الفضائيات العربية أي غرس ثقافي وأي إبداع ؟

من الوهم أن يقع في الأخلاد أن السواد الأعظم من فضائياتنا العربية المتزاحمة تحمل خلفها رهانا صادقا لشق الطريق نحو نهضة أمتنا من كبوتها، إذ أثبتت العديد من الدراسات أن الصورة التي تعمل على الدفاع عنها وترسيخها انطلاقا من نظرية الغرس الثقافي(الإخبارية والترفيهية والدرامية والغنائية…) والاتجاهات الاجتماعية السائدة اليوم في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج. ويكفي أن نذكر ببعض نتائج هذه الدراسات الإعلامية التي تمس جانب القيم على الإجمال لا التفصيل: – وجود غرس مستمر سلبي لصورة المرأة باعتبارها شيئا وبضاعة وأداة للإغراء وموضوعا للجنس في الإعلانات والمسلسلات والأغاني المصورة وغيرها بما يفسد قيمة المرأة ومثالها في الثقافة العربية الإسلامية – وجود صورة مشوهة عن الواقع ووجود أيضا علاقة ذات دلالة إحصائية بين التعرض للدراما التلفزيونية الأجنبية الأمريكية والمكسيكية وإدراك الواقع الاجتماعي لكل من العنف والإدمان – وجود علاقة ارتباط بين معدل التعرض للعنف في الأفلام التي تقدم في التلفزيون واتجاهات الشباب نحو العنف، وكذلك بين معدل التعرض للعنف في المشاهدة وتفضيل الشباب للحلول العدوانية للمشكلات على قيم العقل والتسامح. – نسبة قصص المسلسلات والبرامج الأجنبية تفوق النسبة العربية في بعض القنوات بما يعطي إمكان احتوائها القوي لمضامين تتعارض مع ثقافة المتلقين وقيمهم في مجتمعنا، فالدراما الأجنبية تحمل من دون شك قيما وتصورات عن الحياة والسلوك تتناقض مع كثير من قيم ثقافتنا الإسلامية . – تعطيل قيم الإبداع الإيجابية لحساب قيم التقليد والمحاكاة السلبية، وذلك بسبب هيمنة تصور نموذجي مقلوب يقتضي أن السيادة هي في الوجود في الآخر، فإنتاج البرامج الثقافية في بعض القنوات الفضائية أكثر محاكاة للمواد التلفزيونية الأجنبية . ولئن كان الغرس الثقافي في مشهدنا الإعلامي على ما ذكرناه وبيناه من الهبوط والدونية،فقديما قالوا”:المصيب من تخير الغرس من حيث استنجب الشجر واستحلى الثمر”. وكيف يستقيم الظل وتكون الصورة كذلك مستقيمة والعود من العوج والتقليد بما لا مزيد عليه. والحق أنه لَيْسَ أَضَرَّ بفضائياتنا العربية وبمشهدنا الإعلامي السمعي والبصري من ارتهانه لطوق التقليد والاستنساخ عن برامج وتجارب فضائيات غربية، تقليد ينقل الأسماء ويضيع المحتويات فيما يشبه المحاكاة القردية،ولعل “الكثير من برامج تلفزاتنا العربية ومضامين صحفنا التي لم ير المرء لبراعتها في السطو والنسخ الماسخ مثيلا هي أكبر العلامات وأكثرها دلالة على هذا الداء الذي جعل العوض الوهمي الكاذب عن الوجود الفعلي الصادق أبلغ مثال من سيادة الأسماء في غياب المسميات: فالمقص والسكوتش(اللاصق) السحري وحدهما كافيان لإفراز كبار الصحافيين وتبديل أسماء البرامج بمجرده مع حط من مستوى الأصل يبلغ درجة الكاريكاتور كاف لبروز كبار المنشطين”. ومن مظاهر الإفلاس في منطق المحاكاة الأعمى على فضائياتنا أنه ما إن تظهر صرعة عري أو شذوذ أو تهتك في الضفة الأخرى من العالم الغربي، حتى تجد ترجمتها الفورية لدينا، وبأسوأ وأبشع ممّا لدى الغرب نفسه. فالمتتبع لبرامج الموضة والبرامج الشبابية وبعض البرامج الحوارية والمسابقات الثقافية يجد أنها استنساخ كربوني لبرامج غربية يغيب فيها عنصر الإبداع والبصمات الشخصية للمقلدين ، فهناك الآن نسخ من “أوبرا”، ونسخ من “د. فيل”، ونسخ من برامج التفتيش عن النجوم التائهة المنقولة من قناةBBCوCBSوSBC، وفي كل هذه البرامج تُسْتَنْسَخ حتى طرائق التقديم والديكورات والأزياء وأساليب الإخراج والابتسامات البلاستيكية الباردة، وليس وراءها إلا إشاعة القيم السلبية أو لنقل بالمنطق القرآني إشاعة الفاحشة في النسق الإيماني، مصداقا لقوله تعالى” إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ”. خرائط برامجية لمن يتأملها ليست سوى حلقة من حلقات التغريب أو التعبير الإكلينيكي عن المرض بالغرب أو التغرب، ففي الوقت الذي ظهر برنامج (بوب آيدل) في بريطانيا، طلع عندنا (سوبرستار)، وزدنا عليه القبعة الأكاديمية فأصبح لدينا (ستار أكاديمي)، ومضينا في التقليد القردي فقلّدنا حتى برنامج العهر الصريح (بلايند ديت) أو ما يمكن ترجمته إلى (موعد أعمى)،فلم نقصّر في أن نكون أكثر تخلّعاً من أهله(ولو بكشف ما فوق الرُّكب) كما يقول بعضهم.

تعليق واحد على “الفضائيات العربية أي غرس ثقافي وأي إبداع ؟”

  1. الغرس الثقافي و لنقل الحشو الثقافي
    بداية تحية رمضانية للأخ مقبول
    مقال يستقرئ واقع الإعلام العربي نسأل الله أن يعفو عن مسؤوليه
    كما و احب أن أشارك الأخ مقبول و قراء الموقع رأيي المتواضع

    من الجدير بالذكر ان العصر الحالي احتل فيه التلفزيون و القنوات الفضائية بالخصوص مساحة كبيرة في اذهان المشاهدين واهتماماتهم،غير أن هذه الأخيرة سلاح دو حدين. فإذا ما راعت التواصل مع شريحة الأطفال و الشباب » التي تمر بطور التكوين و بالتالي فهي تخضع بدرجة اكبر لتأثير الرسالة الإعلامية التي تعمل علي تكوين عقولهم وإتجاهاتهم وقيمهم « من خلال العناية بالبرامج الموجهة لهم في وسائل الإعلام المختلفة وتكثيف محتوياتها وتنويعها انعكس ذلك إيجابا على مستوى تنشئتهم الإجتماعية , و إذا ما أهملت ذلك الدور و آثرت الميل الى الربح والإكتساح و اعتمدت مقاربة نسب المشاهدات دون تمييز للجيد و الرديء فتلك مجازفة بمستقبل الناشئة , أما إذا كانت تروم الإفساد العلني و الفاضح للقيم الإنسانية و التوابث الوطنية فنحن بلا شك سنكون أمام جيل لديه تصورات و اتجاهات تحاكي الأسلوب الغربي تستهدفه وتحاول طمس هويته
    والعبث بقيم وعادات وتقاليد وثقافة مجتمعه العربي والإسلامي.
    وما لم تتخذ الاحتياطات اللازمة لتطوير البرامج الإعلامية في مجتمعاتنا لمواجهة المشاكل المحلية ومواجهة مشاكل التقليد الماسخ من خلال البرامج الإعلامية التثقيفية والمعرفية القائمة على أسس علمية، فإن الهوة قد تتسع بين المواطن العربي ومؤسسات التنشئة الاجتماعية الأسرة , المدرسة.. من جهة,
    و بينه و بين إخوانه بباقي الدول العربية و الإسلامية و هذا ما تأمله الحداثة و العولمة الجارفة لباقي الثقافات.
    غير أن المحافظة على الهوية والثقافة العربية لا تعني الانطواء على الذات وإنما تعني التفاعل مع الثقافات الأخرى وأخذ ما يفيد هويتنا وثقافتنا ويدعمها في إطار التفاعل بين الثقافات والحضارات المختلفة.
    إن الاعتراف بالآخر والتحاور معه ضرورة تفرضها التغيرات العالمية المتسارعة فلابد من التكامل والتفاعل بين الشعوب والثقافات ولكن لا بد من التشبت بهويتنا وحضاراتنا وتراثنا وقيمنا.
    و هنا نستحضر قولة المهاتما غاندي ” أريد أن تهب كل ثقافات الأرض قرب منزلي , بكل حرية إن أمكن ذلك , لكني أرفض أن أنقلب من جراء رياحها العاتية”
    كيف نحافظ على بناء عقول أطفالنا و شبابنا أمام هذا الانفجار الفضائي بما يحمي ثقافته وهويته؟ إذا ما علمنا أنك تجد فضائية إخبارية أو علمية مقابلها عشرين أو ثلاثين فضائية غنائية، إقبال هائل، فحسب الإحصائيات تجد مثلا بالنايل سات أكثر من 25% تقريبا من القنوات هي قنوات غناء ورقص مقارنة بـ5% على الهوت بيرد، يعني تصور أنه في العالم العربي عددها أكثر بكثير من العالم الغربي الذي نتهمه بالهبوط والسقوط الأخلاقي وإلى ما هنالك.

شارك برأيك