صراع النخب .. وإشكالية اللغة

د/ عبد المنعم نعيمي كلية الحقوق- جامعة الجزائر 1.
د/ عبد المنعم نعيمي
كلية الحقوق- جامعة الجزائر 1.

تطرح اللغة في الجزائر إشكالا مُتشعبا غاية في الخطورة؛ لأنه ببساطة يكشف عن عمق الأزمة الآسنة التي تتخبّط فيها هويتنا، ونُدير لها أظهرنا بمقترحات عرجاء لا تكشف عن إحساسنا العميق بخطورة تركها دون حلول حقيقية، تكون أكثر فاعلية مما نسمعه ونراه اليوم.
الغرب “عدونا العقدي” دعا إلى مشروعه للحوار الديني والتقارب الحضاري (حوار الحضارات أو حوار الأديان)، وأخذ زمام المبادرة فيه، وقطع فيه أشواطا ومراحل معتبرة؛ حتى يتجاوز – بزعمه – المجتمع الإنساني صراعه باسم الدين وصدامه باسم الحضارة، والغرب بذلك يطمح لتحقيق أهدافه الإستراتيجية في إدامة تميّز دوله وتفرّد مجتمعاته بعوامل الإرتقاء الحضاري، على حساب ديننا وهويتنا وثقافتنا.
ونحن العرب والمسلمون مازلنا نقبع في غياهب جبّ الصراع الفكري الذي انتقل للعلن، وصار – للأسف – صراعا نخبويا يكشف عن عور بعض نخبنا التي تُخطّط وتُسيّر، وصراعهم حول الهوية بمقوماتها وثوابتها المختلفة.
إن اللغة في الجزائر كمقوم من مقومات الهوية الوطنية، تطرح عديد الإشكالات التي يُمكن احتواؤها تشريعيا وأكاديميا دون أن تُخلف لنا أزمة مُفتعلة، لكن أن نختلق أزمة لا داعي لها، ونفتعلها لحاجة في نفوس أصحابها، فنُروج مثلا للعامية كأداة تواصلية بغرض التعليم والتلقين المعرفي والتربوي، مع ما يخلقه ذلك مستقبلا من تأثيرات سلبية على المستوى اللغوي للتلاميذ فضلا عن مستوى تحصيلهم العلمي؛ فهذا أمر يحتاج إلى إعادة نظر، وترك التسرّع غير المدروس لإعلان أيّ قرار رسمي قد لا يخدم قطاع التربية والتعليم لا حقا، وقطعا لن يخدمه.
قَمِنٌ بهؤلاء أن يرعوي عن شُغل المجتمع بإصلاحات لا طائل منها ولا مُبرّر لها، حقيق بهم أن يشتغلوا بإيجاد الحلول للأزمات الحقيقية التي يُعاني منها التلميذ الجزائري الذي صار مرتعا لتفريخ ما خفي من صراعات أيديولوجية لمن يُوصف بالنخبة طليعة الأمة وأنتلجانسيا الدولة.
من وجهة نظري، أرى أن إثارة ملف تدريس العامية وثيق الصلة بصراع نخبوي حول الهوية، يعكسه صراع من اعتاد لسان الدارجة العامية وأتقن لغة “فرنسا” أو كاد يُتقنها، لكن على حساب لغته العربية الرسمية، مع من يُتقن جميعها دون أن ينسى لغة دينه التي نزل بها القرآن وحَكَمَ بها النبي عليه الصلاة والسلام.
للأسف عندما نفتح ملف الهوية في الجزائر ونطرح إشكالات اللغة كأحد مقومات هويتنا؛ نكتشف هذا الصراع المقيت، نعم من حق كل طرف أن يطرح رأيه ويُبدي وجهة نظره، لكن دون مبالغة نضعها في خانة الأزمة المفتعلة التي تُظهر تردّي الإصلاح التربوي والتعليمي في بلد العلماء وأرباب السلوك والتربية.
هنا نطرح سؤالا: كنا نتلقى الدروس باللغة العربية أيام الزمن الجميل للمدرسة الجزائرية، فماذا جرى الآن لنستبدلها بلغة العوام التي أجدها تستوعب لغة الأسرة ولغة الشارع بمفهومه الإيجابي ؟. ثم هل الجزائر في حاجة إلى خلق أزمة هي في غنى عنها في ظلّ التحديات التي تنتظرها زمن التقشّف ؟. بل هل التلميذ الجزائري معني بصراع نخبوي لا ناقة له فيه ولا جمل ؟.
وللتوضيح، لست أعني هنا إشكالية اللغة الأمازيغية فهذا موضوع آخر، ومطلب آخر من المطالب الرسمية التي لا تُلغي اللغة العربية أو تُحاصرها..إلا بافتعال ذلك وتَقَصُّدِهِ. إن محاولة التيار الفرنكوفوني تهميش اللغة العربية ومحاصرتها في المشهد الرسمي التربوي والتعليمي وغيره ليس بالجديد، غايته معلومة، ورؤوسه معروفة، وخلفياته غير مجهولة.
نحن لسنا ضد تشجيع الإنفتاح على اللغة الفرنسية أو غيرها، لكن نحن ضدّ أن يتمّ ذلك على حساب هويتنا اللغوية، خاصة وأن أهل الإختصاص قد ذكروا سلبيات التدريس باللغة العامية الدارجة. والسؤال: أليس تدريب الطفل المتمدرس على تعلم اللغة العربية أحد الأهداف الرئيسية من وراء العملية التعليمية الموجهة لتلميذ الإبتدائي في سنواته الأولى داخل الموقف التعليمي والتربوي (المدرسة) ؟.
فما ذا يضرّ إذن أن يتعلّم التلميذ لغة قرآنه ودينه، مع الاشتغال بتعلّم لغات عالمية أخرى يتفتّح بها عقله وتتسع بها مداركه ؟. وهنا أفتح قوسا لأقول لمن يخجل بعربيته اللغوية، شرف لك أن تتعلم اللغة التي نطق بها أشرف خلق الله تعالى، ونزل بها أشرف كتاب على وجه هذه البسيطة، بل هي لغة مع قداستها وحرمتها الشرعية، لغة محترمة جدا، لا تبعث على الخجل.
للأسف أجد أن طرفا من دعوات التمدّن والتحضّر المؤسّس على فكر النخب الفرونكفونية لا يتجاوز ثوابت المجتمع ذات الصلة بهويته الدينية واللغوية إلا ونجد هذه الدعوات لا تتحرّج من التشكيك أو الطعن في هذه الثوابت، في صورةٍ تكشف اللثام عن صراع بين النخب الفكرية، وإن حاول بعضهم تكذيب مثل هذا الصراع أو التشكيك في وجوده.
منتهى الكلام، أنْ رفقا بأبنائنا، أبعدوهم عن صراعاتكم الآسِنَة وأطروحاتكم اللّقسة، مرحبا بإصلاح المدرسة الجزائرية الذي لا يُشاكس المجتمع في ثوابته ويصارعه في هويته. إنّ أمة لا تُحسن صناعة أجيالِ مُستقبلها صناعةً تعليميةً وتربويةً؛ فرصها في اعتلاء مراقي التميّز الحضاري تظلّ ضئيلة، ومن صارع أمة في ثوابتها وهويتها صُرِع.

12 تعليقا على “صراع النخب .. وإشكالية اللغة”

  1. أرجو من الإخوة الكرام التفريق بين ” الفرنكفونيون” و” الفرنكفوليون” فأمّا المصطلح الأوّل فهو للدّلالة على من يجيدون اللغة الفرنسية من غير الفرنسيين وخارج حدود الدّولة الفرنسية، وأمّا المصطلح الثاني فمعناه الأفراد الّذين يعشقون اللّغة والثّقافة الفرنسية ويسعون في نشرهما ما أمكنهم ذلك من غير الفرنسيين
    وهذا أوّل أسباب اللّبس،كما أنّ الموضوعية تقتضي القول بأنّ الفرنكفونيين خدموا اللّغة الفرنسية والدّليل على ذلك هو أنّ “كاتب ياسين” هو أوّل كاتب أمازيغي عربي يدرج الثقافة الشعبية المغاربية في الأدب الفرنسي،بالإضافة إلى رشيد بوجدرة ، ومالك حداد ، وطاهر جاوت كلّهم أحبّوا اللّغة العربية ودافعوا عنها ومع ذلك لم يسلموا من تهجّم المتعصبين الّذين تتبرّأ منهم لغة الضاد نتيجة خدلانهم لها وخيانتها كما يتبرّأ القرآن الكريم من نفاق الأعراب وكفرهم.

    1. شكرا على الإفادة وعلى مرورك أخي وتفاعلك وتجاوبك..
      ما قلته صحيح، لكن حتى لا يتشعب بنا الكلام..على من يكتب بلغة الضاد أو لغة الآخر (فرنسية كانت أو غيرها) أن لا يتجاوز ضوابط الدين (أقولها من غير تعصب، ولسنا من هواة التعصب)، كذلك مع مراعاة أدبياتنا الثقافية والعرفية حتى لا نقع تخت طائلة المساءلة الدينية (ونحن مسلمون ولا أقول إسلاميين)، ندعوا إلى الاعتدال لا التعصب، لكن دون السماح بالتهكم على هذا الدين الذي فيه عزتنا وبه تتحق رفعتنا.
      – ألم يكن مالك بن نبي فرنسي اللسان والقلم، لكنه أحب العربية وحاضر بها بكل طلاقة وحب، وكان حداثيا دون المساس بثوابت الدين فيما أعلمه عنه رحمه الله ؟
      حقيقة، أشكرك مرة أخرى على تعاطيك الإيجابي والفعال..

  2. ان واقع صراع المعربين والمفرنسين في الجزائر ليس ثقافي ايديولوجي في جوهره بينما هو صراع حول النفوذ والمصالح ،ذلك ان لا المعربين عملوا على نشر العربية وفكرها انما دخلوا في صراع لضرب الفرنسية بالتهجم على حامليها ،والشئ نفسه قام به المفرنسون لم يقدموا شئ للفرنسية بل كانت معاركهم في اتهام العربية وثقافتها بالرجعية والتخلف ،كل هذا ادى الى انتاج واقع لغوي وثقافي ضعيف ،لا ثقافة عربية موجودة ولا فرنسية توطنت ، ولو تجنبت نخبنا المختلفة الاخذ في صراعها هذا المسار لكانت بئتنا الثقافية اكثر ثراء وتطور ولا وصلنا الى تعايش يخدم الثقافة الوطنية ويعززها ى

    1. أخي العزيز،،
      اليوم الصراع الأيديولوجي حقيقة لا مناص من ذكرها..(وعذرا أقول: لا يُثيرها)
      للأسف بعض أنصار التيارين نقلوا رؤيتهم ومواقفهم إلى مرحلة نحن في غنى عنها في بلد كالجزائر، يفترض أن تتعايش فيه الثقافات واللغات..لأننا ببساطة كلنا جزائريون؛ يجمعنا وطن واحد..
      للأسف البعض القليل من المفرنسين يمقتون العربية ويرونها لغة التخلف التي لا تقاوم الحداثة كالفرنسية مثلا..والسؤال: هل جميع من يعتبرون أنفسهم فرونكفونيي اللغة والفكر لا يحبون االعربية وينتقصون من قيمتها ؟ والجواب: قطعا لا..
      بدليل: أن من العلمانيين والحداثيين بل وحتى الملحدين الفرونكفونيين والشيوعيين من يحسن لغات أخرى؛ لكنه يرى شرفا في المحافظة على هويته اللغوية (العربية وحتى الأمازيغية)، ولا يرى طائلا للصراعات الأيديولوجية التي تهين لغة الضاد وتُنكر فضل غيرها من اللغات في صناعة الحضارة والارتقاء بها..
      وأوافقك الرأي أننا لم نقدم الكثير لما نتصارع حوله ونتنازع..
      شكرا مرة ثانية على تفاعلك وتجاوبك ومرورك

    2. بسم الله ابدأ
      إن الصراع القائم بين العربية والفرنسية له أبعاد أو بصريح العبارة من أراد بينا سوء حيث ظلوا يسوموننا في لغة قرأنينا التى هى من أركان شخصيتينا لسنا ضد اللغة الحية التي هي مصدر العلوم لي اننا نحن العرب من رواد اللعلوم أن كان من يرد يمحو العربية بمجرد أنه يولي اهتمام لي للغة ما فهذا رأيه نحن مسلمون نتشرف بلغتينا التي أصبحت تدرس في أكبر الجامعات العالمية وهنك من يسوق لغة فلتر لغية في نفسي يعقوب

  3. ما للمعربيين يلصقون بظهور الفرنكفونيين ضعف مستواهم الفكري وخدلانهم للغة الضاد؟ إنّ الفرنكفونيون ليس لهم دخل في تدنّي مستوى اللّغة العربية من منظوري الشّخصي، فهم يؤمنون بأفكار غير أفكار المعربين فيخدمونها قلبا وقالبا.إنّما العيب في المعرّبين أنفسهم فعوض أن يقدّموا دفعا للّغة العربية من خلال اجتهادات رصينة، تجدّهم ينهشون لحوم بعضهم بعضا، فالعربية بريئة منهم ومن أمثالهم وقد صدق أحد الوجوه المحسوبة على لغة الضاد والّذي هو من طينة أصيلة غير طينة الحثالة الّذين شوّهوا العربية حينما قال ” في كلّ الجامعات والكلّيات تجد الحساسيات إلاّ عند المعربين فكلّهم حسديات” ولمن لم يفهم هذا القول جيّدا فليعش ثلاثة أيام في جوار المعربين فإنّه لا يرى من أكثرهم إلاّ النّفاق والتّملّق.

    1. بداية، شكرا على تفاعلك وتجاوبك أخي الكريم،،
      ربما أنت تقصد المعربين المنغلقين الذين لا يرون ضرورة للتفتح على اللغوي الآخر إن صحت مني العبارة، أولئك الذين لعبت السياسوية (حتى لا أقول السياسة) بعقولهم فأقحوموا صراعاتهم السياسوية في المنظمومة التربوية والتعليمية..هؤلاء لا ولن يخدموا العربية أبدا..
      أما من يدعوا للمحافظة على العربية كهوية ذات بصدق وإخلاص دون إثارة للنعرات (والحسدات كما سقت)، مع تشجيع الانفتاح اللغوي على بقية لغات العالم..فهذا المأمول عندنا تحققه..
      مرة أخرى شكرا على هذه الرؤية التي طرحتها

  4. الأستاذ بن زازي إبراهيم، شكرا على هذه الإضافة المهمة جدا. لقد لخصت لنا إشكالية التعدد اللغوي في الجزائر. مشكور على ذلك جزيل الشكر

  5. إن المسألة اللغوية في المجتمع الجزائري تتسم بالتعقيد والتداخل، نظرا لتعدد وتنوع العوامل المساهمة في ذلك، فوجود سياقات كثيرة أثرت على المسار اللغوي وعلى بنائه أيضا شكلت ثلاث فضاءات لغوية في المجتمع الجزائري كما ذهبت إلى ذلك “خولة طالب إبراهيمي”، فالفضاء العربي وهو المنتشر عددا و جغرافيا، و يمتاز بتعددية مرتبطة باستخدام اللغة العربية الفصحى باعتبارها لغة المدرسة، و التعامل الرسمي، إلى جانب تعدد في اللهجات المختلفة والمتداولة بين عامة المتحدثين في المجتمع (الفضاء الشرقي، الفضاء الغربي، الجنوب، العاصمي)، أما الفضاء أو المجال الثاني هو الفضاء الأمازيغي، وهو الآخر يطرح مسألة التعددية بحكم أنه يعرف تنوعا لهجيا (الشاوية، القبائلية، المزابية، الترقية…) هذا إلى جانب اللغة الأجنبية والمتمثلة في الفرنسية خاصًة، وهو الفضاء الفرانكفوني.

اترك ردا