مبحث الدليل في فلسفة ابن اعجيبة التطواني

بقلم:     د محمد سعيد زكري

          (باحث في الفلسفة)

تمهيد
الدليل هو الأصل الثالث من الأصول المنهجية التي يعتمدها أحمد ابن اعجيبة، ذلك أن كل نص هو حامل لمضمون مخصوص، وأن كل مضمون مبني عند ابن اعجيبة بوسائل معينة ومصوغ بكيفيات محددة: “وهذه الوسائل والكيفيات تقوم من النص مقام الدليل على مستوياته المضمونية (1) فلا شك في أن الدليل هو أصل من أصول المنهجية عند ابن اعجيبة، ومن هنا تبتدئ تلك العلاقة القائمة بين المنهج والدليل، “فالمنهج يسعى إلى تنظيم المعرفة وحسن تقديمها لتحظى لدى القارئ بالقبول والإقناع وهذا عينه مطلب الدليل(2) وسنحاول في هذا المبحث رصد تجليات الدليل في شروح ابن اعجيبة الإشارية، وذلك من خلال المطالب الأربعة التالية:
المطلب الأول: مفهوم الدليل
المطلب الثاني: أصناف الدليل
المطلب الثالث: آليات توظيف الأدلة
المطلب الرابع: مقاصد الدليل

المطلب الأول: مفهوم الدليل
الدليل في اللغة هو المرشد والهادي والكاشف هو الناصب للدليل، وقيل هو الذاكر للدليل، قال ابو بكر فخر الرازي: “الدليل ما يستدل به، والدليل الدال أيضا وقد (دله) على الطريق يدله بالضم (دلالة) بفتح الدال وكسرها و (دلولة) بالضم، والفتح أعلى ويقال أدل فأدل، والاسم “الدالة+ بتشديد اللام، وفلان يدل بفلان اي يثق به+ قال أبو عبيد “الدال+ قريب المعنى من الهدي، وهما من السكينة والوقار في الهيبة والمنظر والشمائل وغير ذلك(3) .
اصطلاحا: فقد عرفه العلماء بعدة تعريفات وأهم هذه التعريفات: “هو الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري+.
الدليل عند ابنعجيبة يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد في عرف المتصوفة، وهو نابع من تلك الحركة النفسية تجاه الأشياء: والتي يؤدي إلى العلم، وهو نوعان:
دليل نقلي: وهو مأخوذ من النص، لذلك انه لا بد فيه من مقدمتين وهاتان المقدمتان تحثه، مثال ذلك ما جاء في باب المنادى حيث قال ابن اعجيبة: “وهواسم مفعول من ناديته نداء بكسر النون في الأشهر ويجوز الضم، وهمزته بدل من الواو ولقولهم ندوت القوم ندوا أي جلست معهم في النادي، وهو المكان الذي ينادي فيه بعضهم بعضا قال تعالى في شأن قوم لوط: ﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ أي في مجلسكم ومجمعكم(4)
وهو ينقسم بالنظر إلى الجهة التي ينظر إليها إلى ثلاث أقسام نمثل لها بالشكل الآتي:

دليل ذوقي: وهو نابع من عمق المعرفة اليقينية (الإحسان) التي استصحبها ابن اعجيبة للقياس عليها والبرهنة لها في شروحه الإشارية القائمة على الحدس والاستبصار وهو دليل لا ينظمه “المسالك الواضحة البراهين(5) وإنما طريق ابن اعجيبة إليه “علم حال علم(6) على أن الحال هو ما يستنتج عن الأخلاق من أذواق ومثال ذلك ما ساقه ابن اعجيبة في تفسيره لاسم الله “الواحد+ في قوله: “أي المنفرد في ذاته وصفاته وأفعاله لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا، لا شريك له ولا نظير.
ومن عرف أنه الواحد أفرد قلبه فكان واحدا به، وقد فسر قوله عليه الصلاة والسلام: “إن الله وتر يحب الوتر+ أي القلب المنفرد له.
وفي الحكم كما لا يحب العمل المشترك كذلك لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله والقلب المشترك لا يقبل عليه(7) .
وللدليل عند أحمد ابن اعجيبة أربعة أركان رئيسة وهي: الدال: وهو النص/الذوق. المستدل: الشارح. المستدل عليه: قضية موضوع الشرح. المستدل له: القارئ/المتلقي.
ونمثل لها بواسطة الشكل التالي:
المطلب الثاني: أصناف الدليل
أولا: الدليل النصي: استدل ابن اعجيبة على ما ذهب إليه في شروحه من تأويلات بما اختار من النصوص، وأول هذه النصوص: القرآن الكريم.
1- القرآن الكريم: زمنه في باب القناعة حيث قال أحمد ابن اعجيبة: “القناعة هي الاكتفاء بالقسمة وعدم التشوف للزيادة، والاستغناء بالموجود وترك التشوف إلى المفقود وهي الحياة الطيبة، والذوق الحسن في قوله تعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾.(8)
ومنه أيضا قوله في شرح نص الإمام الششتري: “صح عندي الخبر… وسري في سري… إن عين النظر، عين عين الفكر… إلخ. يقول رضي الله عنه صح عندي الخبر وحققته وسري في قلبي وروحي وسري حتى ذقته إذ عين النظر التي أمر الله باستعمالها والنظر بها في قوله تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض﴾ ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾ وهي عين القلب الذي هو محل التفكر والاعتبار .(9)
2- الحديث:
الحديث كان من أدوات ابن اعجيبة في الشرح لإقامة الحجة على شرعية ما كان يقوم به، وكان يستدل به ولا يتحرى صحته، لأنه إذا كان صحيحا فذاك وإذا كان ضعيفا فمغزاه ومقصوده هو الأهم أي الأصلح عنده، ومن النماذج الدالة على ذلك ما نجده في شرح الأبيات التالية من تائية شيخه البوزيدي: ”
تورع إذ الورع أعطم بابها *** وأولى بها حقيقا أهل الحقيقة
ولا تلتفت لما جرى به حكمه *** فليس ذلك من شأن أهل المحبة
فكل محبوب بالمحبوب انشغاله *** ناسيا لما سواه في كل حالة… إلخ
حيث قال: يقول رضي الله عنه تورع في أمورك كلها فلا تأخذ إلا ما انحلت عنه التبعات، وسلم من الشبهات فإن الورع أعظم الأبواب الداخلة على الحقيقة، وأولى الناس به أهل الحقيقة لأنهم لا يأخذون إلا ما يزيدون به إلى ربهم ويتقربون به إلى ربهم وتقربون به إلى محبوبهم والورع كف النفس عما تكره عاقبته، فورع العامة ترك الحرام والمتشابه وورع الخاصة ترك ما يكدر القلب ويظلمه ويجمع ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك+.
3- الشعر:
فابن اعجيبة كثيرا ما كان يستشهد بالشعر عقب شرح كل بيت أو عبارة، وكأنه يسوقه بمثابة دليل إضافي الهدف منه إثارة العواطف والانفالات خدمة للغرض العام، يقول الإمام الشاطبي: “ينتزعون معاني الأشعار ويضعونها للتخلق بمقتضاها وهو في الحقيقة من الملح لما في الأشعار الرقيقة من إمالة الطباع وتحريك النفوس إلى الغرض المطلوب(10) ولهذا كله تزول غرابة إدخال ابن اعجيبة الشعر ضمن شروحه الإشارية وتطريزها به حتى ليمكن أن يقال إن كان الاستشهاد به أو على الأصح الاستئناس به أن يصبح قاعدة مطردة لا تتخلف، ومن القطع الدالة على هذه الهيمنة هذه القطعة من شرح قصيدة يا من تعاظم. للإمام الرفاعي: “وإنما يؤمن على السر أهل الثقة والصيانة كما قال القائل:
لاتكتم السر إلا ذو ثقة *** فالسر عند خيار الناس مكتوم
وقال آخر:
سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي. *** ولا أنثر الدر النفيس على البهم.
فإن قدر الله الكريم بلطفه. *** ولاقيت أهلا للعوم والحكم.
قللت علومي واستنفذت علومهم. *** وإلا فمحزون لدي ومكتم
وقال الشاعر:
يامن يلوم خمر المحبة. *** فخذوا عني هي حلال
ومن يرد يسقى منها غبا. *** خذه يضع لأقدام الرجال
رأسي حططت بكل شيابهم. *** الموالي سقوني زلال(11)
4- أقوال أرباب الصوفية:
أقوال الصوفية كثيرة في شروح ابن اعجيبة للاستشهاد على شرعية ما يذهب إليه من تأويلات وقد علل ابن اعجيبة إيراده للحكايات بأنها: “تجري دموع المريدين وتؤثر في قلوب العارفين وتهيج مواجد المحبين(12)
فتورد إذن بقصد هذه الوظائف لا باعتبارها حجة، وفيما يلي قطعة من شرح صلاة القطب ابن مشيش رضي الله عنه أسوقها لتوضيح ما قلت: “وفي بعض الأحاديث والله ما عرفني حقا غير ربي. ولله در البوصري حيث قال:
وكيف يدرك في الدنيا حقيقته *** قوم نيام تسلوا عنه بالحلم
ولذلك قال الشيخ رضي الله عنه: “فلم يدركه منا معشر الخلائق سابق عليه في مظهره الشخصي، ولا لاحق بعد وجوده الحسي، بل كلهم كلت فهومهم وتقاصرت علومهم عن الإحاطة بالحقيقة المحمدية… وقد سمعت شيخ شيوخنا مولاي العربي يقول: لقيني عالمان من علماء فاس بمسجد القرويين فقالا لي: كيف يقول ابو العباس ما غاب عني رسول الله × طرفة عين، كيف يكون ذلك، فقال رضي الله عنه قلت لهم يا هؤلاء أولئك السادة كانت أفكارهم في عالم الأشباح وهو عالم الملك(13) .
ثانيا: الدليل الذوقي:
الذوق في اللغة: قال أحمد ابن فارس: “الذال والواو والقاف أصل واحد، وهو اختبار السنة من جهة التطعم، ثم ثم يشتق منه مجازا […] وفي كتاب الخليل كل ما نزل بإنسان من مكروه فقد ذاقه(14) .
أما اصطلاحا: فقد ورد أصل الذوق على معنيين:
1- اعتبار الشيء من جهة التطعم لقوله تعالى: ﴿فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما﴾(15)
2- من جهة المجاز: لقوله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم غيرها ليذوقوا العذاب﴾(16)
والذوق عند ابن اعجيبة: فهو الفهم الذي يعطيه العمل قال ابن اعجيبة: “الذوق يكون بعد العلم بالحقيقة، وهو عبارة عن بروق أنوار الذات القديمة على العقل، فيغيب عن رؤية الحدوث في أنوار القدم لكنه لا يدوم ذلك، بل يلمع تارة(17) .
3- الذوق هو طريق الصوفي إلى الشرح الإشاري:
قال السراج الطوسي: “إنهم – أي الصوفية- قاموا بشرط العلم ثم عملوا به، ثم تحققوا في العمل، فجمعوا بين العلم والحقيقة والعمل(18) .
وعليه فطريق ابن اعجيبة في معرفة ما ينتج عن الذوق هو “الذوق+ لذلك انحصرت قناعته في شروحه بما ذاق فجعله من غبراز الأدلة على ما ذهب إليه ومن ذلك ما ساقه في معرض شرحه لبيت ابن الفارض التالي:
بدت فيهم أقمار شموع طوالع *** ولا يذوق هذا إلا أرباب الفن
حيث قال: “قلت النشوة السكرة يقال نشا نشوة سكر فاله في القاموس يقول رضي الله عنه عند هذه الخمرة. نشوء لروح في الأزل. قيل نشأة البشرية فما ظهر في عالم الشهادة إلا ما سبق في عالم الغيب. فللروح سكرة لما علمته من سبق السعادة والعناية قبل ظهور البرية، ثم تبقى النشوة لها بعد مفارقتها هذه البشرية اللطيفة إن بقي عظمها رسمها، فإن الروح لا فناء لها، فإذا فارقت هذه البشرية بقيت على ما كانت في المعرفة والعلم، ويختفي اخرى فصاحبه يدخل ويخرج فإذا لمع غاب عن حسه، وإذا خفي رجع إلى حسه ورؤية نفسه، فهذا يسمى عندهم ذوقا(19) .
ويبدوا أن هذا العلم الحالي هو الذي سماه ابن خلدون عقلا خاصا بكل تجربة في معرض كلامه عن الصنائع، فقال: “كل نوع من العلم والنظر يفيدها [النفس] عقلا فريدا… لهذا كانت الحكمة من التجربة تفيد عقلا، والملكات الصناعية تفيد عقلا، والحضارة الكاملة تفيد عقلا(20) .
فالذوق على بساطته له خطوة كبيرة في بنية شروح ابن اعجيبة الإشارية، لأنه – أي الذوق- عنده نقطة الفصل في كل حوار معهم، من حيث أنه يمت بشكل لاصق للتجربة الصوفية بل كل ما لا يمكن المشاركة فيه.
بالذوق تنفصل شروحه الصوفية بمنطقها الخاص جاعلة سدا في وجه غير الذائق.
المطلب الثالث: آليات توظيف الأدلة
أ- التناسب أو الانسجام
ونقصد به الاتساق والانسجام التام الذي يطيع العلاقة بين متن الشرح والشاهد، حيث يبدأ الشاهد النصي أو الذوقي من حيث ينتهي الشرح فلا يأتي حضوره فارقا، بل يأتي ليعبر عن الوحدة المضمونية في متن الشرح، وفيما يلي قطعة من شرح خمرية ابن الفارض نسوقها هنا لتبرير ما قلناه: “قلت اللواء بالمد العلم، ويجمع على ألوية، وجمع الجمع ألويات والجيش: الجند أو السائرون لحرب أو غيرها ورقم: كتب والمرقم بالكسر الميم: القلم والرقم الكتابة والتخطيط يقول رضي الله عنه: “لو كتب اسم هذه الخمرية الأزلية وجعل فوق علم الجيش لأسكر ذلك الرقم، كل ما تحت ذلك اللواء وسار كلهم تساوى في خمرة المحبة، فيذلون نفوسهم في مرضات محبوبنهم اختبارا منهم، فهذا كله مبالغة في هذه الخمرة وتشويف إليها، وقد اشرت إلى نسبة من ذلك في تائيته فقلت:
فيا لها من نشوى لوهب نفسهما *** على قبور الأموات أحيت بسرعة (21)
التحوير:
ونعني به “استحضار الشواهد المختلفة الأغراض، وصرف سياقاتها وتوظيفها في السياق الجديد، وتحور مضامينها الأصلية لصالح المضامين الصوفية والدلالات القدسية+صوفية أيضا (22). خاصة فيما يتعلق بالدلالات الخمرية، حيث يتم صرفها لصالح المحبة الإلهية أو دلالات المصطلحات النحوية كذلك، والتي صرفها ابن اعجيبة لصالح الإشارات والتجليات الصوفية أيضا، ومنها في باب الأفعال قوله: “الأفعال التي سبق بها القدر ثلاثة: أفعال سابقة وأفعال لاحقة تابعة للسالفة وأفعال حاصلة… وإن شئت قلت الأفعال التي تصدر من العبد ثلاثة: فعل مضى وفعل هو مستقبل به في الحال وفعل يأتي لا يدري ما الله مانع فيه…
فآداب الماضي نسيانه والغيبة عنه، فإن تذكر ما مضى إساءته جدد الندم والاستغفار، وإن تذكر ما سلف من إحسانه حمد وشكر، وآداب الأمر الغيبة عنه، والنظر لما يبرز من عنصر القدرة تاركا للتدبير والاختيار مستسلما كما يبرز من الواحد القهار، لأن من لم يدبر دبر له، وما دبر دبره الحق لك، أحسن في تدبيرك لنفسك فعسى أن تدبر شيئا وتختاره وهو وبال عليك فالله أرحم بك من نفسك، وأعلم بمصالحك منك، ولله در القائل:
وكم مرت أمرا حزنت لي بي انفراقه. *** فلا زلت لي منه أبر وأرحما.
عزمت على ألا أحس بخاطر *** على القلب إلا كنت أنت المقدما.
ولآ تراني عند من قد نهيتني. *** لأنك في قلبي كبير معظما(23)
ج- الاستطراد:
وهو يأتي لتوسعة مادة الشرح باستحضار النماذج المعبرة عنها أو لمجرد المناسبة: “وتطبيق قولة “الشيء بالشيء يذكر+ يقول عبد الله المرابط الترغي: “وهو ما يتم فيه امتداد المعنى في الصيغ الأدبية والأعمال الشعرية، وهو تتبع أدبي لآثار هذا المعنى المشروح وأوضاعه في أعمال السابقين واللاحقين من الأدباء والشعراء ويجري بموازاة ما تم عرضه في شرح مواد البيت(24)
ولقد اعتمد ابن اعجيبة في استطراداته على مجموعة من الآليات لاستحضار النماذج الشعرية وامتدادات معانيها يمكن أن نمثل لها فيما يلي:
أولا: الانطلاق من معنى البيت: لاستحضار النماذج وفق وحدة المعنى المستقطبة في الشرح، ومن نماذجه نجد البيت التالي من خمرية ابن الفارض:
ولم يبقى منه الدهر غير حشاشة *** كأن خفاها في صدور النهي كتم
يقول ابن اعجيبة: “قلت الحشاشة بقية الروح في المريض في آخر الرمق، قاله في القاموس، والنهي بالضم جمع نهية وهو العقل وهو على حذف مضاف أي أهل النهي يقول رضي الله عنه: “ذهبت هذه الخمرة في قلوب الناس، وانسلت بذهاب أهلها وماتت بموت أربابها وانسلت من قلوب الناس كانسلال الروح من الجسد ولم يبقى منها للزمان إلا نطفة ضعيفة كبقية الروح من الميت في آخر رمقه.. وفي معناه قيل:
لا والذي حججت قريش بيته. *** مستقبلين الركن من بطحائها.
ما بصرت عيني خيام قبيلة. *** إلا بكيت أجتتي بفنائها.
أما الخيام فإنها كخيامهم.*** وأرى نساء الحي غير نسائها…
وقال الشيخ أبو مدين في قصيدته رضي الله عنه:
واعلم بأن طريق القوم دراسة *** وحال من يدعيها اليوم كيف ترى
وقال في المباحث:
يا سائلا عن سنن الفقير. *** سألت ما عز عن التحرير.
إن الذي سألت عنه مات. *** وصار بعد أعظما ورفاتا.
إلا رسوما ربما لم تعف. *** وذلك ما نتبعه ونقف.
وهبك أن تظفر بالأوطان *** ما السر والمعنى سوى القطان(25)
ثانيا: الانطلاق من عبارات تحمل دلالات مثيرة، لأنها ترتبط بصيغ معينة ترسخا نماذج الاستعمال في التراث الأدبي فتكون هذه العبارات “بصورتها وسياقها منيرة للتذكر فيستهدي الذهن في لمحة الخاطر بها ولمحة الملتفت إليها لما تحمله من قوة التنبيه لاستحضار ما يأتي به تداعيها من نماذج أدبية وأخبار نكون محالا لامتداد المعنى(26) ومن ذلك ما نجده في البيت التالي من شرح قصيدة “يا من تعاظم+ للرفاعي:
يا من تعاظم حتى رق معناه *** ولا تردى رداء الكبر إلا هو
حيث يقول: “قلت يقول رضي الله عنه يا من تعاظم في شدة ظهور أنواره وتجليات أسراره فما زال يظهر للبصائر ويتجلى للسرائر حتى خفا معناه ورق عن مدارك العقول نور جماله وسناه ما احتجبت من شدة ظهوره وما منع الأبصار أن تدركه إلا قهارة نوره ولله در القائل:
لقد ظهرت فما تخفى على أحد *** إلا على أكمه لا يبصر القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجا *** وكيف يبصر من بالعزة استترا
قال آخر:
وما احتجبت إلا برفع حجابها *** ومن عجب أن الظهور تسترا
وقول الششتري في هذا المعنى:
يا من بدا ظاهر حين استتر *** ثم اختفى باطن لما ظهر
ظهرت لم تخف على أحد *** وغبت لم تظهر لكل أحد
وفي الحكم: يا من احتجب في سرادقات عزه أن تدركه البصارن ويا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته الأسرار كيف تخفي وأنت الظاهر(27) .
ثالثا: الانطلاق من قضية النحوية: وهو انطلاق استطرادي يكون مصدره ما يثيره من القضايا النحوية، ومنه قوله في باب الأفعال ووجه الانحصار في الثلاثة أن الزمان الذي هو أحد مدلولي الفعل إما أن يكون معنى وقته أو حاصرا أو مستقبلا بفتح الباء على المشهور والقياس كسرها اسم فاعل لأن الزمان هو المنصف بالاستقبال أو الماضي أو الحال ومما يؤيد الانحصار في الثلاثة قول زهير:
واعلم علم اليوم والأمس قبله *** ولكنني عن علم ما في غد عمي
وقال آخر:
هل الدهر إلا اليوم والأمس أو غد *** كل الدهر فيما يتينا يتردد(28)
رابعا: الاكتناز:
ونعني به الفيض الدلالي والتكثيف التعبيري الذي طبع الشروح الصوفية عامة بما فيها شروح ابن اعجيبة الفيضية، إذ توسل ابن اعجيبة بمجموعة من الأدلة المستقاة من الفكر الصوفي في أرقى مستوياته؛ هكذا نجد ابن اعجيبة يقدم مجموعة من الأدلة الذوقية على ما ذهب إليه، والتي تحتوي فائض دلالي، وفيض معرفي يتطلب تشغيل المرجعية الصوفية من أجل فك سننها، كما نقرأ في باب المنادى حيث قال: “المنادى في الأزمات والمآرب خمسة المفرد العلم وهو الحق جل جلاله، وهذا هو المقصود بالذات… والنكرة المقصودة وهي سر الولاية والنكرة غير المقصودة هي الخصوصية التي بقيت على حال الخفاء، والمضاف إلى أولياء الله بالتربية والخدمة والمشبه بالمضاف وهو من تزي بزيهم وانتسب إليهم(29) .
خامسا: الإيحاء: لا شك أن الإيحاء يمارس سلطة تأثيرية على المتلقي تفوق التقرير في كثير من الأحيان وهو يعتمد على ذكاء المتلقي واستعداده لتقبل التأويل المعنى يتطابق والتأويل الذي يوح به ابن اعجيبة وهو تأويل يخضع لمنطق خاص ينطبق عليه قال الإمام الغزالي: “إن من قصر المعرفة على الحس والعقل فقد ضيق على نفسه فضيق الله عليه أو ما معناها(30) .
كما نقرأ في هذا النموذج من شرح صلاة القطب ابن مشيش على لسان ابن اعجيبة “والحاصل أن الحصر في قوله تعالى: ﴿وهو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ يقتضي انفراده بالظهور دون غيره لأن التقدير هو الأول هو الآخر هو الظاهر هو الباطن دون غيره، فكل ما ظهر فهو هو وكل ما بطن فهو هو(31) .
ويستعين ابن اعجيبة في هذه الآلية بمجموعة من العلامات توجه القارئ إلى اتخاذ قرار بعينه منها قول الشارح: “والحاصل أن…” “والتحقق به” “والتخلق به…”.

الهوامش:

  1. المنصوري عبد السلام. التصوف المغربي كما تعدمه مناقبيات ق 6 هـ ص:122
  2. نفسه. ص: 122
  3. مختار الصحاح. مادة: دل
  4. ابن اعجيبة. الفتوحات القدسية. ص: 344
  5. أحمد الطريبق. الكتابة الصوفية في أدب التستاري. 2/463
  6. ابن عربي. التجليات الإلهية. ص: 242
  7. ابن اعجيبة. تفسير الفاتحة الكبير. 1/417
  8. ابن اعجيبة. معراج التشوف إلى حقائق التصوف. ص: 77
  9. ابن اعجيبة. شرح بعض مقتطفات الششتري. ص: 175
  10. الشاطبي. الموافقات. 1/40
  11. ابن اعجيبة. شرح قصيدة يا من تعاظم. ص: 162-163
  12. ابن الخطيب. روضة التعريف. 2/676
  13. ابن اعجيبة. شرح صلاة القطب ابن مشيش. ص: 23
  14. معجم مقاييس اللغة. مادة: ذوق
  15. سورة الأعراف. الآية: 22
  16. سورة النساء. الآية: 56
  17. ابن اعجيبة. معراج التشوف إلى حقائق التصوف. ص: 91
  18. ابن اعجيبة. شرح خمرية ابن الفارض. ص: 140
  19. نفسه.
  20. ابن خلدون. المقدمة. 2/127
  21. ابن اعجيبة. شرح خمرية ابن الفارض. ص: 127
  22. المنصوري عبد السلام. التصوف المغربي. ص: 160
  23. ابن اعجيبة. الفتوحات القدسية. ص: 254
  24. المرابط الترغي عبد الله. حركة الأدب في المغرب على عهد المولى إسماعيل. ص: 896
  25. ابن اعجيبة. شرح خمرية ابن الفارض. ص: 114-115
  26. المرابط الترغي عبد الله. ظاهرة امتداد المعاني… في شرح رائية اليوسي. ص: 17
  27. ابن اعجيبة. شرح قصيدة يا من تعاظم. ص: 152-153
  28. ابن اعجيبة. الفتوحات القدسية. ص: 252
  29. نفسه. ص: 346-347
  30. شقور عبد السلام. سيرة ابي الحسن علي شقور. وإشكال ترجمة المتصوف. ضمن ندوة أبو الحسن الشاذلي وتراثه. ص: 178
  31. ابن اعجيبة. شرح صلاة القطب ابن مشيش. ص: 36

شارك برأيك