’ نقطة البداية للحل… فمن الواضح أن السياسة الأمريكية في المنطقة متخبطة لأنها تحاول فرض حل أحادي الجانب على حساب الحقوق الفلسطينية، كما أن هرولة بعض الدول العربية نحو التطبيع، لا يمنح أي شرعية لهذه الصفقة التي تعني تصفية القضية الفلسطينية .
وحذر عبد الناصر النجار في صحيفة الأيام البحرينية من أن “صفقة القرن والإجراءات العدوانية الإسرائيلية المتوقعة على هامش الصفقة مثل ضم المستوطنات وجزء كبير من مناطق ‘ج’ هي وصفة لإشعال فتيل الانتفاضة الثالثة… وستدفع المنطقة كلها نحو المواجهة وربما الحرب، ولن يعاني الشعب الفلسطيني وحده، لأن الإسرائيليين سيعانون أيضاً إذا لم يتحركوا لوقف هذا الجنون .
من جانبه، أشار نضال محمد وتد في صحيفة العربي الجديد اللندنية إلى أن “رسائل ترامب سواء عبر

-4-

مبعوثه إلى المنطقة جايسون غرينبلات أو صهره جاريد كوشنر، لا تترك مجالاً للشك بأن ما يحاك وما
يُخطط له هو ببساطة تصفية القضية الفلسطينية، لكن هذه المرة عبر السعي لنيل شرعية ودعم عربيين لهذه التصفية، ووسط تهديدات وضغوط على دولة عربية هي الأردن .
وفى رأى أن هذه الخطة والتى قدمت بواسطة الرئيس الأمريكى ترمب،تعتبر من مقترحات الحلول الجبرية،أى أنها تعتمد على قوة الولايات المتحدة فى كافة المجالات ،وخاصةً العسكرية والإقتصادية،علاوةً على تفوقها على كل دول العالم فى كثير من المجالات،أو بالأحرى فى كل المجالات،وبهذه الخطة،تم وأد قرارات االشرعية الدولية والتى صدرت من الأمم المتحدة فى عام 1967م،وخاصةً القرارين (242)والخاص بإنسحاب إسرائيل من الأراضى التى إحتلتها فى عام 1967م ،والقرار(194)والخاص بحق العودة والتعويض بالنسبة للاجئيين الفلسطيين والذى صدر فى عام 1948م ،وهذا بالطبع مؤشر خطير،يقودنا إلى هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على كل المنظمات الدولية،وفى مقدمتها منظمة الأمم المتحدة،مما يجعل كل القرارات التى تصدر من هذه المنظمة الدولية الهامة،بالكيفية التى تراها الولايات المتحدة الأمريكية،وحسب مصالحها فحسب.،وبذا يمكننا أن نقول وبكل ثقة بأن،باب طرق حل المنازعات الدولية بالوسائل السلمية قد تم إغلاقه تماماً بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية،وأصبحت خطة حل أى نزاع دولى فى أى رقعةٍ جغرافية فى العالم يعتمد على الجبر والإرغام فى قبول هذه الخطط،وما خطة القرن عنا ببعيد.
والله ولى المستضعفين من عباده

(5من5)

الكلمات المفتاحية: صفقة القرن

شارك برأيك