قراءة في ترجمة الثقافة ضمن النصوص الأدبية في ضوء مقاربة التكافؤ … علال سميرة دليلة

علال سميرة دليلة: باحثة دكتوراه العلوم – جامعة الجزائر 2 – معهد الترجمة

يتناول هذا المقال موضوعا من المواضيع المنصبة في سياق الترجمة ألا وهو موضوع ترجمة العناصر الثقافية الواردة ضمن النصوص الأدبية على وجه الخصوص، لما يحمله هذا النمط من النصوص من ارتباطات وثيقة بمبدأ الثقافة.
فمن المعلوم أن النص الأدبي نثر كان أم شعر يعكس إلى حد كبير ثقافة مؤلفه أو حتى البيئة التي يعيش فيها، لذلك ارتأينا إبراز العلاقة القائمة بين اللغة و الثقافة كون اللغة هي أداة الترجمة، و الترجمة هي أداة لتبليغ و نقل الثقافة أيضا.
و نظرا لاهتمام الدارسين في حقل الترجمة بالثقافة و اللغة على حد سواء، عمل الكثيرون منهم على إرساء نظريات ترجمية اتخذت من ترجمة المقومات الثقافية الواردة في النصوص مبدأ لها لطرح الإشكال حول المناهج و الآليات المتبناة من أجل نقل هذه الثقافة من لغة إلى أخرى بكل أمانة.
فمن يتحدث عن ترجمة الثقافة لابد عليه من التطرق إلى نظرية أوجين نيدا لمبدأ التكافؤ، التي تعد من أهم النظريات في هذا السياق، لذا قمنا بدراسة كل هذه العناصر مع التطرق إلى نظرية التكافؤ من خلال اتخاذ عينة من الأقوال المأثورة التي تعد وجها من وجوه الثقافة بامتياز للإحاطة بشكل وجيز بهذا الموضوع الثري مع آمالنا في المشاركة في خدمة مجال البحث في الترجمة.

كانت الترجمة و لاتزال على مر الزمان أداة تواصل و اتصال دائمين بين الشعوب بالرغم من اختلاف ثقافاتها و لغاتها، لذا تظهر أهمية الترجمة كونها الجسر الرابط بين الثقافات ساعية بذلك إلى توسيع الفكر الإنساني و الحضاري من أجل الارتقاء بالفن و الأدب و الحضارة و العلم ككل متجاوزة جل العوائق البيئية و الإيديولوجية و الاجتماعية.
فهي نشاط فكري و لغوي يلبي حاجة الأفراد في التواصل الدائم، باتت اليوم من ضروريات العصر في ظل التطور التكنولوجي و العولمة، باعتبارها نافذة الانفتاح على الآخر للتعرف على ثقافته و التعريف بالذات أيضا.
و لما كانت الثقافة مرتبطة باللغة بشكل مستمر كونها الأداة التي تعبر عنها و تجسد رموزها المعروفة لدى متكلّميها، فقد ارتأينا إلى دراسة هذا الشق المهم و الذي يندرج ضمن العملية الترجمية مع إبراز العلاقة القائمة بين اللغة و الثقافة.
و لعل خير دليل على تعبير اللغة عن الثقافة هو النص الذي يعد التجسيد الفعلي للغة و تحديدا النص الأدبي حيث نجد المقومات الثقافية للغة ما واردة بكثرة نظرا لارتباط الأدب بالثقافة و انعكاسها على مجمل نصوصه كالروايات و القصائد الشعرية و غيرها.
فالنص الأدبي ذلك النص المفعم بالتعابير المجازية و البلاغية و الخيال هو أفضل تجسيد للثقافة، لذا اهتم العديد من النقاد و اللسانيون بظاهرة اللغة و الثقافة و كذا كيفية ترجمتها ضمن النصوص الأدبية .
و لعل من أبرز المنظرين الدارسين لظاهرة ترجمة الثقافة و المركزين على مهمة المترجم في هذا السياق هو أوجين نيدا الذي سخّر جزءا هاما من أبحاثه في هذا المجال لاسيما نظرية التكافؤ بأنواعه و التي كانت مرجعا هاما لترجمة العديد من الأعمال الأدبية و حتى الدينية كالكتب المقدسة .
إذ سنحاول من خلال هذا المقال الإحاطة بهذا الموضوع عبر دراسة العلاقة بين كل من الثقافة و اللغة وفق آراء الباحثين اللغويين و الأنتروبولوجيين.
كما سنسلط الضوء على دور المترجم الرائد في النقل الثقافي و كذا دراسة نظرية نيدا للتكافؤ مع القيام في ترجمة الثقافة.

1- اللغة: أداة للتعبير عن الثقافة.
تعتبر لفظة “ثقافة” شائعة التداول طالما ارتبطت بمفهوم العلم و التطور، فماهو أصل هذه اللفظة و إلى أي مدى ترتبط باللغة؟
يرجع أصل لفظة ثقافة في اللغة العربية إلى الفعل الثلاثي “ثقف” بضم القاف و كسرها، و يعبر هذا اللفظ على عدة معاني كالحذق و الفطنة، و الذكاء و سرعة التعلم و التأديب و التهذيب و العلم و المعارف و الفنون.
قال ابن الفارس: “ثقف” الثاء و القاف و الفاء كلمة واحدة إليها يرجع الفروع و هو إقامة درء الشيء، و يقال: ثقفت القناة إذا أقامت عوجها.
رجل ثقف لقف، و ذلك أن يصيب علما ما يسمعه على استواء”1
و في تهذيب اللغة يقول ابن السكيت: “رجل ثقف لقف إذا كان ضابطا لما يحويه قائما به. و يقال: ثقف الشيء و هو سرعة التعلم”2
و قد استعمل العرب قديما هذه اللفظة التي وردت بكثرة ضمن قصائده الشعرية كقولهم ” ثقف السيف”،
فهذه اللفظة وجدت منذ القدم و اتخذ معناها عدة توجهات فيما بعد.
أما من الناحية الاصطلاحية فيقصد بـ”الثقافة”
“الرقي في الأفكار النظرية و ذلك يشمل الرقي في القانون و السياسة و الإحاطة بقضايا التاريخ المهمة و الرقي كذلك في الأخلاق أو السلوك و أمثال ذلك من الاتجاهات النظرية “3
و هي أيضا “جملة العلوم و المعارف و الفنون التي يطلب الحذق بها”4
« Cultura »انتقلت هذه اللفظة من أصلها اللاتيني
و التي تعني حرث الأرض و زراعتها و اصلاحها، من الناحية الإيتيمولوجية، وبعدها انتقلت هذه اللفظة من لغة إلى أخرى و اكتسبت دلالات جديدة لاسيما ضمن اللغة الألمانية حتى فترة ما بعد الحداثية حيث أصبحت تشكل الفكرة الأنتروبولوجية ككل مركب عند تايلور و مدرسة فرانكفورت مع أدرونو و هورهايمر و غيرهم

.
Culture يعتبر سلامة موسى أول من أدخل لفظة “ثقافة” في اللغة العربية كمقابل للفظة
تعني الثقافة حسبه “المعارف و العلوم و الآداب و الفنون يتعلمها الناس و يتثقفون بها، و قد تحتويها الكتب و مع ذلك هي خاصة بالذهن.أما الحضارة ف مادة محسوسة في آلة تخترع و بناءا يقام و نظام محسوس يمارس، و دين له شعائر و مناسك و عادات و مؤسسات، فالحضارة مادية أما الثقافة فذهنية”5

أما عند مفكري العصر الحديث أمثال المفكر الجزائري مالك بن نبي و الذي تناول مفهوم الثقافة على نطاق واسع ضمن مؤلفه “مشاكل الثقافة” أحد المراجع الهامة في سياق الدراسات الحضارية و الثقافية، إذ يعرفها على أنها:
” مجموعة من الصفات الخلقية و القيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته و تصبح لاشعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه، فهي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه و شخصيته”6
فهنا نرى أن مالك بن نبي ربط مفهوم الثقافة بالوسط أي بالعالم الخارجي الذي ينشأ فيه الفرد و يتخذ منه كافة الصفات و الأخلاق و التصرفات التي تساهم في بناء شخصيته و كذا ثقافته.
لذلك فصل بين العلم و الثقافة قائلا: “إن العلم يعطي المعرفة، إنه يعطي اللياقة و المهارة، وفقا للمستوى الاجتماعي الذي يتم عليه البحث العلمي، و العلم يعطي امتلاك القيم التقنية التي تولد الاشياء، و الثقافة تعطي العلم، تعطي السلوك و الفن الذاتي الذي يتواجد على كل مستويات المجتمع و النتيجة هي أن العلم و الثقافة ليسا مترادفين”7
فكيف تستطيع اللغة أن تعبر عن ثقافة شعب ما و إلى أي مدى ترتبط هتين الظاهرتين الاجتماعتين؟

تعد اللغة الأداة الاتصالية الأكثر فعالية في المجتمع فلطالما ارتبطت بمفهوم الثقافة منذ القدم، إذ يرى أنصار الحركة الرومانسية أمثال هامبولت أن اللغة ليست فقط باعتبارها واحدة من بين العديد من السمات الثقافية بل كوسيلة للتعبير المباشر عن الطابع الوطني للشعوب.
كما يرى فرانس بواس مؤسس الأنتروبولوجيا الأمريكية كغيره من الباحثين الألمان
أن اللغة المشتركة بين المجتمعات هي الناقل الأساسي لثقافتهم العامة” و كان بواس من بين المدركين و المقرين على أنه من غير الممكن دراسة ثقافة شعب ما دون التعرف على لغته.

من غير الممكن ربط الثقافة باللغة و جعل كل منهما يعتمد على الآخر بل على العكس، و خير دليل على ذلك وجود جماعات بشرية ذات ثقافة مشتركة إلا أنهم يختلفون في اللغة لذلك رفض بواس أن تكون هناك علاقة سببية بين هذين المفهومين.
من جهة أخرى، و كون أصل اللغة يرجع إلى قدرة الإنسان على التواصل من خلال رموز معقدة، فغالبا ما تشترك اللغة و الثقافة في ذات الأصل حيث يمكن اعتبارهما يشتركان في عملية التواصل و الاتصال من خلال استعمالهما لرموز معينة لبناء الهوية الاجتماعية و تطوير الفكر و الحفاظ على البنية الاجتماعية فكلاهما نظامين رمزيين.
و نظرا لهذا الاعتبار اتخذت النظرية اللغوية لاسيما النظرية البنيوية الذي وصف من خلالها فيرديناند دي سوسور الأنظمة الرمزية على أنها تتألف من إشارات مزاوجة بين شكل معين ذو معنى خاص، إذ يتم تطبيق هذه النظرية في الدراسات الثقافية، و يمكن تفسير التشابه بين اللغة و الثقافة حسب هذه النظرية كونهما تشتركان في العلامة اللغوية و الإشارة الثقافية.
« La langue et culture sont deux modalités parallèles d’une activité fondamentale : je pense ici à cet être présent parmi nous, bien que nul n’ait songé à l’invité à nos débats : l’esprit humain “8
ترجمتنا:
” تمثل اللغة و الثقافة شكلين موازيين للنشاط الأساسي: أفكر هنا في الروح البشرية:
هذا الكائن الحاضر بيننا رغم أن أحدا لم يقم بدعوته إلى أحاديثنا”
فاللغة و التي تعتبر مجموعة معينة من قواعد الكلام في مجتمع معين، هي جزء من ثقافة ذلك المجتمع بل هي الأداة التي تعبر عنه، وخير دليل على ذلك جل ما ينتجه الكتاب و الشعراء من خلال كتاباتهم التي تعبر عن تجاربهم الاجتماعية و التي تتجسد من خلال اللغة.
« la culture possède une architecture similaire à celle du langage, l’un et l’autre s’édifient au moyen d’oppositions et de correlations, autrement dit de relations logiques »9
ترجمتنا:
“تملك الثقافة هندسة مشابهة لتلك الخاصة باللغة فكلاهما ينشأ من خلال معارضات و علاقات مشتركة أو بعبارة أخرى علاقات منطقية”

يستوعب حتما المترجمون وجود صعوبات متعلقة بالثقافة، حيث شغلت دوما إشكالية ترجمة الثقافة أذهان الدارسين للحقل الترجمي حول إمكانية توفق المترجم في ترجمة الثقافة المتضمنة داخل النص الأصلي، و ما الذي يتوجب عليه اتباعه لتخطي العقبات التي تفرضها ترجمة هذه الأخيرة؟
لم تهمل نظريات الترجمة دراسة الجانب الثقافي من النصوص المترجمة، على غرار نظرية المعنى أو النظرية التأويلية كما يروق للبعض تسميتها، التي اعتبرت النص هذا المخزون الذي يولّد لدى مؤلفه و قارئه معرفة مزدوجة لسانية و معرفية في آن واحد، فالنص بصفته بنية كبرى لنظام لساني معين على حد رأي رولان بارث، يستدعي موضع تواصل و رسالة موجهة من مرسل إلى متلقي.
و يقصد بالنص في هذا السياق احتوائه على رسالة و هدف تبليغي بالدرجة الأولى، يكون موجه من مرسل غلى متلقي أي هو عملية اتصالية بامتياز تقتضي حضور المرسل و هو كاتب النص أو مترجمه و متلقي الذي يتلقى بدوره النص لتتم العملية الاتصالية بنجاح، و قد كان المنظور الاتصالي لرومان جاكبسون أحد المراجع الهامة التي تطرقت إلى هذا المفهوم بعمق حسب نظريته لوظائف اللغة.
كما يعتبر النص عند أمبيرتو إيكو واحدا من بين الإنتاجات الأكثر دلالة التي تستحق العناء و الترجمة، باعتباره نسيجا مفتوحا من الرموز يشكل كلا متجانسا و يحدد بذلك قارئه الافتراضي.
فمن المؤكد أن القارئ ذلك المتلقي للنص أو حتى لترجمته يشكل عنصرا اساسيا في تحديد مسار العملية الاتصالية بل هو العنصر المقصود من خلال الترجمة و الكتابة.
و لهذا تعتبر ترجمة العناصر الثقافية ضمن نص ما واحدة من بين أهم تحديات المترجم الذي يصادف في الكثير من الأحيان عقبات جمة بفعل الاختلافات الثقافية و الفكرية القائمة بين اللغتين المنقول منها و المنقول إليها، نظرا لمساهمة اللغة بشكل فعال في التنوع الثقافي و الاجتماعي، فكان التوجه دوما سائدا في اللغويات الاجتماعية مركزا في أساسه على دراسة اللغة كأداة معبرة عن الواقع الاجتماعي إذ تضطلع اللغة بدور أساسي في تشكيل هويات الأفراد و تشكيل الملامح الثقافية لجماعات و مجتمعات بالكامل.

« Une langue peut être considérer soit comme un produit de la culture ordinaire dans laquelle elle est en usage, soit comme une partie de cette culture, soit comme une conditions de celle-ci. Elle en ai le produit en ce qu’une partie de son lexique reflète les réalité propres à la société ou il est en usage »10
ترجمتنا:
“يمكن للغة أن تعتبر كإنتاج سواء للثقافة البسيطة التي تستعملها أو كجزء من هذه الثقافة أو كشرط من شروطها فهي إنتاج يعكس جزءا من معجم الحقائق الخاصة بالمجتمع التي تعبر عنه”.

2-الترجمة : بوابة الانفتاح الثقافي و الأدبي
لطالما ارتبطت الثقافة و اللغة بظاهرة الترجمة لأن الأمر هنا يتعلق بترجمة الجانب الثقافي من النصوص حيث تأتي هذه الأخيرة في سياق التعبير الفني عن المنظومة اللغوية التي تمتلك خصائص ثقافية معينة تميزها عن باقي اللغات، إضافة إلى أنها تحظى ببعد إيديولوجي معبّر عن ثقافة ما، فاللغة هي بوابة التواصل و الانفتاح على الآخر للتعرف عليه و الاطلاع على ثقافته، مبرزة دورها التفاعلي و التواصلي معا، متخذة من الترجمة قناة تواصلية تقرب الشعوب من بعضها البعض من خلال الاطلاع على فكرها و مؤلفاتها وخبراتها، و لعل الثورة الاتصالية التي يشهدها العالم اليوم جاءت داعمة لهذه العملية.

أما الترجمة الأدبية، تلك الترجمة إبداعية كانت أم نقدية تحمل في طياتها نقلا لنص أدبي من سياق ثقافي إلى آخر يختلف عنه، فهي ظاهرة من الظواهر المميزة للحركة الثقافية و الاسهام في تنميتها.
ترجمة الأدب اليوم من أهم السبل المغذية لتطور الفن و الابداع و التعبير عن الثقافة، تكرس نصوصها لإدراج حوار ثقافي و معرفي يغدو رديفا للتواصل الأدبي، فهي اليوم تعرف ازدهارا كبيرا عند الدول الغربية إذ يمكن للقارئ الاطلاع على رواياته المفضلة بعدة لغات و هو أمر محفز على المطالعة و التلاقح الفكري.
” الترجمة جسر يربط بين الثقافات المختلفة كما أنها تعتبر الوسيلة التي نتمكن بواسطتها من الاطلاع و معرفة أحدث ما توصلت إليه الدول المتقدمة من المجالات العلمية و التكنولوجية و مختلف ميادين المعرفة و الآدب و الفنون”11
فبذلك تنطوي ترجمة الأدب على عدة أبعاد منها:
-البعد التواصلي: كونها أصبحت أداة لخلق التواصل بين المؤلف و القارئ، ضمن سياق أدبي ثقافي مثّله النص المترجم.
-البعد الجمالي: و نقصد هنا جماليات الأسلوب الذي ترقى به الترجمة في جل النصوص الأدبية، تسعى بذلك إلى خلق صدى ضمن السياق الثقافي و الأدبي المترجم له، و ما جلبته من جماليات فنية جديدة أضفت تلاقحا ثقافيا و انفتاحات فكرية و فنية جديدة لم تكن معروفة لدى المتكلمين الأصليين لهذه اللغة.
و لذلك ينشئ بعض الاختلاف في المفاهيم الذي يخص المصطلحات لاسيما إذا وجدت هناك مصطلحات تنفرد بها لغة الانطلاق، مما يبرز هنا إشكالية البحث عن التكافؤ و التطابق ضمن المفاهيم و المصطلحات.

لقد برهن المترجمون الأدبيون في الكثير من النصوص دورهم في خدمة الترجمة لعلم المصطلح بل وإثرائها له من خلال إدراج مصطلحات جديدة في كل مرة يترجَم فيها نص مختلف عن الآخر لاسيما ثقافيا، نظرا لارتباط النص المترجم بالسياق الاجتماعي و الثقافي العام المحيط به.
فمن يطّلع على الأدب المشرقي المعاصر مثلا يجده يختلف عن الأدب الغربي نظرا لاختلاف البيئتين الكتابيتين.
لذا تبقى الترجمة قناة للحوار الثقافي و حوار “الأنا” و الآخر” مهما كانت الاختلافات الكائنة بين الثقافتين.
فبذلك سمحت الترجمة للناطقين بمختلف اللغات بالانفتاح على العالم و باكتشاف الآخر الغريب و المختلف عن الذات، و بالتعرف أيضا على مختلف الطبوع الفنية و الأجناس الأدبية من روايات و قصص و أشعار و مسرحيات.
كانت من قبل الأعمال الأدبية حبيسة رفوف المكتبات محصورة قراءتها على الناطقين الأصليين باللغة، إلا أن الحركة الرائدة التي عرفتها الترجمة أبت إلا أن تحرر كل هذه الأعمال و تمنحها صدى جديد من خلال توسيع مقروئيتها.
فالاختلاف القائم بين اللغات لم يكن عائقا أمام إرادة المترجمين لترجمة الروائع الأدبية و النصوص الثقافية و إعادة كتابتها بلغات شتى، حتى أن الدرس الترجمي تناول مفهوم الثقافة و ثنائية الترجمة و الثقافة نظرا لارتباط كل مفهوم بالآخر.
إذ تعتبر الترجمة همزة الوصل الأكثر فعالية بين الثقافات بل الجسر الرابط بينها، كون الاختلاف لا يكمن فقط في الألفاظ و العبارات بل يمتد إلى التراكيب الصوتية و المعجمية، كما تستوجب ترجمة نص ما نقل كافة المقومات الثقافية الواردة ضمن النص و المرسخة في الذاكرة الجماعية للناطقين بهذه اللغة.
يقول الأستاذ وديع فلسطين في هذا السياق: “الترجمة ضرورة إنسانية لابد منها، لأن شعبا مهما بلغ من الرقي و الثقافة لا يستطيع أن يستغني بتراثه الخاص، عن التراث الإنساني العام، الذي تتمثل فيه آداب الشعوب الأخرى”12

لمّا كان الإنسان اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش في معزلة عن العالم، منغلقا على ذاته، بل بات اليوم من المستحيل ذلك، كون العالم يعرف ثورة تكنولوجية منقطعة النظير تتطلب من كافة مستعملي اللغة من منظرين و مترجمين إيجاد سبل جديدة لنقل الثقافات و المحافظة على الموروث الثقافي العالمي من خلال ترجمته و تجديده المستمر فهي التي تعطي حياة جديدة للعمل الفني حتى و إن مرت سنوات على كتابته.
لذا يجمع جل الباحثين على أن الترجمة الأدبية و بصفتها تختص بنقل الإيحاءات و المعاني الضمنية من النص المصدر إلى النص الهدف، تسعى دوما إلى البحث عن التكافؤات التي قد لا توجد في اللغة المتلقية على المستوى الدلالي و الضمني و الثقافي.
من الواضح أن الترجمة الأدبية ليست نقلا مباشرا للألفاظ و المعاني و لا يمكنها أن تكون كذلك، لأن طبيعة النص لا تسمح بذلك، إنما هي إبداع يقود النص إلى عالم كتابة جديد، و إلى فضاء ثقافي مختلف عن الفضاء الأصلي، وفق ما حدده أسلوبه و جماليته.
و من الشائع أيضا أن المترجم الأدبي يواجه الكثير من المصاعب عند ترجمة نصه إذ عليه الغوص عميقا في معاني النص و دلالاته التي كثيرا ما تكون مضمرة و خفية بين سطوره.
“كل عمل مترجم هو في الحقيقة محصلة لتلاقي إبداع المؤلف و مفهوم المترجم له على ضوء خبرته باللغة التي يترجم إليها، و في إطار ثقافته الخاصة و أعراف أدب اللغة”13
يسعى مترجم النصوص الأدبية باختلاف أجناسها إلى تقمص شخصية المؤلف، و خياله و روحه الإبداعية لينقل تجربته الكتابية إلى القارئ، فكثيرة هي الروائع الأدبية العالمية التي ترجمت بطريقة إبداعية أضفت طابعا جديدا عليها و صبغة فنية متجددة كترجمة شليجل لمسرحيات شكسبير نحو اللغة الألمانية.
يعد المترجم مؤلفا جديدا للنص المترجم و الوحيد في ذلك كون المتلقي يعتبره كاتبا للنص الذي يتلقاه، و يسعى المترجم للنجاح في ذلك إلى الولوج في ثقافة النص المترجم و الإلمام بها، فيتحول بذلك من مجرد وسيط يقف على ضفاف الثقافات إلى عضو فعال في نقل مضامينها.
فنجده يدرس نصه دراسة سوسيوثقافية تارة و لسانية تارة أخرى لنقل المعالم الثقافية وفق لغة سليمة منتقاة تحافظ على المعنى.

. « le traducteur ne traduit cependant pas un texte en lui appliquant seulement ses connaissances linguistiques. A tout moment, d’autres connaissances sont réactives ».14
ترجمتنا:
” لا يسعى المترجم في ترجمته إلى تطبيق معارفه اللسانية فحسب بل هنالك معارف تفاعلية أخرى”

من جهتها، ترتبط النصوص الأدبية كقصائد الشعر العربي مثلا ارتباطا وثيقا ببيئة الشاعر التي يعبر عنها من خلال وصفه للصحراء مثلا و للحروب السائدة في البيئة العربية آنذاك، لذا تظل الصعوبة في نقلها نحو اللغات الأوروبية قائمة، مما دفع بالعديد من المنظرين في هذا السياق إلى الإقرار باستحالة الترجمة خاصة إذا تعلق الأمر بنصوص الشعر المعروفة بالتعقيد و الغموض و ارتباطها غي أغلب الأحيان بالسياق الثقافي و الاجتماعي للكاتب الاصلي، لاسيما الشعر العربي الموسوم بالتعقيد، وربما ترجع قلة الترجمات العربية للشعر و السعي بالنهوض بهذا الشق من الترجمة يسير في وتيرة ثقيلة إلى ذلك.
فالجاحظ – أبو الترجمة- يقر باستحالة ترجمة الشعر عامة و الشعر العربي على وجه الخصوص فقد حصره على الشعراء فقط، و هذا ما يشير إليه شحاذة الخوري أيضا حين يقول: “لا يترجم الشعر إلا شاعرا، و لا ينقل الأدب إلا أديب”15
صحيح أن صعوبة النص الشعري كبيرة لاحتوائه على الإيقاع و الأوزان التي قد تفتقد إليها اللغات الأخرى لأن اللغة العربية لغة أدبية بامتياز، إلا أن هذا الرأي يبقى نسبي نوعا ما كون هناك العديد من المترجمين المتمكنين قاموا بنقل الأعمال الأدبية بطريقة مثلى للغاية.
إن ترجمة النصوص الأدبية الحاملة لثقافة كاتبها و المفعمة بالخيال و التعبير الفني ليس بالهين لأنها تفرض على المترجم البحث عما يكافئ ما ورد في السياق الثقافي ضمن لغة المتلقي لاسيما إذا تعلق الأمر بترجمة أقوال مأثورة، أو أمثال شعبية، أو عبارات مختارة من اللهجة المحلية لمجتمع ما، فهنا يستحيل اللجوء إلى النقل الحرفي المباشر لأنه تقليد أعمى يجعل النص المترجم جسدا بلا روح.

يقول أنطوان بارمان في هذا الصدد:
« Il faut traduire l’œuvre étrangère de façon que l’on ne sente pas la traduction, on doit la traduire de façon à donner l’impression que c’est ce que l’auteur aurait écrit s’il l’avait écrit dans sa langue traduisante »16
ترجمتنا:
“علينا ترجمة العمل الأجنبي بشكل يجعلنا لا نشعر أننا أمام ترجمة بل نعطي انطباعا و كأن الكاتب الأصلي كان سيكتب نفس الشيء في لغة الترجمة”

لذا تبقى ترجمة العناصر الثقافية ضمن نص ما بعيدة كل البعد عن النقل الحرفي أو كما يسميها نيدا الترجمة الفيلولوجية، حيث يفضل تبني الترجمة وفق مبدأ التكافؤ الدينامي من أجل جلب درجة تمييز إضافية بين الكتابة الاصلية و الترجمة نحو المتلقي، فهنا يتم تجاوز مسألة التلقي للاتجاه نحو القراء في حد ذاتهم.

لذلك لابد من الإقرار بدور المترجم كوسيط فعال في النقل الثقافي، مواجها صعوبات جمة لا محال، مهما كان ملمّا بالثقافتين المنقول منها و المنقول إليها و مهما كان ضليعا.
لتبقى حاجته إلى معرفة تفاصيل و خبايا نصه أمرا ضروريا في نقل محتواه الثقافي، إلى جانب تحلّيه بموهبة خاصة تمكّنه من كشف المفارقات اللغوية و الثقافية و إيجاد ما يكافئها في اللغة و الثقافة المتلقية لأن العنصر الثقافي ضمن النص الأدبي يمثل عنصرا متغيرا و غير ثابت فعلى المترجم التعامل مع هذه النصوص بكل أمانة و احترافية.

3-المترجم: في رحلة البحث عن المتلقي
من المؤكد أن كل نص يترجم يكون موجها إلى فئة من القراء لكي يتمّوا مسار الترجمة و يتوّجونه بالتلقي، ففعل التلقي يشكل عنصرا هاما ضمن العملية الترجمية.
و قد أحاطت النظرية الأدبية بهذا المفهوم جيدا حتى أن أفكارها مهدت الطريق للنظريات الترجمية التي تعنى بالمتلقي على غرار نظرية سكوبس.
من جهتهم يعتقد أصحاب النظرية الأدبية أمثال فولفغانغ آيزر و هانز روبرت ياوس (1982) أن القراء نوعين القارئ المفترض و القارئ الحقيقي إذ يعتقد هؤلاء أن القارئ المفترض لا وجود له فعلا بل ينحصر كيانه في ذهن الناقد، و في الكثير من الأحيان يعمل المترجم أو حتى المؤلف على حسن صياغة نصه من أجله، لذا يلجأ إلى استخدام كافة السبل التفسيرية و الشرحية من أجل توضيح نصه و ضمان تبليغه الفعلي و التام إلى المتلقي الافتراضي كون كل نص مكتوب يوجه إلى المتلقي الذي يرسم الوجه الآخر للعمل المترجم حسب تطلعاته، و قد أحاط أومبيرتو إيكو بهذا المفهوم قائلا:
Le lecteur ou destinataire doit donc exercer un jugement sémiotique, c’es-à-dire que« pour “comprendre” le sens d’un texte, surtout s’il est indirect, le destinataire doit mettre en œuvre des processus de coopération interprétative ».17
ترجمتنا:
“على القارئ أو المتلقي ممارسة إصدار حكم سيميائي “من أجل فهم معنى النص، خاصة إذا كان غير مباشر، لذا يفترض على المتلقي تطبيق مسارات تأويلية”.

فمتلقي النصوص ذات المعاني الخفية كقصائد الشعر مثلا عليه اللجوء إلى المبادئ التأويلية لفهم معاني نصه، فالتأويل كثيرا ما يلازم الترجمة على حد رأي أصحاب النظرية التأويلية امثال ماريان ليديرار و دانيكا سلسكوفيتش، اللتان اتخذتا من الترجمة عملية اتصالية بالدرجة الأولى أي ذات هدف تبليغي ، مع مراعاة جانب التلقي ، إلى جانب النظرية الغائية .
« Les sons et les signes qu’on utilisent n’ont pas de sens en soi, mais seulement pour qui sait les interpréter en fonction de ce qu’ils représentent »18.
ترجمتنا:
” لا تكتسب الاصوات و الرموز المستعملة معناها في ذاتها، سوى عند معرفة تأويلها حسب ما تعبر عنه”

بالفعل، هذه اللغة المركبة من رموز و أصوات لا تكتسب معناها إلا عند تأويلها وفق ما تعبر عنه، و هنا ترجع إلى أذهاننا نظرية الدال و المدلول اللسانية.

أما القارئ الحقيقي، “الطبيعي”، فهو ذلك الذي يتلقى النص فعلا، أي الفرد الاجتماعي الذي يقوم بقراءة تامة للنص و دقيقة لمحتواه، فهذا النص الذي يتوجه من مؤلفه إلى قارئه الفعلي، أو حتى من مترجمه باعتبار المترجم مؤلفا ثانيا للنص يقوم متلقيه بتحديد مدى استجابة النص لمستواه الفكري، و متطلباته القراءاتية، بغية توسيع دائرة الفكر.
يسعى المترجم الأدبي إلى إحداث نفس الأثر الذي أحدثه الكاتب الأصلي في قرائه، و هذا هو الهدف المثالي للترجمة الأدبية التي لا يهتم مترجمها بنقل المعاني المباشرة فحسب بل هدفه جمالي بالدرجة الأولى و تأثيره في نفسية القارئ هو مراده الأسمى.
و قد وضع آيزر نظرية الاستجابة للقراء التي تقوم على ثلاث أسس و هي: النص، القارئ و تفاعلهما، محاولا تحليل عملية القراءة من وجهة نظر ظاهراتية و تأويلية موليا إياها اهتماما خاصا.
كما يصف التفاعل بين النص و القارئ حسب مبدأ القارئ الضمني الذي يحدد من خلال حالة نصية و استمرارية نتاج المعنى على أساس أن النتاج من صنيع القارئ لا من صنع الأديب وحده.
إن للقارئ مساهمة واسعة في تأسيس النظرية الجمالية، إذ يحدد مجراها و يشارك فيها فهي لا تتم إلا وفق مشاركته ضمنها كونها عملية اتصالية تتم بين الباث و المتلقي لذلك يشير جوس إلى أن أفق القراء يكتسب تغييرات على المستوى الجمالي و الأخلاقي حسب أزمنة معينة.
و قد كان جوس من الأوائل الذين أدرجوا فكرة الأفق ضمن نظرية التلقي التي امتدت إلى نظرية الترجمة عند رائدها أنطوان بارمان، الذي أدرجها ضمن مبادئ نظريته حول الترجمة، عندما حدد المسار الذي يمر به النص المترجم وفق ثلاث مراحل على غرار الوضعية الترجمية، مشروع الترجمة و بعدها الأفق الترجمي، و هو ما يتأمله القارئ من الترجمة

حيث يشير بارمان قائلا:
« L’horizon est l’ensemble des paramètres langagiers, littéraires, culturels, et
historiques qui déterminent le sentir, l’agir, et le penser d’un traducteur »19
ترجمتنا:
” يمثل الأفق مجموع الإعدادات اللغوية، و الأدبية و الثقافية و التاريخية التي من شأنها تحديد إحساس و تفاعل و فكر المترجم”

نرى أن عملية القراءة تسير في اتجاهين مختلفين متبادلين من النص إلى القارئ، و من القارئ إلى النص، فكلما قدّم النص إلى القارئ مفاهيم ثقافية جديدة كلما أضفى القارئ على النص أبعادا جمالية جديدة حتى تنتهي العملية بالإشباع النفسي و النصي أو بخلق نوعا من التلقي الكامل و التام لمعنى النص، و هنا تكون عملية القراءة للترجمة أو للعمل المؤلف في حد ذاته قد أدت دورها.
فعلى حد قول بوليفاري: ” لأشعاري ذلك المعنى الذي يعطيه إياها القارئ”
أيا كان نوع العمل المترجم لا يتحدد هدف الترجمة سوى عند قارئها، فعلى المترجم أن يكون على دراية تامة بثقافة اللغة المنقول إليها مدركا جميع مستوياتها الصوتية و الصرفية و النحوية و الدلالية و الأسلوبية و كذا خباياها الجوهرية حتى يتمكن من نقل ثقافة ذلك النص الأصلي إلى ثقافة متلقي الترجمة بأمانة و صدق.
فما هو سبيل تحقيق ذلك؟ و ماهي الآليات الترجمية التي تجعله يتوفق في ترجمة الثقافة الواردة في النص الأصلي من مصطلحات و صيغ محضة تخص الثقافة الاصلية؟

4-آليات ترجمة العناصر الثقافية

يعتبر مبدأ التكافؤ في الترجمة أساس من الأسس التي تقوم عليها هذه العملية، و التي سعى إلى سنها أوجين نيدا حيث يرجع دور المترجم من خلاله إلى محاولة البحث عن المعنى الحقيقي و خلق ذات الأثر عند المتلقي كذلك الذي أحدثه كاتب النص الأصلي لدى قرائه.
و قد سعى نيدا من خلال وضعه لمبدأ التكافؤ في الترجمة إلى التحليل و تحويل البنية اللغوية و إعادة تركيبها، لذلك على المترجم حسبه دراسة اللغة المصدر من أجل استخلاص المعنى، معتمدا على ألفاظ اللغة و سياقها لاسيما السياق الثقافي للغة المصدر، و يعرف هذا المبدأ بالترجمة التواصلية و يسميه نيدا التكافؤ الديناميكي،
حيث يؤكد على أن هذا المبدأ أصبح متفوق بشكل عام في نظرية الترجمة، لذا يلح مؤيدو هذه النظرية على أن هناك العديد من المدلولات المشتركة بين اللغات، فبدلا من التركيز على الاختلافات الثقافية ينبغي البحث عن مكافئ لما ورد في النص المصدر، كما يميز نيدا بين التكافؤ الشكلي و التكافؤ الديناميكي.
مشيرا من خلال التكافؤ الشكلي على شكل النص عبر الاهتمام بالجوانب المعنوية للغة وفق ما تحدده الظروف الثقافية، بالتالي على المترجم تعويض نظام ثقافي بآخر لا تعويض نظام لغوي بآخر.

أما التكافؤ الدينامي فيركز كثيرا على السياق الثقافي بشكل خاص، متفقا بذلك مع النظرية التأويلية في الترجمة و التي تصف الترجمة بأنها عملية اتصالية محضة، و تحدد هدفها في الإبلاغ و نقل المعنى لا الكلمات.
كما يصف نيدا اللغة على أنها أداة ذات وظيفة اتصالية اجتماعية، لا تنحصر عند مجموعة من الأفراد فحسب، بل انطلق للبحث عن وظيفة المفردة اللغوية بصفتها أصغر وحدة في التعبير كما تطرق إلى سرد العراقيل التي تقف في وجه المترجم عند التنقل من لغة إلى أخرى.
فمبدأ التكافؤ الدينامي يؤكد على المعنى المتضمن داخل السياق أو المقام كما يسميه البعض، مع التركيز على نقله بكل أمانة، و يعد المبدأ الأكثر عملية و فعالية في الترجمة.
يؤكد اللسانيون كثيرا على العالم الخارجي للنص و ظروف إنتاجه، أما علماء الترجمة فيهتمون أكثر بالجانب الثقافي و أبعاده لغويا، أي الرقيّ بالنص إلى أبعد حدوده الشكلية.

يلح نيدا على التكافؤ الدينامي للنص ملقيا المسؤولية على المترجم في البحث عن المعنى الأقرب من خلال خلق نفس الأثر الذي خلقه النص الأصلي لدى قرائه وفقا لما حدده المعنى.
لذلك يعتبر أوجين نيدا من اللسانيين المهتمين بالمترجم و دوره ضمن النص المترجَم، مؤكدا أن على المترجم إيجاد التكافؤ الثقافي و البحث عن المعنى أيضا من خلال نقله ليس فقط للغة و إنما لما تكتنزه هذه الأخيرة من مخزون حضاري و ثقافي و جمالي إلى جانب تقمصه شخصيةَ الكاتب الأصلي و الولوج في عالم كتابته الخاص.
يرى نيدا أنه” لا يمكن لأي مناقشة لمبادئ و مناهج الترجمة أن تزودنا بمعالجة لعملية الترجمة بمعزل عن المترجم نفسه”20
لذلك أكد على الدور الكبير الذي يحظى به المترجم لاسيما أنه من يقوم بعملية التكافؤ من خلال نقله للمقومات الثقافية و الحضارية من لغة إلى أخرى، من أجل نقل الأثر الانفعالي و النفساني و الابلاغي للنص الأصلي، فكثيرة هي النصوص التي تطبق مبدأ التكافؤ مع السعي إلى تحقيق الأمانة في الترجمة، لذا يرى نيدا أنه لابد من إقحام المترجم في العملية الترجمية كونه العنصر الرئيسي فيها إذ لا يمكن أن تبقى العملية الترجمية موضوعية كليا لأن المترجم يشكل جزءا من البيئة الثقافية التي يعيش فيها.

يقول نيدا: “هذا شأن كبريائنا، حماقتنا أو مصيرنا حيث القليل منا يترجم و لكن مثلنا لا يستطيع أن يكتب و إذ أريد من المترجم أن ينتج رسالة مقبولة رغم ما يلاقيه من صعوبات و نكران للجميل، فلابد أن يمتلك تجربة ممتازة في لغة المصدر و لابد في نفس الوقت أن يملك السيطرة على موارد اللغة التي يترجم إليها، فهو لا يستطيع حقا أن يكافئ بين الكلمات مقتصرا على القاموس، بل لابد له أن يخلق بالمعنى الحقيقي صيغة لغوية جديدة لكي ينقل المفهوم الذي تعبر عنه لغة المصدر”21
كما يهتم نيدا بأهمية الأسلوب و الإنشاء الذي يمكن المترجم من بلوغ التكافؤ في النص، فحسبه يُعتبر التكافؤ الحل الأمثل للمترجم أمام الصعوبات التي تفرضها الترجمة و الاصطلاحية الخاصة بكل مجال لاسيما المجال الأدبي.
على غرار الباحثون أمثال رومان جاكبسون و فيني و داربلني و نيدا و تابر الدارسين لمبدأ التكافؤ بأنواعه ومدى امكانية تطبيقه في الترجمة.

و يعد نيدا من أكثر المهتمين بموضوع ترجمة الثقافة و التكافؤ باعتباره أنسب حل حسبه لترجمة الكتب المقدسة وكذا الأدب و النصوص ذات الخصوصية الثقافية.
فمبدأ التكافؤ الذي يتبناه المترجمون عند ترجمة العناصر الثقافية الواردة ضمن نصوصهم يعتبر أنجع الاستراتيجيات و الآليات الترجمية.

5-انعكاس التقارب الثقافي على الترجمة

تعدد اللغات بتعدد ثقافاتها و تصل حد التشابه أحيانا فيما بينها كاللغة العربية و العبرية مثلا أو اللغة الألمانية و المجرية أو الألمانية و السويدية، إذ تبدو اللغات متشابهة و متقاربة لكن الترجمة بينها تظل تشكل صعوبة دائمة و هذا ما أطلق عليه نيدا مصطلح “الأصدقاء الكاذبين”.
إلا أن هناك بعض اللغات يصل توافق الثقافة بينها إلى حد كبير ما يجعلها تحتوي على مصطلحات متشابهة نظرا للتقارب الجغرافي مثلا أو وفقا لما رسمه التاريخ من خلال آثاره التي ترسخت ضمن ذاكرة الناطقين بها، وخير دليل على ذلك التقارب الثقافي بين كلا الحضارتين العربية و الاسبانية، فمن منا لا يعرف بلاد الأندلس و ما خلّفه المسلمون هناك من آثار ثقافية امتدت جذورها إلى يومنا هذا.
يدرك الزائر لغرناطة و قصورها و المتجول بين أزقة الأندلس بوضوح معالم الحضارة و التراث الثقافي الخالد في اسبانيا الذي يشمل الفكر و الكتابة الأدبية أيضا، فأكيد أن القرون التي عاشها العرب هناك كانت عاملا هاما جديرا برسم ملامح الهوية العربية في أرض غربية.
فمن يتحدث عن الفكر لابد أن يذكر اللغة التي تعد مرآة الفكر، و في سياق التقارب الثقافي و انعكاساته على اللغة، يجمع جل اللسانيين أن اللغة الاسبانية هي من أكثر اللغات الأوروبية تأثرا باللغة العربية، إذ يشير بعضهم إلى أن ثلاثين بالمئة من الجذور اللغوية الاسبانية يرجع أصلها إلى اللغة العربية، مع وجود حوالي عشرة آلاف كلمة عربية ضمن اللغة الاسبانية و التي تتداول في اسبانيا إلى يومنا هذا.
و لاشك أن التقارب بين اللغات يخدم بشكل كبير الترجمة و يسهل مهمة المترجم لاسيما ضمن السياق الثقافي عند ترجمة نصوص ثقافية أو أقوال مأثورة أو حكم، أو حتى نصوصا دينية، ما يجعل إيجاد التكافؤات في الشق الثقافي و الاصطلاحي أمرا يسيرا.

إذ أشارت العديد من الأبحاث و الدراسات التي يقوم بها المستعربون الاسبان أمثال أمريكو كاسترو أن هناك تقارب بين الثقافة الشعبية الاسبانية و المعتقدات المنبثقة من الموروث الاسباني و التي تعكس الثقافة العربية الاسلامية جليا.
فعلى سبيل تتضمن العديد من الأمثال الشعبية الاسبانية ملامحا للثقافة العربية الاسلامية إذ يعني إحداها:
“فلان حمار محمل بالعلوم” و هنا نرى الأثر مباشرا عند تأملنا للآية القرآنية الكريمة:
“مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا”.
كانت المفاهيم الدينية و لا تزال ثابتة ضمن الحضارة و اللغة الاسبانية الحالية بالرغم من الجهود الدائمة الساعية إلى طمسها.
للأديب سرفانتس الأثر Don quijote de la mancha و نلتمس من خلال اطلاعنا على رواية
العربي الكائن ضمن الفكر الروائي الاسباني آنذاك، حيث كانت و لاتزال هذه الروية إحدى الروائع الأدبية العالمية بامتياز.
من خلال اطلاعنا على الموروث الثقافي الاسباني من أمثال و حكم شعبية نرى في بعض منها امتزاجا عربيا في مضمونها مثل:
“Quien madrugaba dios le ayudaba”
حيث نجد ما يكافئها ضمن الثقافة العربية في قوله عليه الصلاة و السلام: “اللهم بارك لأمتي في بكورها”.
فهناك العديد من الأمثال الشعبية التي نجد تكافئا لها ضمن الثقافة و اللغة العربية على غرار:
“Quien se calla otorga” “السكوت علامة الرضى:”
« Quien busca halla » “من جد وجد”
و بالمقابل هناك طبعا العديد من الترجمات التي تستحق البحث العميق ضمن الثقافة و اللغة المتلقية مع تفادي النقل الحرفي المباشر إذ يستحيل نجاحه في نقل المعنى الثقافي، كون اللغتين العربية و الاسبانية تبقيان لغتان مختلفان إلى حد ما.

و أمثلة ذلك كثيرة، نذكر بعضا منها:
“Dios les crea y ellos se juntan”
“Las cosas claras, el chocolate espeso”

و لترجمة هذا النوع من الأمثال يفترض على المترجم البحث ضمن ثقافة النص العربي محاولا إيجاد المثل الذي يكافئ هذين المثلين، مثل المثل العربي الشائع: “الطيور على أشكالها تقع”
أما المثل الثاني و الذي يبدو معقدا نوعا ما، قد يجد المترجم صعوبة في نقله إلى اللغة العربية،
إذ نلاحظ أنه وجيز كغيره من الأمثال، متسم بالدقة، و غير محتو على فعل، إلا أنه و مايلفت الانتباه من الناحية الثقافية، احتوائه على لفظةchocolate ، و المعروف عن هذه اللفظة أنها تمثل عربون محبة و صداقة في الثقافة الأوروبية و تدخل في إطار الهدايا بين الأحباب و الأصدقاء و الأحباء، فدور المترجم في مثل هذه الحالات الولوج ضمن ثقافة الكاتب لفهم معنى عبارته و التمكن من إيجاد ما يكافؤها في الثقافة المتلقية.
أما لفظةespeso –chocolate espeso فقد يقصد بها المعاملات المالية بين الأصحاب.
لذا نقترح ترجمتها ب: “تعاشروا كالأحباب، تعاملوا كالأجانب”، و قد ارتأينا بداية العبارة بفعل نظرا لقواعد اللغة العربية، عكس اللغات الأجنبية التي تبتدأ جملها بالأسماء.
و هو ما يكافئ في الثقافة الفرنسية:
« Les bons comptes font les bons amis »
و هذه بعض الأمثلة عن ترجمة إحدى أجناس الثقافة و هي الأمثال ارتأينا تقديمها من أجل الإحاطة أكثر بالموضوع و تفعيل دور المترجم.

الخاتمة:
كخلاصة عما تطرقنا إليه في هذا المقال الهادف إلى الإحاطة بموضوع من مواضيع الترجمة ألا و هو ترجمة النصوص الأدبية الحاملة للتعبير عن الذات و حوار الثقافات.
و بعد سعينا إلى دراسة المناهج الترجمية الرائدة و الشهيرة المنصبة في سياق ترجمة المقومات الثقافية والآليات المؤدية إلى نجاح هذه العملية التي تبدو معقدة نوعا ما، حيث عملنا على إبراز دور المترجم في تبليغ معنى و جماليات هذا النوع من النصوص المختلف عن باقي نصوص الترجمة التقنية أو العلمية عموما.
لذلك يمكن القول أن المترجم هذا العنصر الوسيط في نقل الثقافات و اللغات و من أجل إثبات و تفعيل دوره حقيقة، خاصة عند نقل الثقافة و معانيها الواردة في نصوصه و وفق مقاربة نيدا في هذا السياق نستخلص أن عليه السعي إلى:
– البحث الدائم و المستمر عن المعنى الحقيقي و الأصلي الوارد ضمن النص المصدر، و المتواري في أغلب الأحيان وراء الألفاظ و التعابير الأدبية ذات الخصوصية الثقافية المحضة.
– السعي بجدارة إلى إحداث نفس الأثر في نفسية المتلقي للنص المترجم سواء كان النص شعريا أم نثريا، و جعل المترجم يكتسب صفة الكاتب الثاني للنص.
و ذلك عن طريق:
– تحليل البنى اللغوية أي العبارات الواردة ضمن النص الأصلي و إعادة تركيبها، و هنا يمكن اللجوء إلى انتهاج منهج النظرية التأويلية القائمة على فهم المعنى الوارد ضمن النص الأصلي، تفكيكه و حل شفرته اللغوية، ثم إعادة صياغته وفق المتطلبات الثقافية و اللغوية للغة المتلقي في سبيل البحث عما أسماه نيدا بالتكافؤ الديناميكي أي العمل على المستويين المعنوي و الإنشائي التعبيري.
– تأدية وظيفة اللغة الاتصالية و الرقي بدور الترجمة في الربط بين الثقافات و المجتمعات .
على حد قول ماريان ليديرار:
« Les traducteurs sont les gardiens, les protecteurs et les propagateurs des cultures du mondes »22
ترجمتنا:
“المترجمون هم حماة و حراس و ناشرون لثقافات العالم”.
– إطلاع المترجم على الثقافتين و الهدف و صب الاهتمام على المتلقي بالتعبير الملائم ضمن النص.

المراجع:
1- أحمد بن الفارس بن زكريا أبو الحسين: تحقيق: عبد السلام محمد هارون، معجم مقاييس اللغة، ج1، دار الفكر، بيروت، 1979، ص382.
2- محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو المنصور، تحقيق محمد عوض: تهذيب اللغة، ج9، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2001، ص81.
3- نادية شريف العمري: أضواء على الثقافة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، لبنان ،2001،ص09
4- مفرح بن سليمان القوسي: مقدمات في الثقافة الإسلامية، ط3، دار الغيث للنشر، الرياض، 1998، ص36.
5- سلامة موسى: الثقافة و الحضارة، مجلة الهلال، القاهرة، ذكره نصر محمد عارف في كتابه: “الحضارة (الثقافة المدنية) دراسة لسيرة المصطلح و دلالة المفهوم، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط2، 1994،ص171.
6- مالك بن نبي: مشكلة الثقافة (الحرفية في الثقافة)، دار الفكر، الجزائر،2000، ص22
7-المرجع السابق، ص23
8- Levi Strauss, Claude : Linguistique et anthropologie, Anthropologie structurale, Paris, Plon, 1958, p81.
9- Ibid : p79.
10-Besse Henri : Cultiver une identité plurielle, Le français dans le monde, Paris, CLE, N 254, 1993, p42.48
11-شحاذة الخوري: دراسات عن واقع الترجمة في الوطن العربي، القسم 2، المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم، تونس، 1987، ص84.
12- شحاذة الخوري: الترجمة قديما و حديثا، ط1، منشورات دار المعارف للطباعة و النشر، تونس، 1988، ص104.
13- محمد عناني: الترجمة الأدبية بين النظرية و التطبيق، لونجمان ، القاهرة، 2003، ص04
14- Lederer Mariane : la traduction aujourd’hui : le modèle interprétatif, Paris, Hachette, 1994, p123.

15- شحاذة الخوري: دراسات في الترجمة و المصطلح و التعريب، دار طلاس، سوريا، ص57.
16-Berman, Antoine : la traduction et la lettre, ou l’auberge du lointain, Seuil, Paris, 1999, p35.
17- ECO, Umberto : Sémiotique et philosophie du langage, Paris, Presses universitaires de France,1988,p71.
18- Edward Sapir (1921) : Anthropologie : culture et personnalité, trad. Française: 1967, Minuit, Paris, p51.
19-Berman Antoine : pour une critique des traductions : John Donne, Paris, Gallimard, 1995, p79.
20- أوجين نيدا: نحو علم النص، ترجمة: ماجد النجار، مطبوعات وزارة الأعلام، الجمهورية العراقية، 1976، ص285.
21- المرجع السابق، ص293.
22-Mariane Lederer : 1994, p122.

شارك برأيك