إيطاليا أقل تضرراً من الصغار

بقلم: عبدالله بن ربيعان *

لأن ايطاليا هي الاقتصاد الثالث في دول اليورو بعد المانيا وفرنسا، فإن الأزمة التي ضربت اقتصادها، وتغيير حكومتها، كانت هي الحديث الأكثر تداولاً وجذباً على شاشات التلفزيون واعمدة الصحف العالمية هذا الأسبوع.

ويشكل الدين العام Public debt في إيطاليا مانسبته 118 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي GDP، وتأتي ثانية بعد اليونان التي يبلغ حجم ديونها مانسبته 143 في المئة من ناتجها المحلي.

ويعتبر الدين الايطالي رقماً كبيراً بكل المقاييس، بل انه يصل الضعف تقريباً للنسبة المسموح بها لحجم الدين، نسبة للناتج في اتفاق انشاء الاتحاد الأوروبي، وتنص على ألا تزيد نسبة الدين العام على نسبة 60 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي.

وعلى رغم نص الاتفاق، الا ان نسبة الديون في القارة العجوز تصل في المتوسط للدول الـ 27 التي تشكل الاتحاد إلى مانسبته 79 في المئة من اجمالي الناتج المحلي لهذه الدول مجتمعه.

وبالتفصيل، فإن النسبة تبلغ 96 في المئة في ايرلندا، و93 في المئة في البرتغال، و83 في المئة في المانيا، و81 في المئة في فرنسا، و65 في المئة في اسبانيا بحسب احصاءات الربع الأول من 2011. كما تبلغ النسبة في بريطانيا وهي دولة في الاتحاد الأوربي الا انها ليست من دول «اليورو»، ما يصل الى 80 في المئة من ناتجها المحلي. وهذه النسب مرتفعة بكل المقاييس والاعراف الاقتصادية، الا انه نتيجة الازمة التي ضربت العالم واثرت كثيراً في اوروبا بعد انهيار ليمان براذرز في أواخر 2008 لم يكن امام هذه الدول من سبيل لعلاجها سوى بالدين والاقتراض.

ولعل ما يعرف بدول الـ Piigs فإنها أكثر الدول تأثراً، وهذا المصطلح يجمع الحروف الأولى لدول البرتغال، وايطاليا، وايرلندا، واليونان، واسبانيا. وثلاث من دول الـ Piigs تلقت دعما كبيراً، او مايسمى Bailout من دول الاتحاد الأخرى وخصوصا المانيا وفرنسا بالتشارك مع صندوق النقد الدولي. والدول الثلاث هي اليونان والبرتغال وايرلندا، وان كان حال اليونان مازال غير مستقر، ولاتستطيع حكومتها الجديدة الاقتراض بإصدار سندات لأن ديون هذه الدولة تم تقويمها من مؤسسات التقويم المعروفة على انها ديون لا يمكن الوثوق بتحصيلها Junk، وهو ما يستدعي دعماً آخر من دول الاتحاد الأخرى.

ولعل ما يزيد مشكلة او أزمة أوروبا عموماً انه على رغم اعلان كثير من دولها خططاً للتقشف وضغط الانفاق، الا ان نسبة البطالة تضغط على حكومات هذه الدول، فالبطالة في اسبانيا تبلغ 21 في المئة، وفي اليونان 18 في المئة، و7.7 في المئة في بريطانيا، اضافة الى معدل النمو المنخفض لدول الاتحاد، فمعدل النمو لم يجاوز 0.02 في المتوسط للدول السبعة والعشرين خلال الربع الثالث من هذا العام. وبالتأكيد فإن دول الاتحاد حالياً في حيرة كبيرة بين ضغط المصاريف مع ما يتبعها من بطالة وضعف في النمو، او الصرف والانفاق وهو ما يعني زيادة الديون وعجز الموازنات. الا ان المعلن حالياً من كل حكومات اوروبا هو التقشف Austerity وشد الاحزمة belt-tightening، مع الاكتفاء بفرض الضرائب الكبيرة على الدخول المرتفعة.

وبالعودة إلى ايطاليا، وهي حديث الساعة، فإن الأزمة التي اطاحت برئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني اثارتها ارتفاع نسبة الفوائد على اقتراض الدولة الي 7 في المئة. وهذه النسبة المرتفعة جاءت بحسب كثير من المحللين بسبب ضعف معدل النمو في اقتصاد ايطاليا، فمتوسط نمو الاقتصاد الايطالي لم يجاوز في المتوسط 0.75 في المئة سنوياً خلال الستة عشر عاماً الماضية، وليس بسبب كبر حجم المديونية، فالبلد يتعايش مع مديونية تزيد نسبتها على 100 في المئة من ناتجه المحلي منذ التسعينات. ويرى بعض المحللين أيضاً ان اقتصاد ايطاليا ليس بتلك الخطورة على رغم حجم المديونية الكبير، فالبطالة لديها تبلغ 8.3 في المئة، وهي نسبة معقولة مقارنة بإسبانيا مثلاً، كما ان حجم العجز في موازنتها Budget deficit لايتجاوز 4.6 في المئة، وأعلنت الحكومة أخيراً خطة تقشفية لخفضها إلى 3 والى 1.2 في المئة خلال العامين المقبلين، وهو رقم ضئيل اذا ما قورن بحجم عجز الموازنة البريطانية مثلاً والبالغ 10.5 في المئة.

كما ان نسبة تملك الايطاليين لمنازلهم الخاصة تصل إلى 80 في المئة، وهو ما يشكل ضغطاً أقل على الحكومة في سياسة تجميد الرواتب وتقليل موظفي القطاع العام، كما ان المشاريع العائلية التي تكثر في إيطاليا ستكون سبباً مسانداً لتوظيف العاطلين في القطاعات غير الحكومية.

والخلاصة، ان إيطاليا قادرة على علاج ازمتها من دون تدخل او دعم، وبالتالي فليس هناك مبرر كبير للذعر الذي اصاب اسواق المال، وادى إلى خسارة داو جونز لـ 389 نقطة يوم الاربعاء قبل الماضي، فالأزمة في إيطاليا هي أقل كثيراً من بقية الدول الأخرى الصغيرة في المجموعة الاوروبية.

* اقتصادي سعودي – بريطانيا.

المصدر

شارك برأيك