النظام العالمي المعاصر

النظام العالمي المعاصر: بين عولمة الفوضى وتصدير الأزمات

“في السياسة، لا شيء يحدث بالصدفة. فإن حدث ذلك، يمكنك المراهنة على أنّه أمر خطط له ليحدث بتلك الطريقة”.  فرانكلين روزفلت.

إنّ تزامن الأحداث والتغيرات الحاصلة في كل أقطار العالم، وتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية و السياسية، بالإضافة إلى التفاعل الحاصل بين ما هو محلي وإقليمي وعالمي، يجعل مناقشة دور العولمة ونتائجها كظاهرة متعدّدة الأبعاد أكثر من ضروري. وقد يطلق عليها مصطلح (الأمركة) نظرا لبروز الولايات المتحدة كقوة فاعلة ومحركة للعالم. فهل ما تفرزه العولمة الآن من انهيارات اقتصادية وسياسية، خاصة في الشرق الأوسط وأوروبا، قد خطّط له ليكون على هذا النحو فعلا من الفوضى والأزمات أم أنّ الأحداث هي ردود أفعال ونتائج حتميّة لسياسات سابقة وبالتّالي فإنه يصعب التنبؤ بمصيرها ومستقبلها؟

الإطار المعرفي والتطبيقي للعولمة:

بالرغم من وجود اختلافات مضامنيّة وتعريفيّة في توظيف مفهوم العولمة، إلاّ أنّه ينبغي علينا أن نحدّد منذ البداية مفهوما للعولمة من خلال الإطار المعرفي والتطبيقي يكون مناسبا لغرض التحليل والمناقشة. ولقد فصّل في ذلك السيد يسين في كتابه القيّم العالمية والعولمة. يتجلّى الاطار المعرفي في محورين أساسيين. أوّلا، من خلال الخطابات والدراسات والبحوث التي تهدف في مجملها إلى التركيز على أنّ الدولة ليست محور العالم وإنما العولمة هي التي تحدّد الموضوعات العالمية التي يمكن التفكير فيها واتخاذ القرارات المناسبة بصددها. أما المحور الثاني، فيتعلّق بالتغيّرات الجوهريّة على المستوى الأكاديمي والعلمي بحيث أنّ عملية الجمع بين عدد من  العلوم والمعارف في اختصاص واحد، أصبح أكثر من ضرورة سواء من أجل فهم الأحداث والمتغيرات أو من أجل إيجاد الحلول للكثير من  المشاكل الراهنة. أما الجانب التطبيقي للعولمة، فيرتكز على ظهور مجموعة من العمليات والممارسات في المجالات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية لا تعوقها الحدود الجغرافية للدول. وهكذا، فإنّ تنامي فكرة اللاحدوديّة بين الدول، هي نتيجة حتمية  لتزايد مجموعة من الحركيات المتشابكة والمعقدة التي تنتهي بتوحيد القيم العالمية بحسب ما ذهب إليه أنصار العولمة. ويجب التنبيه هنا إلى ضرورة التفريق بين مصطلحي العالمية (Universal) والعولمة(Globalization). فالعالميّة هي انفتاح على الآخر وانفتاح الأمم على بعضها البعض في اطار التواصل الحضاري وصياغة مفاهيم تقوم على أسس التعاون والاحترام والحريّة. فهي بهذا المفهوم خيار يفتح المجالات ويقبل بالتنوّع. أمّا العولمة هنا، فهي توحيد للقيم والممارسات وفق نظرة واحدة لا تتيح التنوّع بل تلزم بالاتباع سواء بطريق أو بآخر وهذا ما قد يجعلها تلغي الآخر بدل الانفتاح عليه.

الفرضيات المحتملة للنظام العالمي المعاصر:

تأسيسا لما تقدّم، سنحاول افتراض وفهم ثلاثة متغيرات رئيسية قد تكون بمثابة الاطار العام للنظام العالمي المعاصر في الوقت الراهن والتي تحتاج بدورها في الحقيقة إلى دراسات معمّقة.

أوّلا: إمكانية بداية التراجع الأمريكي: إنّ حالة الولايات المتحدة الأمريكية منذ بدء الأزمة في 2008، وازدياد الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية داخليا وصلت إلى حدّ (احتلال مانهاتن في نيويورك) من قبل المتظاهرين، وخارجيّا مع تزايد حدّة المعارضة والمنافسة لسياسات أمريكا، يوحي، على الأقل ظاهريّا، بمعاناة كبيرة للولايات المتحدة لم تجد لها حلا بعد. ولقد تعدّت الأزمة الحدود الجغرافية للدولة وانتشرت في كل العالم  في ظرف وجيز وأثّرت على قارات بأكملها. وبذلك، فإنّ ما يحدث في العالم، يُفسّر على أنّه تخبّط من حيوان مفترس في مراحل متقدّمة من محاولة إنقاذ لحياته  أو شعوره بقرب الانهيار فيجرف معه الأخضر واليابس. ومن جانب آخر، قد يكون هدف تصدير أمريكا لأزماتها، هو لفت انتباه العالم إلى مناطق أخرى إلى حين انتهاء أزمتها والرجوع إلى حالتها الطبيعية. فكانت النتيجة الحتمية لهذه العمليّة في السنوات الأخيرة، هي معاناة كل العالم من الانهيارات والانقسامات، سببها الولايات المتحدة سواءا بطريق مباشر أو غير مباشر.

ثانيا:من إدارة الأزمة، ترك الأزمة: أحيانا تكون إدارة الأزمة بترك استمرارها وذلك لأهداف ومصالح مختلفة والتي من أبرزها:

1 معرفة قوّة الخصم أو المنافس ودرجة تفوّقه وتعامله مع الأزمات بحيث تسهل عملية تقييمه ومن ثم التعامل معه في مرحلة ما بعد الأزمة.

2 الأزمة قد تضعف الخصوم كما قد تفضح سياسات ومساوئ العديد من الدول. فالمصلحة هنا تقتضي إطالة الأزمة وزيادة تعقيدها للاستفادة أكثر.

3 إذا كانت الأزمة مفتعلة، فإنّ التدخّل المباشر فيها سيفضح الفاعل. ولذلك يعمد الفاعل بلعب دور المراقب الذي فوجئ بالأزمة كغيره من الفاعلين.

4 تؤدّي الأزمة أحيانا إلى فقدان السيادة وبرضا الدولة المتأثرة نفسها. وبقدر ما تطول الأزمة وتستمر، بقدر ما يزداد احتمال طلب المساعدة الخارجيّة من بعض الدول كالولايات المتّحدة والتي كانت جاهزة في الحقيقة لعمليّة بدء نزع السيّادة من غيرها.

ثالثا:دفع ثمن السياسات الخاطئة:  ما يحدث في بعض مناطق العالم ونخص بالذكر الشرق الأوسط، ناتج عن تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية سلبية، تم تبلورها في شكل أزمات. فالسياسات الخاطئة التي مارستها الأنظمة سابقا، قد جاءت في شكل مخرجات شعبية عنيفة مطالبة بالتغيير. وكان لعولمة الاتصلات و تيكنولوجيا المعلومات الأثر الواضح في تخطّي الأنظمة والعمل على محاولة الاطاحة بها.

سياسة تصدير الاهتمامات والأزمات الأمريكية:

لقد تسببت نهاية الحرب الباردة وانهيار الإتحاد السوفياتي في تحويل انتباه  العديد من الخبراء والسياسيين، من التركيز على”أسباب الحرب”إلى​ البحث عن”أسباب السلام”. ففي المجال الأكاديمي، ظهرعدد هائل من البحوث والدراسات المهتمة بالنظام الدولي الجديد وملامح الهيمنة الامريكيّة. إذ إنّ مرحلة الحرب الباردة قد ركّزت في مجملها على بحث الاشكاليات الأمنية والإستراتيجية كما ركزت على الصراعات والنزاعات القطبية. بينما الدراسات المعاصرة، فقد ارتبطت فيها وبصورة واضحة كل من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأصبحت متداخلة من حيث الدراسة والتفاعل. كما اهتمت ببحث تفاعل الأحداث محليا، إقليميا ودوليا وخاصة مع التقدّم التكنولوجي والتقني في مجال الاتصلات. في هذا السياق، استبدلت الأدبيات والبحوث الداعية إلى التحالفات القطبية مثلا، بدراسات وبحوث معمقة في اتجاه بعث التعاون الإقليمي والدولي في كل المجالات وخاصة منها المجال الاقتصادي. كما ظهرت دراسات تدعوا إلى الديمقراطية والتغيير السلمي للسلطة والتنمية كبديل للديكتاتورية والأنظمة التسلطية أو على الأقل كوقاية لاجتناب وقوع النزاعات والحروب. إلاّ أنّه وعلى أرض الواقع، ازداد حجم الحروب وتنوعت كما زاد حجم الأزمات وحدّتها. وكان للعالم أن يشهد أزمتين كبيرتين في ظرف عشرة سنوات. وظهرت حروب من نوع خاص، سميت بالحروب لأغراض إنسانية وأخرى حروب استباقية مبناها على الشك وعلى وجود عدو محتمل في المستقبل. إلاّ أنّه ما يميّز هذه المرحلة التاريخية عن سابقاتها، هو الوسائل المستعملة والمتمثلة أساسا في وسائل الإعلام والاتصال، يضاف إليها استخدام مجلس الأمن والمنظمات الدولية الأخرى كأداة لتمرير المشاريع الحربية والعقوبات الملزمة لبعض الدول. أدّى هذا التحول في العلاقات الدولية إلى ازدياد تأثير العولمة كظاهرة حتميّة فرضت وجودها وأرغمت الفواعل الدولية على الدخول فيها أو التفاعل معها. ومع الوقت، أصبحت العولمة هي الانتصار للقيم الأمريكية وضرورة العمل على تصديرها لباقي العالم.

وبناءا على هذا، سعت الولايات المتحدة من الوهلة الأولى إلى عولمة النظام العالمي بفضل سياساتها الخارجية. بحيث أنّ الأحداث والوقائع في أي منطقة وخاصة داخل الولايات المتحدة، قد تؤثّر على كل التركيبة العالمية. هذا الربط بين مناطق العالم باستخدام الوسائل المذكورة آنفا، من شأنه أن يسهّل عملية السيطرة الشاملة ويصعّب على الفواعل الأخرى التخلّص منها. وبعد أن شهد العالم التحالفات القطبيّة فيما سبق، والتي تقوم على أسس الأمنية فقط، ظهرت سياسة جديدة من التحالفات عنوانها (تصدير الاهتمامات والأزمات الأمريكية). فجعلت الولايات المتحدة الأمريكية من أزماتها و مشاريعها العالميّة، ملزمة لغيرها كضرورة التحالف لغزو البلدان كما حدث في حرب الخليج والحرب البلقان،  أو التحالف الاقتصادي من أجل إسقاط بعض القوى الصّاعدة كما حدث في أزمة 1997 في جنوب شرق آسيا. وتطبيقا لمقولة روزفلت، يقول بول أونيل وزير الخزينة في عهد جورج بوش الابن، في كتاب (ثمن الولاء) the price of loyalty، بأنّه فهم في اجتماع مكتب الأمن القومي عقب أحداث سبتمبر، أنّ الحرب على أفغانستان والعراق كان أمرا قد دُبّر له من سنوات ولم يكن صدفة بعد أحداث مانهاتن. إذن، فقد أعادت الولايات المتحدة الأمريكية بناء وتشكيل هيمنتها الخارجية، على سياسة تصدير الاهتمامات والأزمات الأمريكية بحيث أنّه أوّلا، كثرة الأزمات يستدعي تدخلها المباشر أو الغير المباشر وبطريقة تجعل الدولة الضحية مسلوبة السيادة. ثانيا، يخفّف تعميم الأزمة وتحويلها من حالتها الداخلية إلى قضية عالمية من المتاعب التي تواجهها الحكومة الأمريكية داخليّا.

هل هي بداية التفكك في أوروبا؟

أنشئت المنظمات الإقليميّة مع نهاية الحرب العالمية الثانية بغرض بناء الأمن الإقليمي ومنع الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي قد تؤدّي إلى النزاعات والحروب مستقبلا. وكان من أكثر التجارب أهميّة وإثارة للجدل في نفس الوقت، هي التجربة الأوروبية التي انطلقت من أقل المجالات خلافا بين الأعضاء وصولا إلى ما أصبح يعرف بأكبر التجارب التكاملية نجاحا في العصر الحديث. إلاّ أنّه ومع مرور الزمن وتوسع في عضوية الإتحاد، بدأت تطفوا إلى السطح مشاكل التكامل وقيادة الإتحاد وصلت إلى وجود خلافات حادّة داخل البرلمان المشترك وفي كيفية اتخاذ  القرار الأوروبي. ومع بداية أزمة الديون العالمية سنة 2008 لم يكن أكثر الخبراء تشاؤما يتصور بأنّ أوروبا قد تشهد انهيارا يوحي ببداية التفكك الاقتصادي داخل أقوى التحالفات في العالم. فهل يرجع ذلك إلى قوّة الأزمة التي صدّرتها الولايات المتحدة إلى العالم، أم إلى هشاشة وضعف داخل الاتحاد الأوروبي؟

لا شكّ بأنّ سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد العالمي، وازدياد قوّة الدول النامية وخاصة الصين والهند ودول شرق وجنوب شرق آسيا عموما، جعل أوروبا تواجه مشاكل اقتصادية ومنافسة شرسة رشحتها لتشهد تراجعا مرعبا في الحراك الاقتصادي لم يسبق له مثيل منذ بداية ما اصطلح عليه (بالاتحاد الأوروبي). هذا التراجع قد ينجم عنه عجز في النمو الاقتصادي يبلغ (-%1) مع نهاية سنة 2012 حسب آخر التنبؤات.

وفي ظل الأزمة العالمية، ظهرت ملامح ومؤشّرات سلبية في العديد من دول أوروبا، ونخص بالذكر كل من ايرلندا، اليونان، اسبانيا، البرتغال وإيطاليا التي وصلت نسبة الديون فيها إلى 1.6 تريليون أورو. إنّ هذه الدول وغيرها، لم يكن بمقدورها مواجهة الأزمة فكان من أولى نتائجها سقوط متتابع للحكومات وازدياد في حدّة انهيار عملة الأورو. كما أنّها في الوقت الحالي تعمل المستحيل  ليس فقط من أجل إيقاف النزيف الداخلي الذي يحتاج إلى سنوات لترميمه، وإنما من أجل البقاء في منطقة الأورو وذلك تجنبا لوقوع انهيار جزئي أو كلي للدولة في حال انسحابها من الإتحاد الأوروبي أو في حال إجبارها على ذلك.

وفي السياق نفسه، نجد دولا مثل فرنسا وألمانيا في اتجاه معاكس تماما تسعى للتراجع عن الإتحاد والتوجّه أكثر نحو الداخل. فعدم القدرة على مساعدة الدول المتضررة من الأزمة من جهة، وتصاعد المعارضة وتراكم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وخاصة البطالة داخليا من جهة أخرى جعل الخطاب القومي يزداد حدّة إلى أن أصبح يتضمن مؤشّرات عنصرية. فسار ساركوزي يتهكّم على العمالة الإفريقية وخاصة المغاربية و يتفنّن في الحاق الأذى بها سعا لطردها أو كسبا لأصوات القوى الاجتماعية المطالبة بالاصلاحات في ضل الأزمة. وتليه ميركل في ألمانيا كذلك، ضد كل من هو غير ألماني.

هذه التحولات وغيرها، رمت بالإتحاد الأوروبي إلى دوّامة التفكك وجعلت الدول تسعى في كل الاتجاهات لاجتناب الانهيار والخلل الاجتماعي والاقتصادي. ولأول مرّة نرى دولا تتفاوض مع الصين التي اعتبرت عدوا أبديا في وقت ما للمنطقة، وأخرى قد لجأت إلى استغلال الأوضاع في مناطق أخرى لتتحصل على جرعة تضاف إلى الاقتصاد (حالة فرنسا مع ليبيا). أمّا بقية الدول، فهي بين إجراءات تقشفيّة لم تتعود عليها المجتمعات الأوروبية، أو لجوئها إلى الاستدانة من دول وبنوك خارج الإتحاد وخاصة من صندوق النقد الدولي في صورة تجعل منها دولا تابعة وشبيهة بالدول النامية من حيث الضعف في الاقتصاد وتجعلها كذلك عرضة للمزيد من المشاكل.

شرق أوسط نحو المجهول؟

لقد تساءل الكثير عن إمكانية اعتبار ما يحدث في البلدان العربية على أنّه تطبيق لنظريه الدومينو التي تؤكّد بأنّ سقوط الحكومة في تونس أدى إلى توالي انهيار باقي الرؤساء في العالم العربي تباعا. ولكن إذا ما أردنا ربط ما يحدث في الشرق الأوسط بالعالم الخارجي والعولمة، فإنّ التركيز سيكون على كيفية تعامل القوى العالمية مع الأزمة وطريقة إدارتها. يضاف إلى ذلك، الكم الهائل من المعلومات والأخبار التي تثار حول المنطقة بحيث أنّ الكم يتغلّب على الكيف. لأنّ قيمة المعلومات تكمن في القدرة على التحقّق من صحّتها و القدرة على توضيفها وتعامل معها. بينما وجود هذا السيل الجارف من المعلومات حول الشرق الأوسط وتضاربها يجعل من الصعوبة بما كان التعامل معها.

بعد الإطاحة بالرئيس بن علي في تونس فيما سُمّي بثورة الياسمين، ظهرت ملامح تغيرات جوهرية في السياسة الخارجية للقوى الكبرى اتجاه قضية التغيير في الشرق الأوسط فيما يمكن تسميته (بتصحيح المسار الدبلوماسي). ومن هذا المنطلق، قام نيكولاس ساركوزي عندما شعر بقرب سقوط بن علي بتعويض وزيرته للخارجية آليو ماري (المؤيدة لنظام بن علي) بآلين جوبيه، وأوكل له مهمة تصحيح صورة فرنسا لدى العرب كمؤيّدة لحق الشعوب في تقرير مصيرها. وكاستمرار لهذه السياسة وبغض النظر عن الأسباب الاقتصادية، كان ساركوزي أوّل رئيس أوروبي يستقبل الثوّار الليبيين في باريس ويشجعهم  على الإطاحة بنظام القذافي. كما قام بتعبئة الحلفاء وخاصة ألمانيا التي كانت مترددة من أجل إدانة نظام القذافي من قبل مجلس الأمن الذي فوَّض حلف شمال الأطلسي “لحماية السكان المدنيين”.

أمّا الولايات المتحدة الأمريكية فكانت منشغلة بالتحضير لمرحلة ما بعد التغيير. فبعد أن تأخّر موقفها غداة الأحداث في تونس التي كانت تعتبرها في وقت مضى رمزا للحكم الراشد في الوطن العربي، كانت السبّاقة إلى المطالبة بتنحي الحكومات والرؤساء الذين لطالما دافعت عنهم وقدّمتهم كأمثلة للرؤساء المخلصين والموالين لها في شاكلة حسني مبارك وعلي عبد الله صالح. كما يضاف إليها التدخل العسكري المباشر في أحداث ليبيا والتدخّل الدبلوماسي الكبير للتغيير في سوريا وإجبار الرئيس بشار الأسد على التنحي.

لقد حاولت الولايات المتحدة من وقت بعيد إلى إعادة بناء الشرق الأوسط من خلال مشاريع مختلفة كمشروع الشرق الأوسط الكبير ودمقرطة الوطن العربي. وهكذا، يمكن اعتبار بأنّ غزو العراق وتقسيمها ُثمّ الضغط على السودان التي قسّمت كذلك، لا يخرج عن كونه سياسة رامية إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يناسب الاهتمامات الأمريكية في المنطقة. ولكن ما يبعث على القلق وعدم الارتياح هو تزامن التغيرات في الشرق الأوسط مع الضغوطات وإمكانية توجيه ضربات إلى إيران، يضاف إليه إعادة الانتشار في أفغانستان وآسيا ككل مما يؤشّر إلى توجّه الشرق الأوسط نحو المجهول ليس فقط على المستوى الداخلي الذي برزت معالمه الخطيرة مع اختلال في نظام الحكم وفي إدارة الدولة وإنما على المستوى الإقليمي الذي يكون له أثر عالمي كبير في حال ازدياد حالة التصعيد في المنطقة.

الخاتمة:

إنّ الملاحظ للأوضاع، قد يستنبط وجود الفرضيات الثلاث وحضورها في كلّ الأزمات الحالية وخاصة في أوروبا والشرق الأوسط. وبناءا على هذا، تركت دول مثل اليونان وإيطاليا والبرتغال واسبانيا تعاني من مشاكلها لمعرفة درجة قدرتها على الخروج من الأزمة أو من أجل التدخّل والظهور في ثوب المنقذ الذي لا يمكن رفض طلبه للخروج من الأزمة. أما في الشرق الأوسط، فقد أدّت التغيرات إلى بروز قوى سياسية ومحليّة قد يساعد فهمها الآن بإيجاد طرق للتعامل معها مستقبلا. ومن حيث دفع ثمن السياسات الخاطئة، فالحال في الولايات المتحدة سببه السياسات الداخلية الخاطئة والمتراكمة ممّا سبق. وقد تكون أوروبا تدفع ثمن اتساع الإتحاد بطريقة أثّرت على سير التكامل والتعاون، وما يقع في الشرق الأوسط ناتج عن ازدياد وعي الشعوب وتخلي الحلفاء عن دعم الرؤساء في هذه المنطقة من العالم ممّا مهّد القدرة على التغيير والتحول السياسي. فالحكومات العربية لم تفعل شيأ فيما سبق ولم تقم بالإصلاحات في وقتها وها هي الآن تدفع ثمن تأخيرها لتلك السياسات بمواجهة غضب الشارع والعالم منها. وبالمقابل، فإنّ ترابط الأزمات الذي يحدث في العالم على الأقل من حيث تزامنها وليس في كيفية وقوعها، لدليل على أنّ المرحلة الحاليّة هي بداية تحوّل ولو جزئي في مسار النظام العالمي.  فلا شيء يحدث في العالم صدفة من غير وجود مسببات أو فواعل ولكن إلى ماذا ستؤدي هذه الأحداث؟

قائمة  لبعض المراجع المستعملة:

-يسين، السيّد، العالميّة والعولمة. )الجيزة: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2000(.

-السحمراني، أسعد، صراع الأمم: بين العولمة والديمقراطية. )بيروت، دار النفائس، 2000(.

-برقوق، امحند، العولمة واشكالية الأمن الانساني. (مقال نشر بتاريخ: 20/05/2011) المصدر: http://www.politics-ar.com/ar/index.php/permalink/3060.html

Global Europe Anticipation Bulletin (March, 2012). Global Systemic Economic Crisis: Stagnation in Europe, US Relapse into Recession. Crash of Markets and Financial Institutions. Source: http://globalresearch.ca/index.php?context=va&aid=29824.

Comité pour l’annulation de la dette du tiers monde (October , 2011). No Solution to The Eurozone Crisis. Source : http://www.cadtm.org

Chossudovsky, Michel and Cunningham (December, 2012). The Globalization of War: The “Military Roadmap” to World War III.

Source : http://www.globalresearch.ca/index.php?context=va&aid=2825

* باحث في العلاقات الدوليّة – كوالالومبور-ماليزيا

تعليق واحد على “النظام العالمي المعاصر”

شارك برأيك