جدوى الدرس السوسيولوجي

دلفت إلى مكتب البريد المقابل لساحة جامع الفنا بمدينة مراكش , لأسحب مبلغا ماليا، بعد أن شاهدت عروضا مختلفة وعجيبة في ذات الوقت بهذه الساحة. أبصرت عن شمالي لوحة إلكترونية وضعت حتى يضغط الزبون على الخدمة التي يرغب فيها، ليحصل على تذكرة مرقمة تنبئه بدوره أمام شبابيك موظفي المكتب.

بعد برهة دخلت أوروبية -يظهر أنها فرنسية المنشأ- مكتب البريد لشراء طوابع بريدية, لعلها تريد إرسال تذكار لأصدقائها هناك خلف البحر. لم تلحظ صاحبتنا اللوحة الإلكترونية، و أمام حيرتها إزاء كيفية اقتناء حاجياتها تقدم شاب في مقتبل العمر ليدلها على هذه الأخيرة و يريها طريقة الاستعمال و كيفية الحصول على التذكرة , بالرغم من أن اللوحة الإلكترونية تضم إرشادات بلغتها الأم .

و لما حصلت على التذكرة بدا على محياها الإنبهار الذي لم تستطع إخفاءه , فتقدمت للشاب بالشكر و بابتسامة علها تداري ذلك الإعجاب الذي ظهر فجأة . فقد كانت قبل دقائق معدودة وسط جامع الفنا , ذاك الملتقى الثقافي و الإثني حيث يجتمع الرواة والبهلوانيون و الموسيقيون و الراقصون و مروضو الأفاعي و العرافون…

مشاهد و وقائع تعبر عن المغرب العتيق , حيث التركيب و الإختلافات الثقافية و الإثنوغرافية داخل هذا الهنا تثير الدهشة وتستفز لديك عشرات الأسئلة الحارقة . في أي مجتمع نحيا؟ ما هي طبيعة مجتمعنا المغربي؟ هل هو فيودالي أم رأسمالي ؟ قبلي أم أبوي ؟ مجتمع يظل عصيا على التصنيف و التجنيس.

في نفس اللحظة تصطدم صاحبتنا بنظام معلوماتي و بيسر التواصل و التخاطب بلغات أجنبية.سلوكيات وأشكال نمو وتطور حضاري تكشف عن حداثة تملأ المكان . كيف يمكن تحويل الإختلافات الإثنوغرافية و الثقافية و الجغرافية…إلى ثروة ثقافية عوض استغلال التركيب و الإختلاف و تسخيره سياسيا و الزج بالمغرب في غيابات التفرقة تماما كما فعلت السوسيولوجيا الكولونيالية و تفعل هنا والآن بعض الإيديولوجيات التي تصنف المواطنين المغاربة إلى درجات حسب الجنس و اللغة و الدين و الطبيعة الجغرافية؟

بل ليس فقط الإبقاء و الحفاظ على هذه الثروة الثقافية و تجميدها كمتحف فولكلوري تشرع أبوابه كلما زار بلادنا أجنبي أو كلما راودنا حنين عبق الزمان التليد , و إنما كيف يمكن توظيف هذا الكنز في سياق إمكاناتنا و طاقانتا بما يفيد مستقبلنا العلمي و اختياراتنا الواعية المنبنية على العقلنة و الترشيد. أثار لدي هذا الموقف تساؤلات عدة . كنا بالأمس القريب نمر على ذات المواقف و المشاهد دون أن نعيرها أهمية تذكر. وهي الحبلى بالمؤشرات و المعلومات اليومية التي تلتقطها أعيننا من الشارع أو في أماكن عديدة وحتى التي يمكن لملمتها بين السطور القابلة للإدراك. إدراك الثابت والمتغير, إدراك الناشئ من الوقائع و الزائل منها .

ألم يخبرنا لويس سانتوس بأن المجتمع و ما يعتمل داخله يقدم لنا الأسئلة و الإجابات و التفاصيل ؟ إن موقفا قد يبدو في أحايين كثيرة ” كموقف صاحبتنا” عابرا, إن لم نستبدل ملاحظتنا البيولوجية له بملاحظة سوسيولوجية , و لنقل بعين سوسيولوجية قادرة على تشفير الرموز و إعمال النظر و التفكير في مختلف تضاريس هذا الموقف . و منه نقول إن إنتاج المعنى المفضي للفهم يتأتى من خلال الدرس السوسيولوجي الذي يمكننا من وسيلة تنظيم الوقائع الإجتماعية والحكم عليها , على شاكلة مغايرة لقراءاتنا السابقة. و بالمقابل فالدرس السوسيولوجي يعد أصعب الدروس و أعمقها لفهم الوقائع , فليس ثمة أرائك مصفوفة في اتجاه الدرس السوسيولوجي .

إنه ذاك الذي يخلف لديك قلقا وانهجاسا بالتساؤل . ألم يخبرنا بورديو بأن مهمة السوسيولوجيا تفجير السؤال النقدي. نقد التفاسير الجاهزة التي أطلقت و تطلق على المجتمع المغربي و التي ترتكن إلى المقاربات المطمئنة أحيانا والكسول أحايين كثيرة. و غني عن البيان أن الدرس السوسيولوجي يفترض التجرد الجزئي عن الذات حتى نصير موضوعيين , من تلقاء ذواتنا , في تعاملنا مع الواقعة الإجتماعية.

فحتى يتسنى لنا فهم هذه الأخيرة يلزم قبلا ترك مسافة معينة بيننا و بينها و الرجوع إليها للتأثير فيها بعدا. و بعبارة أدق فإن الدرس السوسيولوجي يجعلك دائما على استعداد لملاحظة التغيرات و فهمها عبر عمليتي الهدم و البناء لمزيد من الفهم و الإحتواء . و الواقع أن هذا الأخير لا يدعي لنفسه الفهم الدوغمائي للأشياء و بلوغ الحقيقة المجردة , بل ينهجس بالإقتراب من أحوازها عبر التساؤل و التفكير و التفكيك.

فكل جواب يبطن بين ثناياه سؤالا جديدا حول شروط إنتاج الواقعة الإجتماعية و إعادة إنتاجها. إن الدرس السوسيولوجي هو محاولة تمهيد الطريق بواسطة مجموعة من المقاربات و الخطاطات الخاطئة و المصيبة , حتى يصير بالإمكان إعادة قراءة الوقائع الإجتماعية , من أجل فتح سبل جديدة للدرس السوسيولوجي.

ألم يقل ماكس فيبر” كلنا نعلم , في مجال العلم , أن عملنا سيصبح متجاوزا بعد عشر سنوات , أو عشرين أو خمسين سنة . وكل عمل علمي مكتمل لا يعني في الحقيقة سوى الشروع في طرح أسئلة جديدة , ويقتضي بالتالي تجاوزه. وعلى كل راغب في خدمة العلم أن يرضى بهذا المصير”.

6 thoughts on “جدوى الدرس السوسيولوجي”

  1. سلام الله عليكم، المقال مهم جدا لأنه يذكرني بسؤال جوهري حين كنت أدرس علم الاجتماع في الجامعة. وهو أهمية الدرس الاجتماعي للإنسان المغربي. هل فائدته هي معرفة موضوع علم الاجتماع ونظرياته ورواده ومفكريه وفلاسفته ومفاهيمه … أم أهميته تكمن بالدرجة الأولى في توظيفه في مقاربة قضايا المجتمع. هذا المجتمع الذي لم يعد الدرس السوسيولوجي يمسك به نظرا لتعقد مشهده بل موضوعه. فالانفتاح في ظل العولمة على العالم جلب للمغرب كمجتمع الانصهار مع الآخر في أبعاد عدة خاصة منها الثقافة ومعطى الهوية ومعطى الشخصية. فصار الإنسان المغربي في ظل هذا التحول المتوحش يفقد ملامحه الهوياتية ويزداد تشبتا بالآخر وما يمثله هذا الآخر من تقدم وبعد إنساني ـ بعيدا عن الحكم على هذا الآخر سلبا أو إيجابا أو بمنطقة رمادية ـ يزيده الجهل والفقر الفكري والاضمحلال العقلي غرقا في الآخر. وما هذه المظاهر التي تشي بأننا تقدمنا سوى سوى لقطات من إنسان مجهول تائه على يعرف من هو. وهو السؤال الصعب الذي لا تستطيع السوسيولوجيا أن تجيب عنه، وهو: من هو الإنسان المغربي؟
    مقال يثير الكثير من الأسئلة الجوهرية التي تستحق البحث والتحليل بدراسات علمية وصارمة تغرجنا من الدرس العام السوسيولوجي. لك كل تقدير واحترام. والسلام

  2. موضوع جدير بالقراءة لكونه غني بعدة مقاربات سوسيلوجية كما انه يحمل طابعا محليا معاشا. قد لانعير اهتماما في الوهلة الاولى لواقعة الموضوع، لكنه يسير عميقا عندما نغوص في ابسط تفاصيله لنجد انفسنا وسط خليج من الوقائع التابتة والمتحركة.

  3. مقال جدير بالقراءة يفتح الباب أمام كل العقلاء لاكتشاف إمكانات مجتمعاتنا العربية. ممتاز.

  4. حين نقرأ المقال نشعر بحجم التحديات التي تقف أمام الباحثين والعلماء والمفكرين في جميع التخصصات العلمية.. خاصة في بلداننا حيث لا يحتكم بعض أصحاب القرار إلى نتائج الأبحاث والدراسات العلمية، ولا يؤبه بتشجيع وتطوير مراكز الأبحاث. شكرا على إثارة الموضوع.

اترك ردا