حرية الصحافة في البلدان العربية

المدونات العربية الإلكترونية المكتوبة -3-

حرية الصحافة في البلدان العربية

تمهيد:

 تنص جميع الدساتير العربية الدائمة منها والمؤقتة على حرية الصحافة والحريات المرتبطة بها، مثل حريات الرأي والتعبير والطباعة والنشر، وتربطها في كل الأحوال بقيود قانونية في صياغات مختلفة مثل: في حدود القانون، أو بمقتضى القانون، أو حسبما يضبطها القانون، أو وفقا للشروط والأوضاع التي بينها القانون، أو بشرط ألا يتجاوز حدود القانون. كما لا يوجد قطر عربي واحد يرفض الأفكار الأساسية لحقوق الإنسان، شكلا أو مضمونا، مثله في ذلك مثل باقي دول العالم، إذ أصبحت هذه المبادئ تشكل من الناحية الفلسفية تطورا تاريخيا لا يمكن لأية حكومة أن ترفضه علنا، لأنها أصبحت تشكل قانونا دوليا عرفيا.

وعند تناول تطبيقات هذه الحقوق في مجالات الاتصال والإعلام، خاصة حرية الإعلام والحريات المرتبطة بها في الأقطار العربية، يتأكد منذ الوهلة الأولى أن المبادئ المتضمنة في النصوص الدستورية والمواثيق والاتفاقات الدولية شيء، والممارسة العملية شيء آخر. وعند تقييمها في نفس المجال يتضح أن هذه المبادئ ليست ذات قيمة فعلية.[1]

فالمجتمعات النامية  تفرض العديد من القيود على حرية الصحافة، بالرغم من أن دساتير هاته المجتمعات تنص بوضوح على حرية التعبير والصحافة، لكنها تضع سلسلة من القوانين المقيدة لهذه الحرية، وتتمثل هذه القيود فيما هو تشريعي، وسياسي واقتصادي، وسري، وقد تكون  مباشرة أو غير مباشرة.[2]

1-   حرية الصحافة في البلدان العربية

    تمثل الصحافة في الدول الديمقراطية سلطة رابعة بالفعل، فهي تبصر الناس بأمور حياتهم، وتطرح القضايا الساخنة على بساط البحث، وتسقط الحكومات وتكشف عن الفساد في منابعه. لكن الصحافة في الوطن العربي لا زالت محدودة التأثير في الحياة السياسية والاجتماعية بسبب القيود الكثيرة التي تكبلها. فبعضها حكومي وبعضها الآخر اجتماعي تمليه التقاليد البالية الضاغطة، وبسبب الرقابة التي تحاصرها من كل جانب،  يضاف إلى هذا ما تمارسه رؤوس الأموال المالكة للصحف من تحكم في تدفق المعلومات وتداولها،  وتواطؤ مع أصحاب المصالح الذين يزودون الصحف بالإعلانات التي تعد العصب الأساسي لأرباح الصحف في الدول العربية والتي تسمح بإصدار صحف لا تملكها الدولة أو الأحزاب أو النقابات.

     ورغم هذا الوضع المتردي الذي يحيط بحالة الصحافة في الوطن العربي، فإن الكفاح الذي خاضه الصحفيون، وقطاعات المجتمع المدني المختلفة، قاد في السنوات الأخيرة إلى تحسن أوضاع الحريات الصحفية، وتطور الصحافة العربية (المكتوبة والمسموعة والمرئية، وصحافة الإنترنت كذلك)، ودخول هذه الصحف ووسائل الإعلام المرئية (ونخص بالذكر هنا الفضائيات مثل الجزيرة والمنار والعربية وغيرها من الفضائيات التي أنشئت بتمويل من أشخاص أو من جهات حكومية أو مقربة من الحكومات في الوطن العربي).[3]

     ولقد شهدت هاته الأخيرة  المنافسة مع بعضها البعض، حتى مع وسائل الإعلام العالمية سواء من حيث قدرتها على الوصول إلى مصادر الأخبار وسرعة بثها لهذه الأخبار، أو من حيث فتحها المجال للحوار الحر الجريء على شاشاتها، وإتاحتها المجال للرؤى المعارضة للجمهور الذي كان صوته مكتوما فيما مضى.[4]

    كما لا يمكن إغفال مساهمة مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان وجمعيات حماية حرية الصحفيين التي نشطت في الفترة الأخيرة، سواء من داخل الوطن العربي أو خارجه، وعملها على إطلاق الحريات الصحفية، وضرورة حماية الصحفيين الذين يتعرضون للموت أو الأذى بسبب آرائهم وعملهم الصحفي، كاشفة في الوقت نفسه عن الحالات التي يتم فيها التعرض للصحف ووسائل الإعلام الأخرى، من خلال إيقافها عن الصدور أو تغريمها أو منعها من الصدور لفترة محدودة أو التدخل في أشكال صياغتها لأخبارها، أو منعها من نشر أخبار تكشف عن وقائع الفساد، أو تميط اللثام عن صفقات سرية تضر بالمصالح الوطنية والعامة يقوم بها السياسيون وغيرهم من أصحاب المصالح.

     وتعد المواد من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى مواد أخرى في الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، والمؤتمرات التي تتناول حرية الصحافة والتعبير، بمثابة أساس لحرية الصحافة والصحفيين التي ينشدها العاملون في الصحافة في الوطن العربي، خصوصا أن عددا من الدول العربية (تونس، العراق، لبنان، الأردن، السودان، المغرب، مصر، اليمن، الجزائر، الصومال، الكويت، جيبوتي) قد قام بالتصديق على العهد الدولي للحريات المدنية والسياسية.[5]

   لكن التصديق على العهد الدولي لا يعني أن هذه الدول تتقيد في قوانينها بما جاء في هذا العهد من صيانة لحق حرية التعبير أو إطلاق للحريات الصحفية، أو احترام لحرية الفرد، وكذلك تمكين الصحفي من الحصول على المعلومات وحرية بثها بالطرق والوسائل التي يراها مناسبة. فبخلاف ما نصت عليه الشرائع الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والتي تشدد على حرية التعبير وحق الحصول على المعلومات ونقلها إلى الآخرين وبثها بالطرق التي يرتئيها الفرد مناسبة، فإن الدساتير في معظم الدول العربية قيدت إصدار الصحف ومنح تراخيص البث الإذاعي والتلفزيوني، وكافة وسائل الإعلام، وربطت هذا الحق بسلطات الدولة المختلفة.[6] ومن هنا فقد اشترطت معظم الدول العربية الترخيص أو التصريح السابق للسماح للصحف بالصدور،  وإلا ستفرض جزاءات على من يصدر صحيفة دون إذن أو ترخيص. وبما أن الجهات المخولة بمنح التراخيص قد ترفض السماح لجهات أو أشخاص معينين بإصدار الصحف، أو إنشاء إذاعات أو قنوات تلفزيونية أرضية أو فضائية، دون إبداء الأسباب فقد اضطر عدد من الراغبين في إصدار الصحف أو إنشاء الإذاعات أو المحطات التلفزيونية إلى الهجرة إلى بلدان أخرى أجنبية في الغالب، لإنشاء مؤسساتهم الإعلامية التي بدأت خلال السنوات الأخيرة تنافس، بل تتفوق على الصحافة المحلية، لأسباب تتعلق بالحرية المتاحة وغياب الرقيب والتطور التكنولوجي الهائل الذي استطاعت هذه الصحف ووسائل الإعلام العربية المهاجرة الاستفادة منها.

2-   مشاكل الصحافة العربية:

في الواقع لا توجد هناك صحافة في العالم قاطبة تكون خالية من الضغوطات الحكومية والغير حكومية، ومشاكل الصحافة العربية كثيرة منها ما هو ظاهر للعامة والخاصة ومنها من لا يعرفه سوى أصحاب المجال، وعلى هذا سنتطرق لجملة من أهم المشاكل التي تعاني منها الصحافة العربية.

أ‌-  سيطرة الدولة

    إن حرية الاتصال والإعلام تشمل: حرية الوصول إلى المعلومات وتداولها، وحرية إصدار الصحف والمطبوعات، وحرية البث الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج المسرحي والسينمائي، وحرية التنظيم المهني والنقابي للعاملين في مجالات الاتصال والإعلام، وضرورة وجود ضمانات دستورية وقانونية لحماية حرية التعبير عن الرأي من تجاوزات الحكومات وأصحاب الأعمال.

   ولو ألقينا نظرة على ملكية وسائل الإعلام لوجدنا أن قطاع الإرسال الإذاعي والتلفزيوني يخضع لاحتكار الدولة، كما أن خدمات الإنترنت تخضع لسيطرة الدولة أو المقربين منها، وكذلك فيما يخص خدمات الإرسال الفضائي. باستثناء حالات قليلة،  و من بين أسوأ أشكال الرقابة،  امتلاك الدولة الصحف،  لأن ذلك يحد من حرية التعبير والعمل الصحفي، ويجعل السلطة السياسية والأجهزة الأمنية تتحكم في عملية تدفق المعلومات وحرية نشر المعرفة.[7]

ب‌-   الرقابة الحكومية

    تعد كلمة الرقابة واحدة من أقبح الكلمات في كل اللغات، ورغم أن الحرية يجب ألا تكون مطلقة، فان الرقابة لا ينبغي أن تكون موجودة في المجتمعات الحديثة أيضا.على عكس الدول النامية التي تلتزم بوضع وسائل الإعلام تحت شكل من أشكال الرقابة الحكومية، ويوجد نمطان رئيسيان لممارسة الرقابة في المجتمعات النامية هما:[8]

1- الرقابة المباشرة أو المنظورة، وتتخذ الأشكال التالية:

أ‌-   الرقابة السابقة على النشر، بمعنى وجود رقيب مقيم في المنشأة الإعلامية يمارس عمله ضمن وزارات الداخلية، أو الدفاع، أو الثقافة، أو الإعلام، فيقرأ كل مادة صحفية قبل أن تنشر، ويجيز أو لا يجيز النشر، وقد يحذف بعض الفقرات أو الأجزاء من هذه المادة حتى يسمح بنشرها.

ب‌-      الرقابة بعد النشر وقبل التوزيع، بحيث يتم منع الصحيفة من توزيع عدد يحتوي على مادة صحفية غير مطلوب وصولها إلى القراء، ويتم هذا من خلال ضبط أعداد الصحيفة المعدة للتوزيع من المطبعة ومنعها من التداول.

ج- الرقابة بعد التوزيع، حيث يتم جمع أعداد الصحيفة من السوق ومصادرتها، وقد يتم هذا إداريا أو قضائيا.

2-       الرقابة غير المباشرة، ويمكن أن تتخذ الأشكال التالية:

أ‌-  إصدار قائمة بالتعليمات أو التوجيهات الحكومية حول بعض الخطوات الخاصة بالنشر،  والتي يقال عادة بان المصلحة الوطنية تقتضيها.

ب- التدخل في أسلوب المعالجة الصحفية المتصلة بأحداث أو قضايا معينة.

ج‌-  تعرض الإعلاميين لبعض أشكال الضغط المادي (السجن، الطرد والتعذيب) أو الضغط المعنوي (الإغراء، والترهيب، والمنع من الكتابة، والنقل إلى عمل آخر).

د‌-   فرض الرقابة باستخدام مسميات وتعبيرات غامضة أو مطاطة كالصالح العام والمصلحة الوطنية، والحفاظ على الوحدة الوطنية والأمن القومي، والمقومات الأساسية للمجتمع، أو حماية النظام العام، وهذه كلها قد تمتد لتصبح ستارا تحمى به السلطة العامة نفسها والأشخاص العامين من النقد.

 ه- الرقابة التي قد يمارسها رئيس التحرير أو المحرر المسؤول.

و- وضع قيود على حرية استقاء الأنباء من مصادرها وحرية الرجوع إلى  مصادر الأخبار.[9]

  – مبررات فرض الرقابة في المجتمعات النامية.

   هناك عدة مبررات تخلقها السلطات لفرض رقابتها، منها ما هو حقيقة يعمل على الحفاظ على أمن واستقرار المجتمع، ومنها ما هو حجة للقضاء على حرية الرأي والتعبير لا أكثر ومن هذه المبررات نذكر ما يلي:[10]

1-     فرض الرقابة على مضمون رسائل الاتصال بدعوى أن الأفكار التي تطرحها زائفة وباطلة أو خطيرة، ويكون تقدير ذلك للمسئولين في السلطة وحسب معاييرهم الذاتية وتفسيرهم الشخصي.

2-    ادعاء فئة من المجتمع تمثل الصفوة لنفسها الوصاية على بقية فئات المجتمع بدعوى أنها تفهم أكثر من الآخرين، ومن ثم تفرض الرقابة على أفكار معينة. ويكون الهدف الحقيقي من ذلك هو الحفاظ على الأوضاع القائمة التي تخدم مصالح هذه الفئة وتبقي على سيطرتها على السلطة.

3-     فرض الرقابة على الأفكار التي تنتهك حرمة الآداب العامة أو تخدش الحياء أو الأخلاق العامة.

4-    فرض الرقابة على الأخبار والصور والبيانات التي ترى السلطة أنها سرية، وأن إفشاءها يضر بالأمن القومي أو الصالح العام أو النظام الاجتماعي دون تحديد واضح للمقصود بهذه التعبيرات أو حدودها.

      وفي هذا المضمار، تتفاوت المكاسب التي تحققها التنظيمات الصحفية من قطر عربي إلى أخر، وتعكس هذه المكاسب في حد ذاتها تاريخ النضال الذي خاضه الصحفيون لإقرار حقوقهم المهنية، والتمتع بها كواقع معاش في تفاعلات بيئة النظم القطرية. فالواضح في تاريخ الصحافة العربية أن هذه الحقوق لا تمنح، وإنما يتم انتزاعها بعد كفاح مرير.

– أساليب الرقابة ضمن قوانين المطبوعات في الوطن العربي.

إن أساليب الرقابة ضمن قوانين المطبوعات في الوطن العربي تختلف من بلد إلى آخر، ولكن التشابه هو أكثر من التباين، فعلى سبيل المثال نجد أن من بين أساليب الرقابة الإذن المسبق للقيام بالعمل الإعلامي ويجري العمل بهذا الشرط في كل من “الكويت، البحرين، قطر، عمان، العراف، سوريا، اليمن الجنوبي، ليبيا، الجزائر، الأردن”.[11]

–    الموافقة المسبقة على أعضاء المؤسسة الصحفية وتحديد الشروط المطلوبة لرئيس التحرير.

–    طلب بعض المعلومات والبيانات التي يجب توضيحها للوزارة المسئولة من قبل المتقدم بطلب إنشاء صحيفة.

–     الرقابة اللاحقة وذلك من خلال أشخاص مختصين يطلعون على جميع ما يكتب بالصحف والمجلات الوطنية.

–    الرقابة المباشرة وتشمل المطبوعات الخارجية القادمة إلى البلاد.

–    الرقابة عن طريق الأوامر والنواهي وفرض العقوبات على من خالف ذلك.

–  الرقابة الذاتية نتيجة بعض المحظورات التي يترتب عليها بعض العقوبات فقد أصبح الصحفي أسيرا لرقابة ذاتية تجعله يقرا كل ما يكتبه بعين الرقيب وتؤكد الباحثة عواطف عبد الرحمان بان “اخطر أشكال الرقابة الحالية لوسائل الإعلام العربية هي الرقابة الذاتية التي يمارسها رؤساء التحرير والصحفيون والكتاب من تلقاء أنفسهم دون الحاجة إلى رقيب رسمي”[12]

– الطرق المفروضة لتقييد حرية الصحافة في العالم العربي

     في العالم العربي لا تحاول الحكومات تطبيق وإدخال قيود نظامية سياسية واقتصادية، ولكنها تحاول فقط تطبيق وإدخال مثل تلك الضغوط لأنها تمارس طرقا صارمة في سبيل تحقيق هدفها في الحد كليا من أي شكل من أشكال الحرية الصحفية وكذلك الممنوحة للصحفيين.

      وأحد أهم وأخطر الطرق التي تستخدم في أي وقت ضد الصحفيين الذين يحاولون تحدي سياسات الحكومة أو القادة والحكام هي عملية قتلهم، وتعتبر هذه الطريقة من أنجح الطرق لفرض الضغوط والقيود على حرية الصحافة. والسلطات لديها القوة والوسائل للوصول إلى الصحفيين في أي مكان سواء كان ذلك داخل البلد أو خارجها، لإسكات وإخماد أصواتهم وقد أدلى مسئول عربي بتصريح جاء فيه:” إن أعداء بلادنا يجب أن تسكت أصواتهم في الداخل والخارج ونحن نعرف أين يتواجدون محليا في العالم العربي ودوليا وعلينا أن نلاحقهم محليا وخارجيا”.[13]

      وقد أفادت الجمعية العامة لاتحاد الصحافيين العرب بأنه وبدون مبالغة، فإن ذروة اغتيال الصحفيين في المنطقة العربية كانت في الفترة الواقعة ما بين 1980-1981 وبمعدل التخلص من صحفي كل شهرين.[14]

   1- غرامات وحبس وتهديدات.

    إن الرقابة على الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية، تتخذ أشكالا لا يضبطها القانون في أحيان كثيرة، ويجري في بعض الأحيان اختيار القانون الأكثر تشددا ليطبق على الصحف التي يعتقد الرقيب أنها ارتكبت جريمة من جرائم النشر.
كما أن الصحفيين والكتاب والمفكرين يخضعون لقوانين متشددة فيما يتعلق بحرية التعبير والنشر. وهم لا يخضعون في بعض الدول العربية للقوانين العادية بل لقوانين خاصة بالصحافة، بل إنهم يحاكمون أمام محاكم خاصة بقضايا النشر أو أمام محاكم الطوارئ.

     ويوجد في العديد من الدول العربية أجهزة أمنية وقضائية متخصصة في التعامل مع الصحفيين والصحافة،  مثل مباحث الصحافة ونيابة الصحافة ومحاكم الصحافة ومحاكم أمن الدولة. ويتعرض الصحفيون للتوقيف والحبس مددا قد تصل إلى السجن مدى الحياة، وقد يحكم عليهم بدفع غرامات باهظة لا يستطيعون توفيرها ما يؤدي إلى استمرار توقيفهم أو اضطرارهم إلى بيع صحفهم إن كانت هذه الصحف مملوكة لهم.

   وحالات انتهاك حرية الصحافة في الوطن العربي لا حصر لها، من سجن وطرد وتعذيب واختفاء في ظروف غامضة، كما أن بعض الدول تمنع الصحفيين بعد إدانتهم من مزاولة مهنة الصحافة طول العمر. أما الصحف فهي تتعرض للمصادرة أو الوقف المؤقت عن الصدور،  أو سحب تراخيص النشر ومنعها من التداول نهائيا بموجب أمر إداري دون المرور أحيانا بالقضاء.

2- صعوبات الوصول إلى المعلومات

     يشير تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، إلى ضعف البيئة الإعلامية المحفزة في المجتمعات العربية. ويشير التقرير أيضا إلى أن الإعلاميين العرب يواجهون وبدرجات مختلفة، صعوبات جمة في الوصول إلى المعلومات والحصول عليها والإطلاع على الوثائق والبيانات، والرجوع لمصادر الأخبار الرسمية وغير الرسمية على السواء، حيث تتذرع السلطات غالبا بأمور غامضة مثل الحديث عن أسرار رسمية أو معلومات تمس الأمن القومي.[15] كل ذلك فضلا عن قائمة المحظورات، كحظر نشر بعض جلسات المحاكم أو بعض القرارات الرسمية أو أي موضوع بدعوى أنه يمس أمن الدولة. ويشدد التقرير على أن هناك “وضعا غير إيجابي بالنسبة للواقع الراهن لحرية الصحافة والتعبير عن الرأي في الدول العربية في إطار التشريعات المنظمة لذلك، إذ يميل أغلبها إلى تقييد هذه الحرية للحد منها، فضلا عما تكشف عنه الممارسات الفعلية في العديد من الدول العربية من انتهاكات مستمرة لهذه الحرية سواء بإغلاق بعض الصحف أو ضبطها ومصادرتها أو بعدم توفر الضمانات الكافية للصحفيين لممارسة عملهم، فهم يتعرضون في كثير من الدول العربية للحبس، وتغليظ العقوبات في قضايا الرأي والنشر، والإيقاف عن ممارسة المهنة.[16]

      ويسقط بعضهم ضحايا لعمليات الاغتيال والإرهاب، فضلا عن عمليات الضرب والاعتداءات ومحاولات الترهيب أو الترغيب، والضغوط المعنوية. وتحفل التقارير الدورية التي تصدر عن اتحاد الصحفيين العرب ومنظمات حقوق الإنسان القومية أو الدولية بالعديد من هذه الانتهاكات.

     إن انتهاكات حرية الصحافة تبدأ، كما رأينا من الدستور، ومن ثمّ بالانتهاكات القانونية والإدارية، وكذلك بالانتهاكات التي ترتكب في مكان العمل. فالصحفي يمنع من نشر كتاباته لأنها تتجاوز الخطوط الحمراء المسموح بها، ويمنع من نشر الأخبار والمعلومات أو المقالات، كما أنه يمنع من الوصول إلى مصادر المعلومات والأحداث، رغم وجود نص في القانون يكفل حقه بذلك. كما يتم تعطيل الصحف وإغلاقها، وتوقيف الصحفيين العاملين بها والاعتداء عليهم وإهانتهم.
وفي بعض الدول العربية تخضع بعض الصحف لرقابة “مفاجئة” حيث إن الأجهزة الأمنية تعلم عن طريق عيونها بوجود مادة محظورة في العدد الذي هو قيد الطباعة من هذه الصحيفة أو تلك حيث يتم الاتصال برئيس التحرير لإفهامه بأن عليه يستبدل تلك المادة تحت طائلة المنع من الصدور.[17] من هنا تبدو الصورة قاتمة فيما يتعلق بالحريات الصحفية في الوطن العربي، مقارنة بدول كانت متخلفة جدا فيما يتعلق بهذه الحريات، مثل دول أمريكا اللاتينية على سبيل المثال.

    ونخلص من العرض السابق، إلى أن وسائل الإعلام في المجتمعات النامية تحكمها سلسلة كبيرة من القيود القانونية والتشريعية التي تحد من حريتها، وتسمح لحكومات هذه الدول بأن تقرر ما ينبغي نشره، وما يحظر نشره، مما يشكل قيودا على حرية التعبير وحرية الصحافة، ويجعل من وسائل الإعلام مجرد أبواق دعاية لتجميد سياسات الحكومات النامية.

– عوامل تجاوز الحريات

 – امتداد صلاحيات السلطات العامة، لأن تطور المجتمعات الحديثة والحاجة إلى التقدم لمعالجة المشاكل المتعددة للحياة العادية، وتكاثر المشاكل الإرادية وامتداد سلطات الرقابة حدد من رقعة الحريات.

– يشهد العالم الكثير من مظاهر العنف، لذا تتطلب الأنظمة المزيد من المراقبة والتضييق على الحرية للحد من تصاعد الجريمة.[18]

– وجود معوقات نظامية سياسية واقتصادية: وهي الضغوط المستمدة من الدستور في أي بلد، وهي بنود تستخدم لإعطاء ضمان وجود الحرية في المجتمع.

    ويرى ميرل ” أن العديد من المواد الدستورية يتم تطبيقها كوثائق رسمية ليس لضمان هذه الحرية، ولكنها في الواقع تشكل معوقات وضغوطا نظامية تجاه تحقيق هذه الحرية. ” [19]

    والملاحظ أن معظم دساتير العالم العربي تؤكد المثل العليا لحرية الصحافة،  لكن هذا شيء والممارسة الفعلية شيء آخر. فالصحفيون في كل أنحاء العالم يواجهون  مخاطر كثيرة أقلها الإهمال والإبعاد، وأكثرها الاعتقال والاغتيال، ولتجنب كل هذا يضطر البعض لترك العمل أو للمشاركة والدفاع عن التصرفات الخاطئة للحاكم بزمام الأمور على حساب حقوق الأفراد، فكل هذه المخاطر زد على ذلك تنوع الإغراءات والرشاوى المقدمة لمدير الصحيفة وطاقمه، مدعمة إياه من الاستمرار في الصدور والصمود في مواجهة المصاعب الاقتصادية. يمنع الصحافة من نشر كل الحقائق بصورة موضوعية خاصة منها ما يتعلق بالأخبار، بغية الحفاظ على الأمن العام ولتجنب إثارة اضطرابات اجتماعية.[20]

   إن الرقابة على الصحافة ووسائل الإعلام في الوطن العربي تفتك كما هو واضح بالعمل الإعلامي،  وتعيق تطوره ووصوله إلى ما وصل إليه الإعلام في العالم المتقدم. كما أنها تعيق تطور المجتمعات العربية السياسي والاجتماعي، فـحرية الصحافة لا تعني الصحفيين فقط وإنما تعني المجتمع كله بما فيه من أحزاب سياسية ونقابات ومنظمات مدنية وتنظيمات مهنية، فالحد من حرية الصحافة يؤثر على المجتمع ككل.

    وفي حقيقة الأمر ومن المفارقات أن ينادي البعض من رجال الصحافة بحريتها، ثم نراه بين الحين والحين يعود إلى البذاءة والشتائم السب والتسفيه، وعلى ذلك يكون مبدأ حرية الصحافة في واد، وتطبيقه في واد آخر. صحيح علينا أن نكتب الحقيقة لكن بصورة سلمية توجيهية وأدلة مقنعة وعلى الرأي العام أن يحكم.

     لقد دونت كل دساتير وقوانين الدول كل ما تراه يخدم حرية شعوبها ولكنها في حقيقة الأمر حبر على ورق، وهذا بطبيعة الحال ما يفسر تخبط شعوب العالم في ما تعيشه من مآسي كما سبق وأن ذكرنا.

3- الصحفي العربي وحرية التعبير:

ا- حقوق الصحفيين.

        تجدر الإشارة في المستهل إلى أنه ليس من المنطقي أن نتحدث عن حرية الصحافة بدون حرية الصحفي. هذا بالتأكيد شيء غير معقول إذ لا مجال لحرية الصحافة إذا انعدمت حرية الصحفي و كبلت يداه أو ارتعد قلمه، فقد يدرك الصحفيون احتمالات الاستغلال السيئ الموجودة في صلب نظامهم الذي يعتمد على الدعم من قطاع الأعمال، والممسكين بزمام السلطة ولكل أهدافه التي يعمل على تنفيذها. فقواعد الصحفيين الأخلاقية مصممة لتحدد مسؤوليات الصحفي ولتقدم ضوابط واضحة للسلوك لضمان نزاهة الأخبار. أما خبراء الاتصال فهم يرون أن هذه الرقابة شبه مستحيلة زد على ذلك أن التكاليف المادية والبشرية باهظة.[21]

    ووسط هذه المضايقات استلزم على المجتمع الدولي توفير مجموعة من الحقوق للصحفيين، لضمان قيام مهنة الصحافة على أكمل وجه وقد أحصى الباحث راغب ماجد مجموعة من الحقوق نلخصها فيما يلي:[22]

–    الحقوق المالية والمتمثلة في المعاشات والإعانات والمكافآت.

–    حق نشر الرأي إن خالف رأي رئيس التحرير مادام في حدود القانون.

–    حق الانتقال إلى الصحيفة التي تتوافق مع اتجاهاته.

–    حق الصحفي في أن يتم التحقيق معه بواسطة النيابة العامة لا الشرطة.

–    الحق في عدم تفتيش مقر نقابة الصحفيين إلا بمعرفة النيابة العامة وبحضور النقيب أو من يمثله.

–    حق عدم التعرض للاعتقال أو الحبس الاحتياطي في قضايا الصحافة.

–    حق المحاكمة أمام نقابة الصحفيين أو القضاء العادي فقط.

–    حق إصدار الصحف و تملكها وعدم التعرض للمصادرة أو التعطيل الإداري.

 – حق الحصول على المعلومات، والاحتفاظ بسرية مصادرها.

– حق إنهاء العقد الصحفي.

ب- واجبات الصحفيين

وكما للصحفي حقوق فعليه واجبات تجاه مجتمعه ومبادئ مهنته نلخصها فيما يلي:[23]

– وجوب التزام الصحفي بقيم المجتمع والدستور والقانون.

– استحداث ما يسمى بميثاق الشرف الصحفي ووجوب التزام الصحفي التزاما كاملا بميثاق الشرف الصحفي.

– حظر الانضمام للدعوات العنصرية.

– حظر التعرض للحياة الخاصة للمواطنين دون إذن منهم.

– حظر النشر ما هو منظور أمام سلطة التحقيق بما يؤثر على صالح التحقيق.

– حظر قبول تبرعات أو إعلانات أو مزايا خاصة من جهات أجنبية،  وعقاب المخالف بالحبس والغرامة.

– إلزام الصحيفة بتصحيح ما قد يكون قد ورد ذكره من وقائع غير صحيحة خلال ثلاثة أيام، أو في أول صدور للصحيفة في نفس المكان و بذات الحروف وبدون مقابل، وعقاب المخالف بالحبس و الغرامة.

– حظر الإعلانات التي تتعارض مع قيم المجتمع وآدابه، وحظر على الصحفي تقاضى أي مقابل نظير جلبه للإعلانات.

    وقد يمتلك الصحفيون الحافز القوي للحفاظ على علاقات طيبة مع مصادرهم للبقاء في هذا المجال، وبذلك التخلي عن مبادئه المهنية لتفدي خسارة منصب عمله، فهو إذن يبع نفسه من أجل شراء منصب عمل. وهي حقيقة يعيشها معظم الإعلاميين في الوطن العربي. فمؤسسات الأخبار المحترفة هي تجارة لديها مرتبات تدفعها ومعلنين تسعدهم ومتلقين تجذبهم وتحافظ عليهم. وبالتالي، لديها مصالح ذاتية لدعم معايير معينة كي يواصل القراء تسديد اشتراكاتهم والمعلنون شرائهم، وحتى الانترنت قد أصبحت خاضعة للقوانين المعتمدة في كل بلد.

       لهذا كان على المجتمع الدولي وضع معايير لحماية الناس من الطعنات الصحفية، خاصة أن الناس لا يملكون السلاح القابل للدفاع عن أنفسهم إلا عن طريق ممارسة حق الرد أو رفع الأمر إلى القضاء. فالصحافة سلاح حاد في يد الصحفي يستطيع أن يصيب به الآخرين إصابات نافذة وخطيرة، تتمثل في الإساءة إليهم وتشويه سمعتهم وتأليب الرأي العام بل والسلطة العامة عليهم وتزداد خطورة الأمر كلما كانت وسيلة الإعلام أوسع انتشار وأعمق تأثير.[24] “

   فقد أكد أحد كبار الكتاب الأمريكيين أن الصحفيين – رغم دورهم الإعلامي الخطير – نباشون للأخطاء، أصحاب نزوات، لا يمكن ضمان عدالة أو صدق ما يكتبون.”[25]

    وكثيرا ما يتعامل الصحفيون في دول الديمقراطيات الغربية مع المسؤلين الحكوميين كما لو كانوا أعداء يراد النيل منهم،  بل والتشهير بهم وبأسرهم أمام الجمهور من خلال وسائل الإعلام. وهذا ما اعترف أحد كبار الصحفيين المصريين بصراحة فكتب في إحدى مقالاته ” من سوء الحظ أننا نملك قوة هائلة نحاسب بها الناس،  ولكن نمنع الناس من أن يحاسبونا، من سوء الحظ أننا نملك أن ننتقد الآخرين،  ولكننا لا نسمح لأحد أن ينتقدنا، لأننا نحن الذين نسيطر على ما يجب أن ينشر وما ينبغي أن تراه عيون القراء”.[26]

 لهذا كان على المجتمع الدولي وضع معايير لحماية الناس من الطعنات الصحفية. خاصة أن الناس لا يملكون السلاح القابل – للدفاع عن أنفسهم إلا عن طريق ممارسة حق الرد أو رفع الأمر إلى القضاء.  لذا ينبغي أن تمارس حرية الصحافة في إطار تلك الأخلاق التي يطلق عليها في هذا المجال أخلاقيات الصحافة.

       وعليه، نستنتج أن حرية الصحافة تعني التمتع بحرية التعبير والرأي بديمقراطية سليمة وبأدب أي في حدود المعقول وبأدلة كافية مقنعة، لنتفادى الظلم والإساءة إلى الآخرين، وبذلك نكون أحرارا دون أن نتسبب في فوضى بيننا وبين المجتمع.

4- تطورات حرية الصحافة في الوطن العربي 

 سجلت تقارير المنظمة العربية لحرية الصحافة، زيادة كبيرة في معدل نمو حالات انتهاك حرية الصحافة في العالم العربي. خصوصا في سورية ومصر والسعودية وتونس والجزائر. ولا تعني هذه الزيادة التي بلغت في بعض الأحوال ما يقرب من 100% أن هذه الدول هي الأسوأ، أو أن حرية الصحافة في بلدان عربية أخرى هي أفضل وأن الانتهاكات فيها أقل. إن حال الحريات الصحفية في دول مثل السودان وليبيا هي الأسوأ في العالم العربي غير أن حركة الدفاع عن حرية التعبير والرأي في هذه الدول لا تزال غير قادرة على التنازل، مثلما هو الحال في مصر والسعودية والمغرب والجزائر.[27]

    كما أن استبداد الأنظمة في عدد من الدول العربية التي لم تتوفر عنها معلومات كافية، يمثل رادعا ضد قوى حرية الصحافة التي لا تزال أضعف من أن تواجهه. فالزيادة الكبيرة في انتهاكات حرية التعبير والرأي في بعض الدول تعني زيادة حدة المواجهة بين تيار الحرية وبين تيار التقييد، وتظهر أن تيار التقييد والكبت لم يعد أمامه إلا الكشف عن وجهه القبيح وممارسة القهر في مواجهة دعاة الحرية[28].

   من جهة أخرى، تظهر متابعة حال الحريات الصحفية في العالم العربي تفاوتا كبيرا في مساحة الحرية المتاحة للصحفيين والإعلام وحرية التعبير والرأي بشكل عام. فهناك الدول التي توجد فيها أنظمة إعلامية مفتوحة نسبيا، مثل: مصر والمغرب ولبنان والأردن وفلسطين، بينما هناك دول ذات أنظمة إعلامية مغلقة نسبيا، مثل: ليبيا وسورية والسودان وتونس وسلطنة عمان. وبين هاتين المجموعتين توجد دول عربية ذات أنظمة إعلامية بين المفتوحة والمغلقة مثل معظم دول الخليج واليمن وموريتانيا والجزائر. وهناك دول ذات أنظمة إعلامية ممزقة تعكس الحال السياسي في بلدها، مثلما هو الحال في العراق وفي الصومال، حيث وقعت الصحافة ووسائل الإعلام أسيرة لقوى طائفية وقبلية تفرض سيطرتها بالقوة.
في هذا المضمار، تعاني الصحافة العربية بشكل عام من التدخل السياسي للأحزاب المحلية والجماعات الدينية ومن حكومات دولها، وكذلك من حكومات دول عربية أخرى. فالإساءة إلى دولة صديقة مثلا: تعتبر جريمة في قوانين الصحافة في معظم الدول العربية، بما فيها قانون جرائم النشر الذي صدر أخيرا في مصر.

      وقد تم رصد حالات انتهاكات في بلدان عربية، تم فيها حبس صحفيين أو منعهم من الاشتغال بمهنة الصحافة أو وقف الصحف والمحطات التليفزيونية، مثل: ما يحدث في اليمن ولبنان.[29]

     ويجدر للذكر أنه من الضروري العمل على فصل الإعلام عن السياسة في العالم العربي حتى يكتسب الإعلام مصداقيته المطلوبة لدى الرأي العام. وتسجل الموجة الأخيرة من تعديلات قوانين الصحافة في العالم العربي، مقاومة حتى النفس الأخير من جانب الدولة والحكام العرب لأي تغيير جذري في طبيعة النظام الإعلامي، بما يسمح بحرية حقيقية للتعبير والرأي وللصحافة ووسائل الإعلام، وذلك خشية أن يؤدي هذا التغيير إلى هز أنظمة الحكم القائمة في العالم العربي.[30]

      غير أن، هذا التقدم في بعض أنحاء العالم العربي من أجل توسيع نطاق الحريات الصحفية والحريات العامة، لا يحرز تقدمها بدون تضحيات. وقد أظهرت إحصاءات المتابعة التي أجرتها المنظمة العربية لحرية الصحافة، أن هذه التضحيات تزيد مع زيادة قوة تيار حرية الصحافة، ومن ثم فإن ردود الفعل سواء من جانب الحكومات أو من جانب القوى المتطرفة المتشددة تكون عصبية وعنيفة. ففي تونس مثلا اعتبر زين العابدين بن علي بن علي واحدا من بين عشرة أسوإ أعداء الصحافة لمراسلي بلا حدود. كما أن جميع الصحف الرئيسية في الأساس تتبع خط الحكومة، أما المطبوعات الأجنبية كصحيفة لوموند والفيجارو، غالبا ما تكون محظورة أو مراقبة.

     أما فيما يخص الانترنت فتعد تونس من أكثر البلدان تشددا في مراقبة الانترنت في العالم، وحتى الصحفيون لن يكون هروبهم من الرقابة في وسائل الإعلام التقليدية إلى الانترنت سوى وقوعهم في مشاكل أخرى، ومضايقات لا مفر منها من قبل رجال الشرطة. ولقد استضافت تونس القمة العالمية لمجتمع المعلومات عام 2005 حول مجتمع المعلومات، وهو مؤتمر عالمي حول تنمية تكنولوجيا المعلومات، لكن الكثير من المراقبين رأوا أن اختيار البلد في غير محله، نظرا لما تقوم به الحكومة من قمع لحرية التعبير في تونس.[31]

    ولو عدنا مجددا للنظر إلى بيئة العمل الإعلامي في حقل جديد، والمتمثل بدوره في الصحافة الإلكترونية عبر الإنترنت، كفضاء إلكتروني غير محدود بقيود صارمة أو قابلة للتحكم فيها، كما هو الحال في بيئة عمل الصحافة المطبوعة، سنلاحظ على الفور أن الصحافة الإلكترونية قد فتحت عصرا جديدا فيما يتعلق بحرية التعبير، وقدمت نافذة لممارسة عمل صحفي لا تحده قيود أو حدود أو رقابة، الأمر الذي أوجد مدخلا مستقلا يمكن أن نطل من خلاله على جزء من ظاهرة الصحافة الإلكترونية.

     وفي هذا الصدد تضعنا ظاهرة الصحافة الإلكترونية أمام واقع جديد، يمكن أن يقدم الوجه الآخر والرأي الآخر بمنتهى السهولة واليسر، ويقفز فوق حواجز تكميم الأفواه وإخفاء الحقائق وكتم الرأي في الصدور.[32]

    ولكن على ما يبدو أن هذه المقولة لا تطبق على بعض الدول العربية، فقد أصدرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان تقريرها الثاني عن حرية الإنترنت في العالم العربي، وقد تم الإعلان عنه في ندوة بنقابة الصحفيين في القاهرة يوم 10ديسمبر 2006 والتقرير يحمل عنوان “خصم عنيد: الانترنت والحكومات العربية”. يتضمن معلومات عن السياسة العدوانية التي تتبعها 18 دولة عربية في تعاملها مع الإنترنت، وقد أكد التقرير استمرار صدارة تونس للدول العربية المعادية لحرية استخدام الانترنت كاشفا النقاب عن أساليب القمع والتعتيم والحجب التي تستعملها السلطات التونسية في حربها ضد حرية التعبير على الشبكة وذلك على الرغم من خدعة السطح البراق الذي تختفي وراءه تونس كتطبيقها لمبادئ الليبرالية والاقتصاد الحر والمكانة التي تعطيها تشريعاتها للمرأة.[33]

   أما عن حالة حرية الصحافة في المغرب فقد وصف تقرير منظمة لجنة حماية الصحفيين الأمريكيين بشكل دقيق تناقضات السلطة التي تريد الانفتاح لكن دون التنازل عن سلطة الرقابة للإعلام المستقل.[34]

    وفي هذا المضمار، نشرت منظمة مراسلون بلا حدود المعنية بأوضاع الصحفيين أول قائمة تضم مائة وتسعا وثلاثين دولة رتبتها حسب احترامها لحرية الصحافة. وجاء في قمة اللائحة كل من فنلندا وأيسلندا والنرويج وهولندا، بينما جاءت كوريا الشمالية في ذيل القائمة بعد كل من الصين وبورما  أما الولايات المتحدة فقد احتلت المركز السابع عشر وهو الترتيب الذي علقت عليه المنظمة بقولها إنها أخرته لان الصحفيين الأمريكيين عادة ما يواجهون الاعتقال لرفضهم الكشف عن مصادر معلوماتهم أمام المحكمة.[35]

      ولم تحظ أي دولة عربية بموقع ضمن الدول الـخمسين الأولى، فقد حل لبنان في الموقع 56، والبحرين في الموقع 67، والكويت في الموقع 78 والسلطة الفلسطينية في الموقع 82 والمغرب في الموقع 89 والجزائر في الموقع 95 والأردن في الموقع 99 ومصر في الموقع 101 واليمن 103 والسودان 105 والسعودية 125، وسوريا 126 وتونس 128 وليبيا 129والعراق 130.

     ولكن القائمة لم تتطرق إلى أي من قطر أو دولة الإمارات العربية المتحدة بينما جاءت بريطانيا بعد الإكوادور وتقاسمت مع كل من دولتي بنين وأورجواي المركز الحادي والعشرين. أما الكيان الصهيوني، فقد حل في الموقع 92.

    كما تضمنت اللائحة دولا بها حكومات منتخبة ديمقراطيا لكنها جاءت في ترتيب متأخر مثل كولومبيا التي احتلت المرتبة رقم مائة وأربعة عشر، وبنجلاديش التي جاءت بعد ذلك بأربعة مراكز.

  لقد رتبت المنظمة القائمة وفقا لدرجة الرقابة التي تفرضها الدول على الصحافة، وعدد الاعتقالات في صفوف الصحفيين وعدد حوادث القتل التي يروح ضحاياها صحفيون، واحتكار الدولة للمؤسسات الصحفية والقيود القانونية التي تفرضها على المؤسسات الصحفية،  وأشارت إلى أن الترتيب لم يأخذ بعين الاعتبار انتهاكات حقوق الإنسان بشكل عام، وإنما فقط تلك الانتهاكات التي شملت الصحفيين.[36]

   وبهذا تبقى حرية الصحفي حرية نسبية لا أكثر، أو حرية مدونة بنصوص أصبحت حبرا على ورق كغيرها من الحريات، باسم الحفاظ على أسرار الدولة والصالح العام. وهذا للأسف ما جعل الصحافة تفقد مصداقيتها وتفقد ثقة المواطن العربي أكثر من أي وسيلة إعلامية أخرى، لأنها بعيدة كل البعد عن الدور الحقيقي الذي أسست من أجله وعن كل مبادئها الحقيقية. وهذا ما جعل العديد من الصحفيين وفئة كبيرة من المجتمع العربي تبحث عن فضاءات جديدة لممارسة هاته المهنة،  خاصة مع التطور التكنولوجي الراهن.



[1] – حسن عماد مكاوي، مرجع سابق، ص89.

[2] –  نفس الرجع، ص97.

[3] – فخري صالح، الصحافة في الوطن العربي، مؤتمر كتاب في جريدة…

Source: http://www/ show_newsletter.php/‑c‑384/type‑d Quatara (accessed 22-07-2008)

[4] – فخري صالح، مرجع سابق.

[5] – موقع سراج نت، المؤتمر العربي عن حرية الصحافة في العالم…

Source: http://www. Siraje. Net/ showmakal12. Pup (accessed28-05-2008)

[6] – فخري صالح، مرجع سابق.

[7] – أحمد الشولي، حرية الصحافة في الوطن العربي،  قناة الجزيرة

Source: http://www. Jordonianarabic. Com/ Arabic lass/ media/ pressfree.mp3 (accessed le10/08/2008)

[8] – حسن عماد مكاوي، مرجع سابق، ص 123-124.

[9] – حسن عماد مكاوي، مرجع سابق، ص124.

[10] – نفس الرجع،  ص124.

[11] – حسن عماد مكاوي، مرجع سابق، ص124.

[12] – حسن عماد مكاوي، مرجع سابق، ص124

[13] – سليمان جازع الشمري،  مرجع سابق، ص85-86.

[14] – نفس المرجع، ص 86.

[15]  – فخري صالح، مرجع سابق.

[16] – دويتشه فيله، ترجمة،  سمر كرم، حرية الصحافة في مصر تحت المجهر…

Source: http://www. Du- world. De/popus/ popup- Lupe /0; 2036244, 00, html (accessed 30/052008)

[17] –  دويتشه فيله، مرجع سابق.

[18]- موريس نخله، مرجع سابق، ص34.

[19]- سليمان جازع الشمري، مرجع سابق،  ص 73.

[20] – مجد الهاشمي، مرجع سابق.

[21] – عبد الملك ردمان الدناني، الوظيفة الإعلامية لشبكة الانترنيت، دار الفجر للنشر و التوزيع، القاهرة، ص 145.

[22] – ماجد راغب الحلو، مرجع سابق.

[23] – حسن عماد مكاوي، مرجع سابق.

[24] – ماجد راغب الحلو، مرجع سابق،  ص 116.

[25] – نفس المرجع، ص 117.

[26]- ماجد راغب الحلو ، ص 117.

[28] – إبراهيم نوار،  حال الحريات الصحفية في العالم العربي، المنظمة العربية لحرية الصحافة…

Source:http://www.apfw.org/indexarabic.asp?fname=reportarabi2004pa1100.htm  (accessed le05/12/2007)

[29] –  إبراهيم نوار،  مرجع سابق.

[30] –  إبراهيم نوار، مرجع سابق.

[31]- Censorship in Tunisia information and match more from answers.com.htm…

Source: http://www.blog_study.blogspost.com accessed (18-04-2008)

[32]- جمال غيطاس، الصحافة الالكترونية في المؤتمر الرابع للصحفيين…

 Source: http://www.geocities.com/askress2009 (accessed 11/04/2008)

[33]-  Source: http://www Arab presse free dome Watch.htm (accessed 05-03-2008)  [33]

3   Source: Htm://www,maghrebblog.maktoobblog.com/?post 359935(accessed 05-05-2008)

[35] – أبو اشرف، حرية الصحافة في الوطن العربي، شبكة فلسطين للحوار………………..

Source: http: //www. palaf.net/forum/ search.php?(accessed 08-06-2008)

[36] – أبو اشرف، مرجع سابق.

شارك برأيك