مستقبل الإسلام

في الأشهر المنصرمة شاهدنا فضل الله عز وجل على أمتنا التي تجددت في شرايينها وأوصالها دماء الحياة العزيزة والكريمة، بعد سنوات بل قرون من الاستبداد والذلة والحقارة بين الأمم القوية في العالم.

تحركت الشعوب المقهورة فيما سمي ب “ثورات الربيع العربي”، مطالبة بالحرية والكرامة والعزة في مواجهة الفراعنة من حكام الجبر الذين استأسدوا على رقابنا فترة من الزمن، وأفسدوا وظلموا.

تحركت الشعوب، وفي مقدمتها الشباب، لتسقط بعضا من رؤوس الفساد والاستبداد في كل من مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن. ولتؤكد حقيقة طالما تنكبها السياسيون في بلداننا، حقيقة انسداد أفق المشاركة الانتخابية بوصفها طريقا لإنجاز التغيير المطلوب.

إنها الحركة المباركة التي تبشر بعودة الحياة إلى أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. حياة الإيمان والجهاد.

1. البشارة النبوية:

 جاءت البشارة النبوية في حديث عظيم أنبأ الأمة بما سيؤول إليه أمرها بعد وفاة رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزهر السلام، وبما يتعين على المؤمنين من سلوك تربوي وعمل جهادي على منهاجه القويم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت.” [1]

لا يمكن أن يكون للمسلمين مستقبل عزيز إذا لم يستمسكوا بهذا الحديث العظيم الذي جعله الأستاذ عبد السلام ياسين محور الفكر والعلم والتربية والجهاد.

إنه الحديث الذي يكشف للأمة مواضع الضعف وأسباب الهزيمة ومعالم الارتكاس. وفي الآن نفسه يشير علينا معشر المؤمنين بمفاتيح اليقظة والنهوض والعزة، مفاتيح مستمدة من التمسك بمنهاج النبوة في توبة الفرد وحركة الجماعة وبناء الأمة.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين موضحا: “الملك العاض الذي يعض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه مضى وولى. والمسلمون اليوم تحت القهر الجبري أي الدكتاتوري بلسان العصر، ولهو أفظع من العاض، لأن الجبر إن كان يلوح بشعارات الدين كما كان يفعل الملك العاض فقد أفرغ أجهزة الحكم والإعلام والتعليم وأفرغ قوانين الحكم من كل معاني الإسلام. وإن هذه الأمة المغلوبة على أمرها بحاجة لمن يربي وينظم  جيلا يحرر الأمة من ربقة الجبر الملحد أو المتستر تحت شعارات الإسلام، ويقيم للأمة دولة الخلافة الموعود بها عموما في آيات استخلاف المؤمنين المستضعفين في القرآن، المنصوص عليها في سياق تاريخي في هذا الحديث النبوي المشرق الذي نضعه بين أعيننا رجاء يقينيا، ونورا هاديا، ونداء غيبيا وتاريخيا، قد أخذت الأمة تسمع له، وتنتفض تلبية له بما يؤيد الله به عباده من نصر أخذت تباشيره تجلو عنا غسق الفتنة وظلام الجاهلية المحيط.” [2]

2. جيل قرآني يقود:

 أخذت الأمة تسمع لهذا النداء الغيبي والتاريخي، وشرعت تنتفض ضد أصنام الاستبداد شيئا فشيئا، تتوسطها الحركة الإسلامية وذوو المروءة الذين لم يدركوا بعد المعنى الكامل للإسلام الذي حاربه الكفار والمنافقون والمتمالئون معهم في الداخل. والمعنى الكامل هو  تجديد الإيمان في القلوب وبعث روح الجهاد.

المعنى الكامل هو عقل مومن يستقي من نور الوحي، وإرادة قوية تنفذ في واقع الهزيمة الحضارية، وسواعد تكنس الأوبئة والأمراض الاجتماعية والسياسية، ومشروع واضح لاقتلاع الظلم والبغي بالحكمة الواجبة والقوة المطلوبة.

مطلوب منا أن نقبل على الله سبحانه الإقبال التام، وأن نستمد النور بالاتباع الكامل للقدوة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن نجعل القرآن الكريم محور الحياة الفردية والجماعية، تربية وتعليما واقتصادا وسياسة. “منه ننطلق، وإليه ننتهي. به تُطَبُّ القلوبُ، وبه تهذَّبُ الأخلاقُ، وفي مدرستِه تُطْبَعُ كلُّ العلوم لتأخُذَ صبغةَ الله، وتجَنَّدَ لخدمة دين الله. الحق الذي جاء به القرآن هو معيارُ كل القيم، به نعرفُ نسبة الإنسان للإنسان، ونسبةَ الإنسان للكون، ونسبة الدنيا للآخرة، ونسبة الحق للباطل، في إطار نسبة العبد لربه. وأنصعُ ما تكون النسبة بين العبيد ومولاهم الحقِّ حين يتلون كتابَه المنـزَّل عليهم رحمةً وحكمة، وحين يشمرون لتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي.” [3]

3. تفاهم وتعاون:

 نتأمل مشهد “الربيع العربي” في بلداننا حيث تشتد غضبة المسلمين على الحكام الظلمة الذين انتهكوا الحرمات وسفكوا الدماء وضيعوا الثروات، فنجد خليطا من التيارات اليسارية والقومية والإسلامية المتضامنة في شوراع الاحتجاجات و”الثورات”. وهنا يلزمنا قدر من الحكمة والرحمة ليكون تدبير المرحلة ناجحا. بل الله تعالى هو المدبر الحكيم.

إن التأسيس للمستقبل الإسلامي لا يتم إلا من خلال خطوات متدرجة قوامها التفاهم الضروري بين سائر مكونات الأمة وشرائحها. خطوات أساسها توطيد الحريات وإشاعة الحوار ونسج الألفة، لأن إحياء الأمة وتقويتها وتجديد عزتها في العالم لا تتحقق بدون مشاركة فاعلة لكل الناس، وفي كل الميادين. بهذا الأفق الواسع نستقبل غد الإسلام المشرق، ونحث الناس على العمل الدؤوب الصابر استعدادا لمعركة البناء العمراني الشامل.

 الهوامش:

[1]  رواه الإمام أحمد، وصححه الحافظ العراقي، وكذلك صححه الألباني

[2]  عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 12-13، الطبعة الثالثة.

[3]  عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص 158، الطبعة الأولى 2009 .

تعليقان (2) على “مستقبل الإسلام”

    1. مرحبا بكم الأخ فادي. هذا مقال وليس خبرا. تجدون في “مذكرة الباحث” ما يتعلق بمثل هذا الموضوع. شكرا لكم.

شارك برأيك