في الظهور التربوي والإعلامي

لا تحسب على الأمة لعنة تحيق بها، وتستحق النكال من أجلها كلعنة التهاون في رعاية القيم البانية عند أفرادها من خلال قنوات التربية والتعليم  ووسائل الإعلام والتثقيف. تلك القيم التي تحفظها من الزوال والتلاشي والذوبان في غيرها كما تحفظ مستقبلها (أي أملها)وسيرتها الأولى(أي ذاكرتها).

وما من جماعة بشرية تحرص على قيامها الدائم بغرس القيم النبيلة(جمالية و أخلاقية) في ناشئتها من صدق وحرية واستقلال وأمانة وكبرياء ، وهي قيم الدرجة الأولى، ثم يعروها انحلال أو يُخشى عليها فساد. لأن هذه القيم وغيرها بمنزلة السياج الواقي لجسم الأمة وروحها.

وقلما تُمتحن أمة بالبلاء في نظامها وقواعد حكمها إلا من قبيل آفتين:

–      آفة الاسترخاء في اعتبار قيمة القيم. وهو مؤشر واضح صريح على وضعية نفسيتها في سلم التأهب إما للكينونة والاستمرار أو للمغادرة والاندحار.

–      وآفة ثانية هي القعود عن النهوض بالواجبات العملية التي تحفظ مبدأ استئناف حضارة الفعل والانشغال عنها بالآزف من الحاجات الترفيهية الاستهلاكية الحائلة دون تحقيق الشروط المحررة للإنسان.

ومتى اجتمعت الآفتان كان أول ظهورهما وانعكاس آثارهما على مستويين من أخطر مستويات الظهور الإنساني في عالم التواصل ألا وهما التربية والإعلام، فينجم عن الظهور الأول، أي الظهور المعطوب في عالم التواصل التربوي أخلاق الكسل والانتهازية وتوابعها، لِتَكُونَ النتيجة صناعة مواطن فاشل هش ضعيف لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على أُمَّته، وينجم عن الظهور المعطوب في عالم التواصل الإعلامي أخلاق الكذب والشهوة ولواحقها، لِتَكون النتيجة صناعة مواطن بدون وعي ممانع أو إرادة فاعلة؛ لِتَوَقُّفِ الوعي الممانع على العقل المُسَدَّد ولا عقل حينئذ، ولِتَوَقُّف الإرادة على قمع الشهوة، والحال أن إعلاما رديئا لا يكون فيه الشفوف إلا لخطاب الشهوة على حساب العقل والقيم الأخلاقية.

ويتوقف إعادة الإنسان لدائرة الإنسانية الحقة التزام خطتين بحسب الظهورين الآنفين (التربوي والإعلامي)تعتنيان بجانب القيم في حياته وتوليان جانب التخلق والتعبد لله العناية اللازمة، لاستحالة حصول إنسانية بدون عبادة وأخلاق، يقول الراغب الأصفهاني:”فالإنسان يحصل له من الإنسانية بقدر ما يحصل له من العبادة التي لأجلها خلق، فمن قام بالعبادة حق القيام، فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ من الإنسانية فصار حيوانا أو دون الحيوان”.

فيكون من نتائج اجتماع الظهورين التربوي السديد والإعلامي الرشيد خدمتهما هدفا واحدا هو صناعة الإنسان المؤمن النافع نفعا متعديا غير لازم لصاحبه، إذ الإيمان قوة باطنية دافعة للخير مانعة من الشر، فهي نافعة لأنه لا يكون من نواتجها إيقاع الضرر على الذات أو الغير أبدا. بل يسعى صاحبها لصنع الخير وتكثيره وتعميمه، لأن القيم الأخلاقية الإسلامية” لا تخص صلاح الفرد الواحد ولا صلاح الأمة الواحدة، وإنما تبتغي صلاح البشرية قاطبة، بل تبتغي صلاح جميع المخلوقات التي في عالم الإنسان”, ذلك أنها – أي تلك القيم ذات الطابع الإنساني  في الظهورين الرشيدين- ترفع همة الإنسان إلى أن يأتي أفعاله على الوجه الذي يجعل نفعها يتعدى محيطه الصغير(نفسه وأسرته ووطنه) إلى العالم بأسره، بحيث تجعل هذه القيم صاحبها يتصور كل بقعة من العالم وطنا له و كل إنسان فيها أخا له ، و كل كائن سوى الإنسان  نظيرا له في الخلق.

وإذا تقرر هذا واستبان لزم أن يكون بين الظهورين (التربوي والإعلامي) ضرب من التعالق الشرطي، لما بينهما من صفة التخادم، أي خدمة بعضهما لبعض في إقامة مفهوم الإنسان ، ومعنى هذا الكلام أن فساد الإعلام مؤذن بفساد التربية والعكس صحيح. لأن كل واحد من الطرفين آية على الآخر ومرآة له، والإنسان آية كل ذلك ومرآة لأعمال التربية والإعلام. وصدق المتنبي حين قال:

وإذا كانَ في الأنابيبِ خُلْفٌ  ** وقعَ الطيشُ في صدورِ الصِعادِ

إلى أن قال:

فإنّ الجرحَ ينفرُ بعد حينٍ  ** إذا كانَ البناءُ على فسادِ

فللنظر الآن في تأثير جزء من الإعلام الفضائي العربي اليوم على القيم التربوية والإنسانية، محاولين تحليل بعض الظواهر السلبية التي باتت تهدد وجودنا القيمي على الخصوص.

One thought on “في الظهور التربوي والإعلامي”

  1. السلام عليكم ورحمة الله، 
    موضوع رائع ومفيد، وحديثه عن  القيم حديث عن عمق إشكال التربية والإصلاح والتهضة في العالم العربي، ومتى صحت النظرة إلى القيم، وتم ضبطها وتحديدها، صح العزم على الوصول إليها وإيصال أبنائنا إليها.
    لكن لم تشرفونا بمعرفة صاحب المقال بارك الله فيكم وفيه.

اترك ردا